الجمعة 07 آب 2020 الموافق لـ 17 ذو الحجة 1441هـ

» إضـــــاءات قــــرآنــية

عِمَارَةُ الأَرْضِ

﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾[1].

تمهيد

العمارة، في الأدبيّات الإسلاميّة، هي واجبٌ إنسانيٌّ، ينطلق من عقيدة الاستخلاف الإلهيّ للإنسان في الأرض، ومسؤوليّة الإنسان أمام خالق الكون والإنسان، عن كيفيّة استثمار الثروات والموارد الطبيعيّة الموجودة في هذا الكون.

 وفي مقابل ذلك، نهى -سبحانه وتعالى- عن الإفساد في الأرض، حيث قال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾[2]. وقال عزّ وجلّ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾[3]؛ ولهذا الإفسادِ مفرداتٌ عديدة، كالاعتداء على الآخرين وعلى ممتلكاتهم، وسفك الدماء بغير حقّ، وما شاكل.

معنى العمارة ووجوبها

العمارة، في المفهوم الإسلاميّ، توازي مفهوم التنمية والاستثمار المتداوَل في الأدبيّات العالميّة اليوم، والذي يُعتَبَر، في عصرنا الحاضر، أهمّ مؤشّرٍ للتقدُّم في دولةٍ ما؛ فبقدر ما يكون مؤشّر التنمية مرتفعًا، تكون الدولة متقدّمة وقويّة وغنيّة. والعمارة أو التنمية تعني مجموع نشاطات الإنسان المتصرّفة في الموارد الطبيعيّة وغيرها، بهدف إشباع متطلّباته، وتعزيز قوّته وأَمْنِه. إلّا أنّها في المفهوم الإسلاميّ، تتحدّد غايتُها وهدفُها النهائيّ في رضا الله -عزّ وجلّ- وطاعته. فشقّ الطرقات لتسهيل انتقال الأشخاص والبضائع عمارةٌ، وزراعة الأراضي بالمحاصيل الضروريّة لسدّ حاجات البشر عمارةٌ، وصناعة الآلات التي يحتاجها الإنسان في معاشه عمارةٌ، وتقديم الخدمات الضروريّة في المجالات الطبّيّة والفنّيّة والتقنيّة... عمارةٌ.

ومعنى أنّ الله -عزّ وجلّ- استعمر الإنسان في الأرض، أي طلب منه عمارتَها، وهذا بذاته يدلّ على وجوب عمارة الأرض، واستثمار الموارد فيها. ونلاحظ أنّ فقهاء الإسلام اعتبروا تعلُّمَ أصول الحراثة والزراعة والصناعة، التي بها قوام دينهم ودنياهم، من فروض الكفاية على المسلمين.

عمارة الأرض في الرؤية الإلهيّة

سخّر الله -عزّ وجلّ- كلّ ما في الأرض من أجل خدمة الإنسان، وهذا واضحٌ من الآيات القرآنيّة الكريمة: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾[4]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾[5]، ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾[6].

إلّا أنّ هذا التمكين الإلهيّ للإنسان في الأرض، ليس مُطلَقًا من وجهة نظر الإسلام، بل هو مشروطٌ ومحدودٌ بحدود الوصاية الإلهيّة والتوجيهات الربّانيّة، بعدم استثمار هذه الموارد في معصيته -تعالى-؛ لأنّ الله -عزّ وجلّ- سخّر له ما في السماوات والأرض، ووضع له الخطوط العريضة، والحدود الشرعيّة التي إن استثمر وأعمر الأرض على أساسها، فإنّه سيصل إلى كماله المنشود وسعادته في الدارَين. فينبغي للمسلم أن يراعي حدود الله في استثمار هذه الموارد، فلا يمكن أن يكون إنتاجُ الخمر وبيعُه، مثلًا، استثمارًا مُربِحًا للإنسان؛ لأنّه إنْ أسهَمَ في تأمين دنياه على أحسن الأحوال، فإنّه سيدمّر آخرته، وسيدمّر دنيا أناس آخرين وآخرتهم.

مظاهر عمارة الأرض

1. الاهتمام بالبيئة

قال -تعالى-: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾[7]؛ أي طلب إليكم أن تعمروها.

في تفسير الميزان: «وفطرَهُ على أن يتصرّف في الأرض بتحويلها إلى حالٍ ينتفع بها في حياته»[8]؛ أي فطرَهُ على أن يسعى في طلب إعمارها، فعمارة الأرض هي من فطرة اللَّه في خلقه. وعمارة الأرض تقتضي حمايتها، وحظر الإفساد فيها بتخريب عامرها، وتلويث طاهرها، وإهلاك أحيائها، وإتلاف طيّباتها.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اتَّقُوا اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ‏»[9].

2. الحفاظ على الثروة النباتيّة

عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ، وَفِي يَدِ أَحَدِكُمُ الْفَسِيلَةُ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فَلْيَغْرِسْهَا»[10].

3. الحفاظ على الثروة المائيّة

قال -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾[11].

وفي المحافظة على نظافته ونقائه، ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «اِتَّقُوا المَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: البِرَازَ فِي المَوَارِدِ[12]، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ...»[13].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيّ بْنِ الحُسَيْنِ (عليه السلام): أَيْنَ يَتَوَضَّأُ الغُرَبَاءُ؟ قَالَ: يَتَّقِي شُطُوطَ الْأَنْهَار...»[14].

وقد ورد النهي عن البول في الماء الجاري[15]، وكذلك في الماء الراكد[16].

