السبت 24 تشرين الأول 2020 الموافق لـ 3 ربيع الاول 1442هـ

» مفاهيــــم إســـلامــية

العِفَّةُ والقَنَاعَةُ

 

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[1].

تمهيد

بين العفّة والقناعة علاقةٌ وطيدةٌ، إذ إنّ كلَّ واحدة من هاتَين الفضيلتَين تساهم في تنمية الأخرى. من هنا، نفهم أقوال إمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام): «ثَمَرَةُ العِفَّةِ القَنَاعَةُ»[2]، و«أَلَا وَإِنَّ القَنَاعَةَ وَغَلَبَةَ الشَّهْوَةِ مِنْ أَكْبَرِ العَفَافِ»[3]، و«أَصْلُ العَفَافِ القَنَاعَةُ»[4].

 

معنى العفّة

العفّة تعني الامتناع والترفُّع عمّا لا يحلّ من شهوة البطن والنظر والفرج، والتحرُّر من استرقاقها المذلّ، وجعلها منقادةً للعقل على ما يأمرها به من الطعام والشراب والنكاح، والاجتناب عمّا ينهاها العقل عنه؛ بعكس الشهوة، التي تقع في مقابل العفّة، والتي يُوجِب اتّباعُها سقوطَ الفرد أخلاقيًّا، وانحطاطَ المجتمع.

 

فضيلة العفّة

1. في الآيات

يقول الله -تعالى- في كتابه العزيز: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾[5].

2. في الروايات

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أفضل العبادة العفاف».[6]

وعنه (عليه السلام): «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا، عَفَّ بَطْنَهُ وَفَرْجَهُ»[7].

وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْ‏ءٍ أَفْضَلَ مِنْ عِفَّةِ بَطْنٍ وَفَرْجٍ»[8].

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّمَا شِيعَةُ جَعْفَرٍ مَنْ عَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ، وَاشْتَدَّ جِهَادُهُ، وَعَمِلَ لِخَالِقِهِ، وَرَجَا ثَوَابَهُ، وَخَافَ عِقَابَهُ؛ فَإِذَا رَأَيْتَ أُولَئِكَ، فَأُولَئِكَ شِيعَةُ جَعْفَرٍ»[9].

 

حقيقة العفّة

ليس المرادُ من العفّة حرمانَ النفس من رغباتها المشروعة، بل المقصود منها الاعتدال في تناولها وممارستها؛ إذ كلُّ إفراطٍ أو تفريطٍ مضرٌّ بجسد الإنسان وروحه وداعٍ إلى شقائه وبؤسه. فالإفراط في شهوات البطن والفرج سببٌ في الكثير من الأمراض والعلل الجسميّة، كما أنّ الروح التائقة إلى عالَم الملكوت ولقاء الربّ الودود سوف تتأذّى، هي الأخرى، بسبب كثرة الانشغال والتلهّي بالشهوات الحيوانيّة والأمور الدنيويّة الزائلة، التي لا تزيد الإنسان إلا بُعْدًا عن الحقّ.

فالمطلوب الاعتدال في الحاجات الجسديّة، وهو الممدوح شرعًا وعقلًا، وهو الحدّ الوسط بين الإفراط والتفريط؛ إذ إنّ خير الأمور أوسطها. وحدّ الاعتدال في طعام الإنسان يكون بحيث لا يحسّ بثقل المعدة ولا بألم الجوع، فالهدف من الأكل بقاء الحياة واستمرارها، والحصول على القوى اللازمة للعمل والعبادة. أمّا ثقل الطعام، فإنّه يمنع من العبادة، كما أنّ ألم الجوع يشغل القلب أيضًا. وإليه الإشارة بقوله -تعالى-: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[10].

وخير مقياسٍ لذلك، ما حدّدَه أمير المؤمنين (عليه السلام)، حيث قال: «لَا تَجْلِسْ عَلَى الطَّعَامِ إِلَّا وَأَنْتَ جَائِعٌ، وَلَا تَقُمْ عَنِ الطَّعَامِ إِلَّا وَأَنْتَ تَشْتَهِيهِ»[11].

 

القناعة

هي الاكتفاء من المال والمأكل والملبس بقدر الحاجة والكفاف، وعدم الاهتمام فيما زاد عن ذلك. وهي صفةٌ كريمةٌ تُعرِبُ عن عزّة النفس، وشرف الوجدان، وكرم الأخلاق. فالقانع هو الذي لا يطمع في الناس، ولا يلتفت إلى ما في أيديهم، فلا يشغل قلبه بذلك؛ لأنّ الشوق لتحصيل المزيد وطول الأمل يحرم الإنسان من نعمة الراحة وسكون القلب، ويشغل قلبه عن ذكر الله -تعالى-.

 

فضيلة القناعة

1. في القرآن

قال -تعالى-: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾[12].

وقال عزّ وجلّ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[13].

2. في الروايات

عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «القَانِعُ غَنِيٌّ، وَإِنْ جَاعَ وَعَرِيَ»[14].

وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «مَنْ قَنِعَ بِمَا رَزَقَهُ اللهُ، فَهُوَ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ‏»[15].

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أَنه قال لرجل يعظُه: «اِقْنَعْ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِكَ، وَلَا تَتَمَنَّ مَا لَسْتَ نَائِلَهُ، فَإِنَّهُ مَنْ قَنِعَ شَبِعَ، وَمَنْ لَمْ يَقْنَعْ لَمْ يَشْبَعْ، وَخُذْ حَظَّكَ مِنْ آخِرَتِك‏»[16].

 

 أهمّيّة القناعة

للقناعة أهمّيّةٌ كبرى، وأثرٌ بالغٌ في حياة الإنسان، فهي تحقِّق الرخاء النفسيّ والراحة الجسديّة، وتحرّر الإنسان من عبوديّة المادّة واسترقاق الحرص والطمع، وعنائهما المرهق، وهوانهما المذلّ، وتفتح باب العزّة والكرامة والإباء والعفّة والترفُّع عن صغائر الأمور. لذا، صار القانع أغنى الناس؛ لأنّ حقيقةَ الغنى هي غنى النفس، والقانع راضٍ ومكتفٍ بما رزقه الله -تعالى-، وهو لا يحتاج أحدًا، ولا يَسألُ سوى الله -تعالى-. قال الإمام عليّ (عليه السلام): «لَا كَنْزَ أَغْنَى مِنَ الْقَنَاعَةِ»[17]، بل وهي كنزٌ لا يفنى، كما في الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حيث قال: «القَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى»[18].

[1] سورة طه، الآية 131.
[2] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص208.
[3] المصدر نفسه، ص108.
[4] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج75، ص7.
[5] سورة النور، الآية 30.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص79.
[7] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص131.
[8] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص79.
[9] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، صفات الشيعة، انتشارات عابدي، إيران - تهران، لا.ت، لا.ط، ص11.
[10] سورة الأعراف، الآية 31.
[11] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص229.
[12] سورة التوبة، الآية 85.
[13] سورة طه، الآية 131.
[14] الطبرسيّ، الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، لبنان - بيروت، 1408ه - 1987م، ط1، ج15، ص228.
[15] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص139.
[16] المصدر نفسه، ج8، ص243.
[17] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ (عليه السلام))، مصدر سابق، ص540.
[18] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، مصدر سابق، ج15، ص226.

 

894 مشاهدة | 04-08-2020