السبت 23 أيلول 2017 الموافق لـ 1 محرم 1439هـ

» قراءات ومـــراجعــات

آفات اللِّسان


اللِّسان، قيمته وخطره

اللِّسان من النّعم الّتي أنعم الله بها على الإنسان، ليستعين به على أمور دينه ودنياه. وقد بلغ هذا اللِّسان من الخطورة، بحيث نسبت إليه أعظم الشَّرور الدُّنيوية والأخرويَّة، فقد سأل سائل رسول الله، قال يا رسول الله أوصني، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "احفظ لسانك، وَيْحكَ وهل يَكُبُّ النّاس على مناخرهم في النّار إلّا حَصائِدُ ألسنتهم"1.

وعن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام أنّه قال: "إنّ لسان ابن آدم يشرف كلّ يوم على جوارحه، كلّ صباح، فيقول: كيف أصبحتم فيقولون: بخير إن تركتنا، ويقولون: الله الله فينا ويناشدونه ويقولون إنّما نُثاب ونعاقب بِك"2.

وعن الإمام عليّ عليه السلام: "اللِّسان سَبُعٌ إن خُلِّيَ عَقَر"3.

ومثله أيضاً ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: "كم من دم سفكه فم"4.

وعنه عليه السلام: "إنّ أكثر خطايا ابن ادم في لسانه"5.

اللِّسان والإيمان

لا شكّ في أنّ الإيمان الحقيقيّ موطنه في القلب، واللِّسان ترجمان هذا القلب، فما يظهر على اللِّسان غالباً ما يكون تجلٍّ لما يُضمر في القلب.

وقد قال الشّاعر:
إنّ الكـلام لـفـي الـفـؤاد وإنـّمـا***جـعـل اللِّسان على الـفـؤاد دليلا

هناك علاقة عكسيَّة بين اللِّسان والقلب، فاللِّسان من أشدِّ الجوارح تأثيراً في القلب وصحته ومرضه، ولذا كانت استقامة اللِّسان مفضية إلى استقامة القلب، المفضية بدورها إلى استقامة الإيمان. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يستقيم إيمان عبد حتّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه، فمن استطاع منكم أن يلقى الله،ـ سبحانه، وهو نقيّ الرّاحة من دماء المسلمين وأموالهم، سليم اللِّسان من أعراضهم فليفعل"6.

آفات اللِّسان

اللِّسان جارحة لها الصّدارة في الخطورة بين الجوارح، وتعتريه الكثير من الآفات والموبقات الواجب اجتنابها والحذر منها، ومن هذه الآفات:

1- الخوض في الباطل: يقول المولى الكريم حكاية عن بعض أهل النَّار قولهم ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾7، والمراد منه الدُّخول في أيّ حديث وأيّ كلام، بلا حساب ولا تدبر ولا وعي. وقد ورد عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "أعظم الناس خطايا يوم القيامة هم أكثرهم خوضاً في الباطل"8.

2- المراء والمجادلة: فاستكمال حقيقة الإيمان متوقّف على ترك الجدال والمماراة، كما ورد في الحديث عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتّى يدع المراء، وإن كان محقّاً"9.

3- الفحش والسّبّ واللّعن: عن الرّسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس المؤمن بالطَّعَّان، ولا اللّعان، ولا الفاحش، ولا البذيء"10. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ من شرار عباد الله، من تكره مجالسته، لفحشه"11.

4- السُّخرية والاستهزاء: السُّخرية من آفات اللِّسان، وقد نهى عنها ديننا، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾12.

5- إفشاء السّرّ: السّرّ من أعظم الأمانات وإفشاؤه خيانة، والله لا يحبّ الخائنين. ورد في الحديث النَّبويّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي ذرّ (رض): "يـا أبـا ذرّ، المَجـالِس بِالأمـانَةِ، وإفشَـاءِ سرّ أَخِيكَ خِيـانَة"13.

6- الكذب: وهو من أعظم الخطايا، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "أعظم الخطايا اللِّسان الكذوب"14.

7- الغيبة: وقد ورد النَّهي الصّريح عنها في القرآن الكريم: ﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾15.

وروي عن الإمام الصَّادق عليه السلام أنّه قال: "من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه، وهدم مروءته، ليسقط عن أعين النّاس، أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشَّيطان فلا يقبله الشَّيطان"16.

عذاب اللِّسان

لما كانت مساوئ اللِّسان بمستوى ما ذكر، وآفاته على هذه الدَّرجة من الخطورة، فإنّ الجوارح تستعيذ يوميّاً من شرِّه، والله تعالى، يعذِبّه عذاباً لا يعذب به جارحة غيره. فعن الإمام الصَّادق عليه السلام قال: قال رسول الله‏ صلى الله عليه وآله وسلم: "يعذِّب الله اللِّسان بعذاب لا يعذِّب به شيئاً من الجوارح، فيقول: أي ربِّ عذَّبتني بعذاب لم تعذِّب به شيئاً، فيقال له: خرجت منك كلمة فبلغت مشارق الأرض ومغاربها فسفك بها الدَّم الحرام، وانتهب بها المال الحرام، وانتهك بها الفرج الحرام، وعزَّتي وجلالي، لأعذِّبنَّك بعذاب لا أعذِّب به شيئاً من جوارحك"17.

