السبت 23 أيلول 2017 الموافق لـ 1 محرم 1439هـ

» قراءات ومـــراجعــات

السعادة

السعادة في أمور أخرى

يمكن لي أنْ استمر في ذكر ما يسعى الإنسان لتحصيل السعادة من خلاله مع التعليق على كلٍّ منها مع محاولة المقاربة لنسبة السعادة التي تحقّقها ومداها الزمني.

وفي هذا الإطار ذكر البعض أموراً عديدة على أنّها مولّدات للسعادة من قبيل ما يمكن صياغته في النصائح التالية:
1- قارن نفسك بمن هم أقلّ منك.
2- لا تنشغل بالماضي.
3- تفاعل مع يومك يوماً بيوم.
4- اترك المستقبل حتى يأتي.
5- لا تنتظر شكراً من أحد.
6- اطرد الفراغ بالعمل.
7- اقبل الحياة كما هي.
8- تعزَّ بأهل البلاء.
9- لا تُحطّمْك التوافه.
10- ارضَ بما قسم الله لك.

المكمن الرئيسي للسعادة
وهذه الأمور كما غيرها قد يكون لكلٍّ منها دور في تحقيق نسبة من السعادة بغضّ النظر عن النقاش في إيجابيّتها، إلا أني سأنتهج نهجاً آخر للوصول إلى مكمن السعادة الرئيسي، والذي قد يتَّضح من خلال الأجوبة عن الأسئلة:
س: كيف تسعد العين؟
الجواب: بالنظر إلى الجمال.
س: كيف يسعد الأنف؟
الجواب: بشمّ العطر.
س: كيف يسعد اللسان؟
الجواب: بذوق الطيِّب من الطعام والشراب.
س: كيف تسعد الأذن؟
الجواب: بسماع الصوت الجميل.

فالملاحظ أنّ لكل حاسة سعادتها ولذتها الخاصة، إلا أن هذه اللذّة تنتفي حينما يكون الإنسان في غمٍّ وكآبة وحزن، فحينها لا العين تلتذّ بأبهى مشهد تنظر إليه، ولا الأنف يلتذّ بأفضل عطر يشمّه، ولا اللسان يلتذّ بأطيب طعم يذوقه، ولا الأذن تلتذّ بأجمل نغمة تسمعها.

كلُّ ذلك لأن هناك شيئاً في الإنسان عرضت له الكآبة والغمّ والحزن، ألا وهو القلب، وعليه فلا سعادة حقيقية لأيّة حاسّة من دون أن يسعد القلب، فهو مركز السعادة الحقيقية، وهذا ما يبرز أهمية السؤال التالي:

كيف يسعد القلب؟
ولعلّ التأمّل في معنى القلب يرشد إلى الجواب الصحيح، فالقلب - الذي هو ذلك الكائن الداخلي الذي قد يكون عين النفس سًمِّي - قلباً لأنّه يتقلَّب وتقلُّبه هذا هو الذي يجعل الإنسان في حالة اضطراب وقلق وبالتالي غير سعيد.

وعليه فسعادة القلب حينما يثبت ويستقرّ ويطمئنّ بدون تقلُّب..

منشأ سعادة القلب = الاطمئنان
والاطمئنان يقارب في معناه الاستقرار، والسكينة، والطمأنينة.

لقد لفتني ما ورد في الدراسة اللبنانية السابقة أنّ العيِّنات حينما سُئلوا عن مفهومهم للسعادة فإنّ أكثرهم أجابوا بالاطمئنان أو ما يقاربه من المعاني بحسب ما يظهر في الجدول الأجوبة التالية:


الجواب

النسبة المئوية

الاطمئنان عن المستقبل

36%

الرضا عن الحياة

32%

الشعور بالرضا والإشباع

14%

الشعور بالبهجة والاستمتاع

14%

مختلف

4%



واللافت في القرآن الكريم أنه استخدم مصطلح الاطمئنان للدلالة على النفس الناجية الفائزة الراضية، والتي تكون سعيدة عند نداء ربها لها للرحيل عن هذه الدنيا، فقال تعالى:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً *  فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾1.

وهذه النفس هي في مقابل:
1- النفس الأمّارة بالسوء الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾2.
2- النفس اللوّامة، الواردة في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾3.

من الواضح أنه ليس هناك أكثر من نفس في الإنسان، بل هي واحدة، إلا أنها - حينما تسيطر عليها قوى الشهوة والغضب والوهم، وتضمحل سيطرة العقل عليها- قد تصل إلى درجة سيئة بحيث تصبح هي الآمرة بالسوء، فتكون في دائرة الشقاء. وقد لا تكون بتلك الدرجة، بل تبقى في حلبة الصراع بين تلك القوى الثلاث وقوة العقل، وحينما تضعف وترضخ للشهوة أو الغضب مثلاً قد يعقب ذلك نداء داخلي ينطلق من ندم على ذلك الفعل القبيح يلومها على ما اقترفت، فتعيش حالة الاضطراب والقلق.

