السبت 23 أيلول 2017 الموافق لـ 1 محرم 1439هـ

» إضـــــاءات قــــرآنــية

الأسلوب القصصي في القرآن الكريم


أحسن القصص
القرآن معجزة الإسلام الخالدة، تحدّى العالم في الإتيان بمثله، وعجزت العرب بكل أدبائها وشعرائها وما كانت تفخر به من القدرة على البيان وصناعة الكلام عن تحدي هذا القرآن والإتيان بآية واحدة مثل القرآن.

وفي القرآن أساليب متعددة من البيان، وأكثر هذه الأساليب تأثيراً في النفوس هو الأسلوب القصصي وقد قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾1.

قال أهل اللغة: القص تتبع الأثر، يقال: قصصت أثره، والقصص الأثر، قال تعالى:  ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾2، ﴿وَقَالَتْ لِأخْتِهِ قُصِّيه﴾3. قال: والقصص الأخبار المتتبعة قال تعالى:  ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ 4، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب﴾5،  ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَص﴾ 6.

فما هي فائدة القصة ولماذا استخدم القرآن أسلوب القصص؟

ذكر العلماء فوائد عديدة من اعتماد القرآن على أسلوب القصة بل والإكثار منه:

1ـ إن الإنسان إنما بدأ يتدرج في مراتب الرقي والحضارة من خلال اعتماده على تجارب الماضين من آبائه وأجداده، فتلافى ما وقعوا فيه من أخطاء، وعمل على تطوير ما توصلوا إليه من تجارب. والتاريخ مرآة تنعكس عليها جميع ما للمجتمعات الإنسانية من محاسن ومساوئ ورقي وانحطاط والعوامل لكل منها. وعلى هذا فإن مطالعة تاريخ الماضين تجعل عمر الإنسان طويلا بقدر أعمارهم حقا، لأنها تضع مجموعة تجاربهم خلال أعمارهم تحت تصرفه واختياره. ولهذا يقول الإمام علي عليه السلام في حديثه التاريخي خلال وصاياه لولده الحسن المجتبى في هذا الصدد: "أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم، حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم قد عمرت من أولهم إلى آخرهم"7. وهذا هو تفسير المراد من العبرة في قوله تعالى:  ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾8 والتاريخ الذي نتحدث عنه طبعا هو التاريخ الخالي من الخرافات والأكاذيب والتملقات والتحريفات والمسوخات.

2ـ إن القرآن نزل للتأثير على النفوس، وما من شيء أشد أثرا على النفوس من أسلوب القصة، ولذا اعتمد القرآن على إيراد الموعظة بنحو القصة. وذلك لأن القصة تعطي دليلا حسيا ملموسا لمن يسمعها، فعندما يتحدث القرآن عن فرعون، وعن علوه وعتوه في الأرض، ونحن نعرف ما حل بفرعون حسا ونرى ما بناه من الأهرامات أمام أعيننا، فإن ذلك سوف يكون أشد وقعا في النفس.

3ـ القصة والتاريخ مفهومان عند كل أحد، على خلاف الاستدلالات العقلية، فإن الناس في مستوى الإدراك ليسوا سواسية ... وعلى هذا فإن الكتاب الشامل الذي يريد أن يستفيد منه البدوي والأمي والمتوحش... إلى الفيلسوف والمفكر والمتمدن، يجب أن يكون معتمدا على التاريخ والقصص والأمثلة. ومجموعة هذه الجهات تبين أن القرآن خطا أحسن الخطوات في بيان التواريخ والقصص في سبيل التعليم والتربية، ولا سيما إذا التفتنا إلى هذه النقطة، وهي أن القرآن لا يذكر الوقائع التاريخية في أي مجال بشكل عار من الفائدة، بل يذكر معطياتها بشكل ينتفع بها تربويا.


الأهداف القرآنية من القصص

لقد تمكن الخطاب القرآني في كتاب الله ومن خلال اعتماد أسلوب القصة من تسجيل أهداف مهمة في خدمة رسالة الإسلام والنبوة ومن هذه الأهداف:

أولا: إثبات نبوة نبي الإسلام
فالنبي صلى الله عليه واله وسلم عاش في مكة لم يخرج منها ـ إلا في سفر مكة ـ ولم يفارق قومه قط، فتاريخ حياته بيّن واضح لديهم ولكنك تجده يورد من قصص الأمم السالفة والأنبياء ما لم يكن لأحد اطلاع عليه ولم يكن لأحد إنكاره ولا مجال إلا بالتصديق به وقد قال تعالى مخاطبا نبيه مذكرا قومه بأن هذا القرآن لم يكن من عند محمد نفسه بل هو من عند الله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ 9.

ثانياً: بيان وحدة الأديان الإلهية
عندما يورد القرآن الكريم قصص الأنبياء السابقين، فأنه يريد بيان أن هذه الرسالة السماوية أي الإسلام هو امتداد لكافة الشرائع السابقة، فما كان النبي صلى الله عليه واله وسلم بدعا من الرسل وما كانت رسالته مخالفة لما سبقها. فهذا القرآن يذكر قصة موسى مثلاً وما فعله بنو إسرائيل ليبين أن شريعة موسى كانت شريعة إلهية رفضها القوم وحرّفوها.

ثالثا: تثبيت القلوب
لقد واجه النبي صلى الله عليه واله وسلم وأصحابه الكثير من المصاعب في تاريخ الدعوة الإسلامية، فأراد الله عز وجل أن يسلي نبيه ويزيح عنه ذلك الهم الكبير الذي شغل نفسه به ألا وهو دعوة قومه إلى الحق وهو يواجه تحديهم له ورفضهم الإيمان به وقد قال تعالى: ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾10.



--------------------------------------------------------------------------------

1- يوسف: 3.
2- الكهف:64.
3- القصص: 11.
4- آل عمران 62.
5- يوسف: 111.
6- القصص: 24.
7- وصية الإمام لولده الحسن عليه السلام ، نهج البلاغة.
8- يوسف: 111.
9- القصص:44-46.
10- هود:120

1635 مشاهدة | 21-02-2012