4. الحفاظ على الثروة الحيوانيّة

ورد في الشريعة ما فيه الكفاية من النصوص والأحكام، لإلقاء ضوءٍ على مدى العناية بهذه الثروة، كحكم صيد اللهو، الذي يشكِّل هدرًا وإتلافًا لثروة حيوانيّة، من دون مسوِّغ. ومنها ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث سُئل عن الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومَين، أيقصِّر في صلاته أم يتمّ؟ فقال: «إِنْ خَرَجَ لِقُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ، فَلْيُفْطِرْ وَلْيُقَصِّرْ؛ وَإِنْ خَرَجَ لِطَلَبِ الْفُضُولِ، فَلَا، وَلَا كَرَامَة»[17].

5. الاهتمام بالزراعة

عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «مَنْ سَقَى طَلْحَةً أَوْ سِدْرَةً، فَكَأَنَّمَا سَقَى مُؤْمِنًا مِنْ ظَمَأ»[18].

فلسفة عمارة الأرض

يظهر في عالَم اليوم نموذجان متصارعان في الرؤية الاقتصاديّة التي ينبغي أن تقوم عليها موازنات الدول ونشاطاتها. فبعضها يتبنّى نموذج الاعتماد على استجلاب المال من أيِّ وسيلةٍ كانت، سواءً من استخراج الموارد الطبيعيّة، كما يحصل في الدول النفطيّة اليوم، أو من خلال الحروب والغنائم، أو من خلال الاستدانة... لأنّ التقدُّم، في نظرهم، يساوي الثروة؛ فكلّما كانت لديك ثروة أكبر، استطعتَ أن تحوز قصب السبق في مسيرة التقدُّم والتحضُّر.

إلّا أنّ بعضًا آخر ينظر إلى ما تقدَّم على أنّها رؤيةٌ ساذجةٌ، ويرى أنّ التقدُّم لا يمكن ضمانه من خلال نموذج الاكتناز الجامد، بل من خلال نموذج العمارة والاستثمار، الذي يؤدّي إلى تنميةٍ مستدامةٍ. وهذا ما يمكن التقاطه من عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر (رض)، حين ولّاه مصر، فبَعد أنْ أَمَرَهُ باستجلاب الخراج وإصلاحه، قال: «وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ، ومَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ، وأَهْلَكَ الْعِبَادَ، ولَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُه إِلَّا قَلِيلًا، فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلًا، أَوْ عِلَّةً، أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ[19]، أَوْ إِحَالَةَ[20] أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ، خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِه أَمْرُهُمْ، ولَا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْءٌ خَفَّفْتَ بِه الْمَؤُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّه ذُخْرٌ يَعُودُونَ بِه عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلَادِكَ، وتَزْيِينِ وِلَايَتِكَ، مَعَ اسْتِجْلَابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ، وتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ، مُعْتَمِدًا فَضْلَ قُوَّتِهِمْ، بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ[21] لَهُمْ، والثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ ورِفْقِكَ بِهِمْ، فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الأُمُورِ، مَا إِذَا عَوَّلْتَ فِيه عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ، احْتَمَلُوه طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِه، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَه»[22].

[1] سورة هود، الآية 61.
[2] سورة البقرة، الآية 60.
[3] سورة الأعراف، الآية 56.
[4] سورة البقرة، الآية 29.
[5] سورة الجاثية، الآية 13.
[6] سورة المائدة، الآية 15.
[7] سورة هود، الآية 61.
[8] الطباطبائيّ، العلّامة السيّد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرِّسين بقمّ المشرّفة، إيران - قمّ، 1417ه‏، ط5، ج10، ص310.
[9] الرضيّ، السيّد أبو الحسن محمّد بن الحسن الموسويّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ (عليه السلام))، تحقيق وتصحيح صبحي الصالح، لا.ن، لبنان - بيروت، 1387ه - 1967م، ط1، ص242.
[10] السيّد البروجرديّ، جامع أحاديث الشيعة، مصدر سابق، ج18، ص431.
[11] سورة الأنبياء، الآية 30.
[12] في لسان العرب: «أي المجارِي والطُرُق إِلى الماء، واحدها مَوْرِدٌ، وهو مَفْعِلٌ من الوُرُودِ».يقال: ورَدْتُ الماءَ أَرِدُه وُرُودًا، إذا حضرته لتشرب. والوِرد: الماء الذي ترد عليه. (ابن منظور، العلّامة محمّد بن مكرم الإفريقيّ المصريّ، لسان العرب، نشر أدب الحوزة، إيران - قمّ، 1405ه، لا.ط، ج3، ص457).
[13] الحاكم النيسابوريّ، أبو عبد الله، المستدرك على الصحيحَين، إشراف يوسف عبد الرحمن المرعشليّ، دار المعرفة للطباعة والنشر، لبنان - بيروت، لا.ت، لا.ط، ج1، ص167.
[14] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص15.
[15] راجع: الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج1، ص353.
[16] الشيخ الصدوق، الخصال، مصدر سابق، ص423.
[17] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص438.
[18] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج17، ص42. العيّاشيّ، محمّد بن مسعود بن عيّاش السلميّ السمرقنديّ، تفسير العيّاشيّ، تحقيق الحاجّ السيّد هاشم الرسوليّ المحلّاتيّ، المكتبة العلميّة الإسلاميّة، إيران - طهران، 1422ه‏، ط1، ج2، ص86. المجلسيّ، العلّامة محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، مؤسّسة الوفاء، لبنان - بيروت، 1403ه - 1983م، ط2، ج9، ص121، وج66، ص113.
[19] القليل من الماء يبلّ به الأرض.
[20] أحالت الأرض: تغيّرَت عمّا كانت عليه من الاستواء، فلم ينحبّ زرعها، ولا أثمر نخلها.
[21] الإجمام: الإراحة.
[22] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة (خطب الإمام عليّ (عليه السلام))، مصدر سابق، الرسالة 53، ص436.

85 مشاهدة | 16-07-2020