الأربعاء 26 تموز 2017 الموافق لـ 27 شوال 1438هـ

» مفاهيــــم إســـلامــية

علاج الفساد


يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُون﴾1

تمهيد
بعد أن تبيّن لنا بعض من مظاهر الفساد ومخاطره على الشخص والمجتمع والأرض الّتي نعيش عليها، نتعرّض في هذا الدرس إلى أهم الوسائل العلاجيّة لهذا المرض الخطير، ومنها:

الدواء، وهو نوعان:
دواء تحصين واكتساب للمناعة ضدّ كلّ أنواع المفاسد، وذلك يكون من خلال

التربية الصحيحة منذ الصغر على الأحكام الشرعيّة وبيان المصالح المترتّبة على الالتزام بها والمفاسد الناتجة عن تركها.
تنمية الشعور بالرقابة الذاتيّة ومحاسبة النفس.
تفعيل الرقابة الأسريّة والاجتماعيّة.
تنمية الوازع الديني وحالة الخوف من الله وتقواه.

دواء لاقتلاع المرض بعد حدوثه واستئصال جذوره. ويكون ذلك من خلال:
التوبة والاستغفار والمبادرة إلى الإصلاح إن كان الفساد حالةً شخصيّة.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قانون العقوبات في الإسلام الشامل للحدود والتعزيرات الّتي تشكل رادعا للمرتكبين والمفسدين وعلاجا فوريا لهذه الحالة المرضية.

درهم وقاية خير من قنطار علاج
أوّل الوقاية يكمن في التزكية وإصلاح النفوس، وبها يرتبط فيها الإنسان بالله عزّ وجلّ، ويستحضر عظمته، يستحيي منه، يخاف عذابه، ويرجو ثوابه.

حيث إنّ أهم ما يجب أن يهتمّ به الإنسان هو نفسه الّتي بين جنبيه ثمّ ينطلق من بعد إصلاح نفسه إلى إصلاح الآخرين. يقول أمير المؤمنين وأستاذ المصلحين عليه السلام في كلماته القصار: "ومعلِّم نفسه ومؤدبها أحقّ بالإجلال من معلِّم الناس ومؤدّبهم" ،2 كما أنّ الفلاح وعدمه يرتبطان بطريقة التعامل مع هذه النفس، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾3.

والتزكية كلمة في اللغة العربية لها معنيان, الطهارة والنماء، فالإنسان إذا أراد أن يزكّي نفسه عليه أن يطهّر نفسه ويخلّيها من الرذائل أوّلا ويحلّيها بالفضائل ثانياً.

ويلاحظ في القرآن الكريم تركيزه على مسألة إصلاح النفس أكثر من بقيّة الجوانب لأنّ ذلك هو المنطلق، قال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا﴾4.

عن الإمام الصادق عليه السلام: "حقّ على كلّ مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كلّ يوم وليلة على نفسه، فيكون محاسب نفسه، فإن رأى حسنة استزاد منها، وإن رأى سيّئة استغفر منها لئلّا يُخزى يوم القيامة"5.

وعنه عليه السلام: "إذا أويت إلى فراشك فانظر ما سلكت في بطنك وما كسبت في يومك، واذكر أنّك ميّت وأنّ لك معادا"6.

فإذا قام الإنسان بتزكية نفسه وحاسبها كما وردت الروايات به فإنّه لا شكّ سيبتعد عن كلّ أنواع المعاصي وما يترتّب عليها من مفاسد, ولو أخطأ لا سمح الله فإنّه يبادر إلى التوبة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُون...﴾ 7وإلّا كان من ذوي النفوس الأمّارة بالسوء.

التربية الأسرية والرقابة فيها
قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾8.

هناك وسائل عديدة يمكن الإفادة منها في سبيل إصلاح الفرد والمجتمع وتقف على رأس أولويّات هذه الوسائل التربية الصحيحة للفرد على المستوى النفسيّ والتربويّ والدينيّ والتأديب على خصال الخير ومكارم الأخلاق.
وينبغي في التربية مراعاة الأصول الشرعيّة والتربويّة في تنشئة الأولاد، والاهتمام وعدم الإهمال فما أفسد الأبناء شيء كتغافل الآباء وإهمالهم.

ومن الأسس المساهمة في تربية الأبناء وصلاحهم
ـ التوازن بين الليّن والشدّة وقد أكدّت الروايات على الاعتدال في التعامل مع الطفل فلا إفراط ولا تفريط، عن الإمام الباقر عليه السلام: "شرّ الآباء من دعاه البرّ إلى الإفراط"9.

