الجمعة 07 آب 2020 الموافق لـ 17 ذو الحجة 1441هـ

» مفاهيــــم إســـلامــية

عُلُوُّ الهِمَّةِ

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[1].

تمهيد

لم يُخلَقِ الإنسانُ للكسل أو الضجر أو النَّوم أو الفراغ، بل خُلِقَ للعمل والكدِّ والاجتهاد؛ ليُثبِت استحقاقه إمّا للثواب ومقام القرب الإلهيّ، وإمّا للعقاب والغضب الإلهيّ، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة.

ضرورة الهمّة

إنّ الإنسان الذي يعي حقيقةَ أنّه مخلوقٌ من أجل امتحان أعماله واختبارها، لا بدّ له من أن ينزع لباس الكسل، ويتزيّن برداء الهمّة العالية والاندفاع النشيط، أو ما عبّر عنه القرآنُ الكريم بالكدح، الذي يجب أن لا يتوقّف حتّى يلاقي الإنسان ربّه، كما يقول -تعالى- في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾[2].

ثم تكمل الآيات الكريمة لتوضّح النتيجة التي يؤول إليها كدح الإنسان هذا، فتقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾[3]. إذًا، مصير الإنسان متوقّفٌ على نتائج همّته وسعيه.


فضائل الهمّة

ربطَت الأحاديثُ الشريفة الكثيرَ من محاسن الأفعال والصفات والقيم النبيلة بالهمَّة العالية. ويتبيّن ذلك من خلال الأمور الآتية:

1. استحقاق الثناء

إنَّ من يرى فعلًا يتّسم بالجمال، سواء كان من خلال صنعة أو إدارة أو بناء أو كتاب أو لوحة أو أيّ شيء آخر، يعرف أنّ وراء ذلك العمل همَّةً عاليةً استوجبَت مَدْحَ أمير المؤمنين (عليه السلام)، بقوله: «الفِعْلُ الجَمِيلُ يُنْبِئُ عَنْ عُلُوِّ الهِمَّةِ»[4].

2. الشجاعة

وهكذا حال الشجاعة، التي هي من أنبل صفات الإنسان، ويربط الإمام عليّ (عليه السلام) بينها وبين الهمّة، بقوله: «شَجَاعَةُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ هِمَّتِهِ»[5].

ولا يخفى كيف تساهم الهمّة العالية في تعزيز الإقدام والاندفاع لدى الإنسان، بخلاف الكسل والضجر، فإنّه كثيرًا ما يدعو الإنسان للتراجع والتقهقر في المواطن التي يجدر به أن يُبرز شجاعته فيها.

3. الكرم

والكرم في حديث الإمام (عليه السلام)، هو ناتجٌ عن همَّة الإنسان العالية، إذ يقول (عليه السلام): «الكَرَمُ نَتِيجَةُ عُلُوِّ الهِمَّةِ»[6]. وذلك لأنّ الكرم ليس محدودًا بجانب البذل المادّيّ فقط، بل يشمل بذل السواعد والهمم في مساعدة الناس وخدمتهم في الشؤون العامّة، وهذا الأمر يتطلّب همّةً عالية. بينما تجد الكسول والنَوَّامَ لا يهتمّ إلّا براحته الشخصيّة، ولا يفكّر في أمرِ المجتمع من حوله، وليس مستعدًّا لأنْ يبذل شيئًا من طاقته الماليّة أو البدنيّة أو الفكريّة من أجل خدمة الناس.

4. القناعة

إنّ من نتائج الهمّة العالية، التي تدفع الإنسان إلى العمل وإتقانه، هو قناعته بما وصل إليه، بعدما سعى إليه بوُسْعِهِ كلِّه. لذا، ورد عن الإمام عليّ (عليه السلام): «مِنْ شَرَفِ الهِمَّةِ لُزُومُ القَنَاعَةِ»[7]، وعنه (عليه السلام): «الكَفُّ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ عِفَّةٌ وَكِبْرُ هِمَّةٍ»[8].


