السبت 24 تشرين الأول 2020 الموافق لـ 3 ربيع الاول 1442هـ

» قراءات ومـــراجعــات

القدوة ودورها في حياة الأسرة (الأب نموذجاً)

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظ شِدَاد لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ﴾.[1]

معنى القدوة
قال الخليل في كتاب العين: القدوة بفتح القاف، الأصل الذي انشعب منه الاقتداء، وبعض يكسر فيقول: قِدوة، أي: به يُقتدى.[2] وقال في مادّة «أسوة»: تقول: هؤلاء القوم أسوة في هذا الأمر؛ أي: حالهم فيه واحدة. وفلان يأتسي بفلان؛ أي يرى أنّ له فيه أسوة إذا اقتدى وكان في مثل حاله.[3]

فمعنى القدوة إذاً، أن يحذو فلان حذو آخر، فهو يقتدي به، وأنّ الذي يقتدي بأمرك فهو يتأسّى به؛ أي يتّخذه أسوة، فيصيران في الحال سواء، والقدوة والأسوة في معرض واحد.

الاقتداء الحقّ
حثّ الإسلام على الاقتداء بالأشخاص والرموز الذين تجتمع فيهم معالي الفضائل، ومكارم الأخلاق؛ وذلك لأنّهم وسيلة فضلى للاتّصال بالحقّ، فهم أحقّ بأن يُتَّخذوا قدوةً في الحياة الدنيا.

يقول -تعالى- : ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَة فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ﴾[4]، ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَة لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ ﴾.[5]

والنبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو خير نموذج لنا في مجالات الحياة كلّها؛ «فإنّ كلّاً من معنويّاته العالية، وصبره واستقامته وصموده وذكائه ودرايته وإخلاصه وتوجّهه إلى الله... وعدم خضوعه أمام الصعاب والمشاكل، نموذج يحتذي به كلّ المسلمين».[6]

قال -تعالى-: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَة لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرا﴾.[7]

«فإنّه (صلى الله عليه وآله) أسمى مقتدى، وأحسن أسوة للمؤمنين في كلّ الميادين... فإنّكم تستطيعون بالاقتداء به واتّباعه أن تصلحوا أموركم وتسيروا على الصراط المستقيم».[8] وأيضاً يجب اتّباع أهل البيت (عليهم السلام) والاقتداء بهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ فهم وعاء السنّة والصراط المستقيم وعدل القرآن الكريم.

عن أبي أيّوب الأنصاريّ قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول لعمّار بن ياسر: «... يا عمّار، إذا رأيت عليّاً سلك وادياً، وسلك الناس وادياً غيره، فاسلك مع عليّ ودع الناس؛ إنّه لن يدليك في ردى، ولن يخرجك من الهدى...».[9]

الأب قدوة
يمثّل الأبوان، ولا سيّما الوالد، أمثولة للولد، وقدوة تقتدى، في كلّ ما يأتيه من فعل أو قول. لذلك، كان لا بدّ من الرّحمة بالنفس، والرفق بالولد. فإذا كان الرجل حريصاً على عاقبة أولاده، فَلْيُرِ أولاده ما يعينهم في الدنيا على آخرتهم.

فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «علّموا أنفسكم وأهليكم الخير، وأدّبوهم».[10] وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في حقوق الأبناء: «وأمّا حقّ ولدك، فأن تعلم أنّه منك، ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشرّه، وأنّك مسؤول عمّا وليّته به من حسن الأدب، والدلالة على ربّه -عزّ وجلّ-، والمعونة له على طاعته؛ فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مُثابٌ على الإحسان إليه، مُعاقَبٌ على الإساءة إليه».[11]

كيف يؤثّر الآباء في أبنائهم؟
إنّ أشدّ سبل التأثير في الآخر نصحاً وإرشاداً، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، يكون من خلال السلوك والمواقف والسيرة لتلك الأوامر والنواهي والإرشادات والنصائح. عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... يأمرون بالقسط ويأتمرون به، وينهَون عن المنكر ويتناهَون عنه».[12] وعنه (عليه السلام) أيضاً: «وانهَوا عن المنكر وتناهوا عنه، فإنّما أمرتم بالنهي بعد التناهي»[13].