فإذا لم ينفع الإقناع واللين يأتي دور التأنيب أو العقاب المعنويّ دون البدنيّ، والعقوبة العاطفيّة خيرٌ من العقوبة البدنيّة كما أجاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام حينما سُئِل عن كيفيّة التعامل مع الطفل فقال: "لا تضربه واهجره... ولا تُطل"10.

المبادرة إلى التربية في الصغر، فالتربية الفاعلة هي الّتي تكون في الصغر والطفل ينشأ على ما يعوّده عليه والداه في صغره.
ربط الأولاد بالله تعالى وتعظيم شأنه وطاعته سبحانه ومَنْ أمر بطاعته.
اتباع أسلوب الحوار، واعتماد سبيل العتاب بدل التوبيخ.
وجود القدوة الحسنة، وينبغي أن يتمثّل الوالدان ذلك فهما أكثر الناس تأثيراً في أولادهم.

فضل الأدب والتأديب
المراد من التأديب هو التهذيب ورياضة النفوس على محاسن الأخلاق والعادات وحملها على مكارم الأخلاق. وقد قيل: "من أدّب ابنه صغيراً قرّت به عينه كبيراً".

وقديماً كانوا يرسلون أولادهم إلى حيث ينهلون الأدب وكان يقال للمعلم المؤدّب، وعلم لا يُفضي إلى أدب لا خير فيه.

وقد أدّب الأنّبياء عليهم السلام الناس على جملة من الأمور الّتي فيها خيرهم. وقد ذكر القرآن بعضا منها:

الأدب مع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ 11

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ..﴾12.

الأدب مع الوالدين ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ... فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا...﴾13.

نماذج عملية من العلاج الإسلامي من خلال الوقاية
الاستئذان عند الزيارة وغض البصر: لمّا كان الزنا طريقه النظر، ومبدؤه البصر والاطلاع على العورات، أرشد الله الحكيم عباده إلى الاستئذان إذا أرادوا دخول البيوت، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾14.

وفي شأن البصر خاصّة أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بغضّ البصر: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾15، وقدّم الأمر بغض البصر على حفظ الفرج لأنّ البصر هو بداية طريق خطيئة الفرج وهو الممهّد لها.

الإسلام ينهى المرأة عن ترقيق صوتها والخضوع في القول.

حرّم بعض أنواع الاختلاط.
منع مصافحة النساء غير المحارم.
منع المرأة من الخروج متعطّرة.

رغّب في الزواج: حيث إنّ الزواج عفة ووقاية, نصح الإسلام الأبوين بتزويج الولد والبنت متى بلغا, قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم﴾16.

ودعا إلى تسهيل أمر الزواج وتخفيف المهور واختيار أصحاب الدين والخلق، وغير ذلك من أمور ممّا يشكّل قطعاً لمادّة الفساد قبل الابتلاء بشيء من هذا القبيل.

الترغيب والترهيب
اعتمد القرآن الكريم أسلوب الترغيب والترهيب للتحفيز على فعل الخيرات وترك الشرور والآثام من خلال بيان نتائج الأفعال بثوابها وعقابها، فرغّب في الثواب بتبيان عظيم الأجر،كقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾17.

وحذرّ أيضا من عظيم العقاب، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾18.

وهذا ما يلاحظ كثيرا في كتاب الله وكذا في الروايات الشريفة. وما ذلك إلّا ليعمل الإنسان من خلال الرغبة والرهبة وهو أسلوب يفترض أن يكون مؤثّرا إلّا عند من صم أذنيه وأغمض عينيه وعمي قلبه.

* قد جاءتكم موعظة , سلسلة الدروس الثقافية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية

1- سورة الأعراف، الآية: 201.
2- نهج البلاغة، ج4، ص16.
3- سورة الشمس، الآيات: 7 -10.
4- سورة الأعراف، الآية: 58.
5- تحف العقول، الحرّاني، ص301.
6- بحار الأنوار، العلّامة المجلسي،71 ، 267 ، 17.
7- سورة الأعراف، الآية: 201.
8- سورة التحريم، الآية: 6.
9- تاريخ اليعقوبي، ج2، ص320.
10- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج23، ص114.
11- سورة النور، الآية: 5.
12- سورة الحجرات، الآية: 2.
13- سورة الإسراء، الآية: 23.
14- سورة النور، الآية:27.
15- سورة النور، الآية: 30.
16- سورة النور، الآية: 32.
17- سورة آل عمران، الآيتان: 14 - 15.
18- سورة التوبة: الآيتان: 34 - 35.

1023 مشاهدة | 02-12-2014