كيف تُصنَع الهمّة؟

إنْ كانت الهمّة هي الدافع لتحقيق هدف الإنسان في الحياة، وإن كانت الهمّة منشًا أساسيًّا في تلك الكمالات، فحريٌّ للإنسان أن يبحث عمّا يولّد تلك الهمّة، ويرفعه من حالة الخمود والخمول إلى الجدّ في العمل.

وفي مقام الجواب عن ذلك المولِّدِ للهمّة، الرافعِ الإنسانَ إلى حالة الجدّ، تبرز معرفة القيمة والأهمّيّة للعمل في أولى مراتب ما يصنع الهمّة.

ففرقٌ شاسعٌ بين شخصٍ طُلِبَ منه أن يسعى نحو جوهرة نفيسة، على أن يمتلكها حينما يحوزها، وقد عرف القيمة الغالية جدًّا لهذه الجوهرة، وبين شخصٍ طُلِبَ منه أن يسعى نحو تلك الجوهرة، كحال صاحبه، إلّا أنّه لا يعرف أنّها جوهرة، بل يظنّها زجاجة، فكم هو الفارق بين همَّة الأوّل نحو العمل، وهمّة الآخر.

من هنا، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ صَحَتْ مَعْرِفَتُهُ، اِنْصَرَفَتْ عَنِ الْعَالَمِ الْفَانِي نَفْسُهُ وَهِمَّتُهُ»[9].

 

الشهوات والهمّة العالية

فإذا كانت همّة المرء جناحيه اللذَيْن يطير بهما، فإنّ شهوته وخلوده إلى الشهوات والغرائز هي التي تضع المرء وتحطّ من قدره، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «مَا رَفَعَ امْرَءًا كَهِمَّتِهِ، وَلَا وَضَعَهُ كَشَهْوَتِهِ‏»[10].

وعليه، فعُلوُّ الهمَّة سيفٌ ذو حدَّين، فكما يمكن استغلالها في الطاعة والعبادة وإتقان الأعمال، فإنّه يمكن استغلالها في المعصية والبُعد عن الله.

 

مصرف الهمّة

بيَّنَت الرواياتُ الشريفة الأمورَ التي ينبغي أن تُصرَف همّة المؤمن فيها، وهي:

1. التقرُّب إلى الله: فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «وَاِصْرِفُوا هِمَّتَكُمْ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى طَاعَتِهِ (الله)»[11].

2. بناء الآخرة: فعن الإمام الباقر (عليه السلام): «وَلْتَكُنْ هِمَّتُكَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ»[12].

3. تزكية النفس وإصلاح الناس: فعن عليّ (عليه السلام): «إِنْ سَمَتْ هِمَّتُكَ لِإِصْلَاحِ النَّاسِ، فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ؛ فَإِنْ تَعَاطَيْتَ إِصْلَاحَ غَيْرِكَ وَنَفْسُكَ فَاسِدَةٌ، فَهُوَ أَكْبَرُ عَيْبٍ».[13]

[1] سورة الملك، الآية 2.
[2] سورة الانشقاق، الآية 6.
[3] سورة الانشقاق، الآيات 7 – 12.
[4] التميميّ الآمدي، عبد الواحد بن محمّد، غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح السيّد مهديّ رجائي، ‏دار الكتاب الإسلاميّ‏، إيران - قمّ‏، 1410ه، لا.ط،‏ ص74.
[5] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص298.
[6] المصدر نفسه، ص28.
[7] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص471.
[8] التميميّ الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق،‏ ص74.
[9] التميميّ الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق،‏ ص664.
[10] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص484.
[11] ابن فهد الحلّيّ، عدّة الداعي، مصدر سابق، ص288.
[12] الوحيد البهبهاني، الشيخ محمد باقر، حاشية مجمع الفائدة والبرهان، مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني، منشورات مؤسسة العلامة المجدد الوحيد البهبهاني، 1417، ط1، ص24.

[13] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص164.

81 مشاهدة | 13-07-2020