ما العمل مع اللِّسان؟

لم يتركنا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام حيارى في اكتشاف جواب هذا السُّؤال، بل هم أجابواعن ذلك وكان لديهم العلاج:

1- قول الخير دائماً: يقول تعالى في ذلك: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾18. وعن رسول‏ الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت"19.

2- ذكر الله: فاللِّسان آلة ذكر الله وعلى الإنسان أن يستغل لسانه بذكر الله، كما جاء الأمر في الذِّكر الحكيم، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾20.

3- التَّفَكُّر قبل الكلام: وهذا العلاج لكلِّ آفات اللِّسان، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: "وإنَّ لسان المؤمن وراء قلبه، وإن قلب المنافق من وراء لسانه، لأنّ المؤمن إذا أراد أن يتكلَّم بكلام تدبَّره في نفسه، فإن كان خيراً أبداه، وإن كان شرّاً واراه، وإن المنافق يتكلَّم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه"21.

4- الصَّمت والسُّكوت: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من صمت نجا"22.

وعن النّبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "الصَّمت عبادة لمن ذكر الله"23.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: "واجعلوا اللِّسان واحداً وليخزن الرَّجل لسانه، فإنّ هذا اللِّسان جموح بصاحبه، والله، ما أرى عبداً يتقى تقوى تنفعه حتى يختزن لسانه"24.

وقال النَّبيِّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكراً، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة"25.

وعن الإمام عليّ عليه السلام أنّه: "إنَّ لله عباداً كسرت قلوبهم خشية الله، فأسكتتهم عن النِّطق وإنّهم لفصحاء عقلاء يستبقون إلى الله بالأعمال الزكيّة..."26.

أيُّهما أفضل الكلام أم الصَّمت؟

عندما يكون الكلام دعوة حقّ وخير وتسبيح وذكر، فهو خير من السَّكوت، أمّا عندما يكون القول دعوة باطل وشرّ وغيبة ونميمة، فالسُّكوت خير منه. قال النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: "السُّكوت خير من إملاء الشر وإملاء الخير خير من السُّكوت"27.

وسئل الإمام زين العابدين عليه السلام عن الكلام والسُّكوت أيُّهما أفضل؟ فقال عليه السلام: "لكلِّ واحد منهما آفات، فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السُّكوت. قيل: كيف ذلك يا بن رسول الله؟ قال عليه السلام: "لأنَّ الله،ـ عزَّ وجلَّ، ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسُّكوت، إنَّما بعثهم بالكلام ولا استحقت الجنّة بالسُّكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسُّكوت ولا تُوِقِّيَتْ النَّار بالسُّكوت، إنّما ذلك كله بالكلام"28.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "ألا وإنَّ اللِّسان الصَّالح يجعله الله للمرء، خير له من المال يورثه من لا يحمده"29.

وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ اللِّسان فإكرامه عن الْخَنَى30، وتَعْوِيدهُ الخَيْرَ، وحَملُهُ على الأدب، وإِجْمَامُهُ31، إلّا لموضع الحاجة والمنفعة للدّين والدّنيا، وإعفاؤه عن الفضول الشَّنِعَةِ32 القليلة الفائدة الّتي لا يؤمن ضررها مع قلّة عائدتها، ويعدّ شاهد العقل والدّليل عليه، وتزَيّن العاقل بعقله، (و) حُسْنُ سيرته في لسانه، ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم"33.

من هذه الرّوايات يتبيّن لنا أنَّ الكلام بالحقّ والعلم خير من السُّكوت.

* كتاب منار الهدى، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- الكافي، ج 2، ص 115.
2- م. ن، ج 2، ص 115.
3- نهج البلاغة، ج 4، ص 15، باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السلام، الحكمة 60.
4- غرر الحكم، الحديث (الحكمة) 4158.
5- كنز العمّال، ج 3، ص 549.
6- بحار الأنوار، ج 68، ص 292.
7- سورة المدثر، الآية45.
8- كنز العمال، ج3، ص566، الحديث 7932.
9- بحار الأنوار، ج2، ص138.
10- مجمع الزوائد، ج 1، ص 97.
11- بحار الأنوار، ج 22، ص 131. (تحقيق: الشّيرازيّ)
12- سورة الحجرات، الآية 11.
13- وسائل الشيعة، ج12، ص307.
14- بحار الأنوار، ج74، ص135.
15- سورة الحجرات، الآية 12.
16- الكافي، ج2، ص358.
17- الكافي، ج2، ص 115.
18- سورة الإسراء، الآية53.
19- الكافي، ج2، ص667.
20- سورة الأحزاب، الآية41.
21- نهج البلاغة (محمد عبده)، م. س، ج 2، ص 94، الخطبة 176.
22- وسائل الشيعة، ج12، ص251.
23- بحار الأنوار، ج 68، ص 294.
24- نهج البلاغة، ج 2، ص 93، الخطبة 176.
25- الكافي، ج2، ص237.
26- وسائل الشيعة، ج 12، ص 199.
27- بحار الأنوار، ج 68، ص 294.
28- بحار الأنوار، ج 68، ص 274.
29- نهج البلاغة، ج 1، ص 233، الخطبة 120.
30- الخنى: الفحش في الكلام.
31- الإجمام: الإراحة.
32- الشّنعة: القبيح.
33- رسالة الحقوق للإمام زين العابدين. (راجع: بحار الأنوار، ج 71،
ص 11).

1403 مشاهدة | 10-09-2014