أمّا النفس التي يكون سلطانها العقل والذي يتدبّر كلّ أمر ويدرس كل خطوة فلا يسير إلا في ضوء مصلحة هذه النفس، فلا الشهوةَ هي الآمرة، ولا الوهم والغضب كذلك، بل يأخذ كل منها مجاله الطبيعي الإيجابي الهادف ضمن حكومة العقل وسلطانه، فتكون هذه النفس مستقرة، هادئة، مطمئنة. وهذا الاطمئنان يبقى مع النفس في كلّ دروب الحياة، لا تزلزله عواصف الابتلاء، ولا تجرفه أمواج النعم.

نماذج من الأنفس المطمئنة
- فها هو خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم رغم كل ما مورس عليه من أذيّة حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أُذي نبي بمثل ما أوذيت"، كان يقول بكل اطمئنان وثبات وهو سائر في مهمته الرسالية: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته"4.

- وها هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول بعد ضربة الشهادة على رأسه بكل اطمئنان وثبات: "فزت وربِّ الكعبة"5.

- وها هو الإمام الحسين بن علي عليه السلام يتقدَّم في العاشر من محرّم نحو الشهادة ساكنةً نفسه هادئةً جوارحه، مشرقاً لونه نوراً وبهاءً، ليوضِّح بذلك ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "اقرأوا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم، فإنها سورة الحسين عليه السلام وارغبوا فيها رحمكم الله"6، فسُئل: كيف صارت هذه السورة للحسين عليه السلام خاصة؟ فقال عليه السلام: "ألا تسمع...﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً *  فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ إنما يعني الحسين بن علي عليهما السلام فهو ذو النفس المطمئنة الراضية المرضية"7

- وقد أعطَى الله تعالى بأنبيائه وعباده الصالحين نماذج من النفس المطمئنة في حالتي الرخاء والبلاء.

أمّا في حالة السرَّاء والرخاء فالنموذج النبوي هو النبي سليمان بن داود عليهما السلام الذي جمع الله تعالى له الملك العظيم والملك الواسع، فكانت الرياح تجري بأمره. لكن ذلك لم يؤثر في طمأنينة قلبه، فقد رُوي أنَّه مرَّ بحرَّاث فقال: "لقد أوتي ابن داود ملكاً عظيم، فألقاه الريح في أذنه، فنزل ومشى إلى الحرَّاث"، وقال: "إنما مشيت إليك، لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال: لَتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير مما أُوتي آل داود... لأن ثواب التسبيحة يبقى، وملك سليمان يفنى"8.

أمّا في حالة الضراء والبلاء فالنموذج النبوي هو النبي أيوب عليه السلام الذي كان ذا مالٍ وخير، وصحة وعافية، وأباً لأولاد كثر، فأراد الله تعالى أن يُظهر اطمئنان قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستقراره من دون أن يؤثر في ذلك تبدل النعم، فكان ابتلاؤه الأول بذهاب جميع أمواله، ولكن موقفه من حامل هذا الخبر كان: "إنها ماله أعارنيه، وهو أولى به، إذا شاء تركه وإن شاء نزعه، وقديماً ما وطنت نفسي ومالي على الفناء9...الحمد لله حين أعطاني، وحبن نزع مني، عرياناً خرجت من بطن أمي، وعرياناً أعود إلى التراب، وعرياناً أُحشر إلى ربي تعالى".

وبمثل هذا كان جواب نبي الله أيوب عليه السلام حينما ابتلي بفقد جميع أولاده فكان شعاره: "هو أرأف بهم من أبيهم وأمهم".


* كتاب هكذا تكون سعيداً، سماحة الشيخ أكرم بركات.

1- سورة الفجر - الآيات: 27-30.
2- سورة يوسف - الآية: 53.
3- سورة القيامة  - الآية:2.
4- الحسني، هاشم، سيرة المصطفى، (لا، ط)، منشورات دار القلم، بيروت، (لا، ط)، ط3، ص 153.
5- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ط3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1403ه، ج41، ص 2.
6- المصدر السابق، ج24، ص 93.
7- المشهدي، محمد، تفسير كنز الدقائق، (ل،ط) قم، 1407ه، ج11، ص 354.
8- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج14، ص 81.
9- الجزائري، نعمة الله، قصص الأنبياء، (ل،ط)، منشورات الشريف الرضي، قم، (ل،ت)، ص 234-235.

1171 مشاهدة | 03-09-2014