مسؤوليّات الأب ووظائفه
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنّ لكلّ شجرة ثمرة، وثمرة القلب الولد»[14]؛ لذلك يسعى الرجل ويحبّ أن تظهر الخصال التي يريدها، والآمال التي يصبو إليها، فيعقد الآمال فيها على ولده، وإذا حصل ذلك فهو من سعادة المرء، فعن الإمام الباقر (عليه السلام): «من سعادة الرجل أن يكون له الولد يُعرف فيه شبهه؛ خَلْقَه وخُلُقَه وشمائله»[15].
وحيث إنّ للأب دوراً في تأمين متطلّبات الأسرة المادّيّة والمعنويّة على حدّ سواء، فلا بدّ من النظر -ولو قليلاً- في تلك الوظائف والمسؤوليّات، ومنها:

1. البناء الإيمانيّ والأخلاقيّ
وذلك من خلال تربية أبنائه وحثّ أهل بيته على الإيمان بالله وتقوى الله والالتزام بطاعته وعبادته، وهو بذلك كغيره من عباد الله الذين وجه الأمر إليهم بالدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في قوله - تعالى-: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظ شِدَاد لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ﴾.[16] وفي آية أخرى وُجه الخطاب له مباشرة بقوله -تعالى-: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ ﴾.[17]

وقد ورد أنّه لمّا نزلت هذه الآية، جلس رجل من المسلمين يبكي، وقال: أنا عجزت عن نفسي، وكُلّفت أهلي! فقال النبي (صلى الله عليه وآله): «حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك، وتنهاهم عمّا تنهى عنه نفسك».[18]

ولنا أن نذكر ضمن البناء الإيمانّي أنّ على الأب أن يستخدم أسلوب الوعظ والإرشاد مع أبنائه، وله في ذلك أسوة حسنة في ما ذكره القرآن الكريم عن لقمان الحكيم كيف كان يخاطب ابنه: ﴿وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيم﴾.[19]

2. البناء الثقافيّ والفكريّ
فإنّ له دوراً بارزاً في توجيه أفراد أسرته وأولاده على ملازمة الثقافة وتحديد بوصلة اهتماماتهم الفكريّة الأصيلة، سواء أكان بما يتعلّق بالأمور الدينيّة أم السياسيّة أم غيرهما.

3. تنظيم الأوقات وتحديد الأولويّات
صحيح أنّ للأمّ في ذلك دوراً في تنظيم وقت الأسرة وتحديد الأولويات التي يسير عليها أفراد الأسرة، إلّا أنّ للأب أيضاً دوراً تكامليّاً مع الأمّ في ذلك، خاصّة في ما يتعلّق بأوقات الفراغ وكيفيّة استغلالها في صالح الأبناء.

4. المراقبة الحثيثة
بأن يعمد إلى مراقبة تحرّكات أفراد أسرته وأفعالهم، بشكل سلس ومدروس، في أن يتأمّل ألفاظهم وأفعالهم، ويعرف الأماكن التي يقصدونها وصفات أصدقائهم وما شاكل ذلك... فإذا ما كان على اطّلاع بها، فإنّه بذلك يستطيع تحديد الصالح لهم من الفاسد، فينهاهم إذا ما كان فاسداً ويدعمهم إذا ما كان صالحاً.

5. العدالة بين الأولاد
عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): «إنّ لهم عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، كما أنّ لك عليهم من الحقّ أن يبرّوك».[20]
وهذه العدالة تشمل مظاهر الحبّ بالقول والفعل.

[1] سورة التحريم، الآية 6.
[2] الخليل الفراهيديّ، أبو عبد الرحمن بن أحمد، العين، تحقيق الدكتور مهدي، المخزوميّ والدكتور إبراهيم السامرّائيّ، مؤسّسة دار الهجرة، إيران - قم، 1409 ه، ط 2، ج 5، ص 19.
[3] المصدر نفسه، ج7، ص333.
[4] سورة الممتحنة، الآية 4.
[5] سورة الممتحنة، الآية 6.
[6] الشيرازيّ، الشيخ ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مدرسة الإمام عليّ بن أبي طالب، إيران - قم، 1426هـ، ط1، ج13، ص197.
[7] سورة الأحزاب، الآية 21.
[8] الشيخ ناصر مكارم الشيرازيّ، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مصدر سابق، ص198.
[9] المجلسيّ، العلّامة محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، مؤسّسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403هـ - 1983م، ط2، ج38، ص32.
[10] السيوطيّ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار المعرفة للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج6، ص244.
[11] الشيخ الصدوق، الأمالي، مصدر سابق، ص454.
[12] الرضي، السيّد أبو الحسن محمّد بن الحسن الموسوي، نهج البلاغة (خطب الإمام علي (عليه السلام))، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، لا.ن، لبنان - بيروت، 1387هـ - 1967م، ط1، ص342.
[13] المصدر نفسه، ص152.
[14] المتّقي الهنديّ، علاء الدين عليّ المتقيّ بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ضبط وتفسير الشيخ بكري حيّاني - تصحيح وفهرسة الشيخ صفوة السقا، مؤسّسة الرسالة، لبنان - بيروت، 1409هـ - 1989م، لا.ط، ج16، ص457.
[15]  الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص306.
[16] سورة التحريم، الآية 6.
[17] سورة طه، الآية 132.
[18]  الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج5، ص62.
[19] سورة لقمان، الآية 13.
[20] المتّقي الهنديّ، كنز العمال، مصدر سابق، ج 16، ص446.

51 مشاهدة | 14-10-2020