الجمعة 07 آب 2020 الموافق لـ 17 ذو الحجة 1441هـ

» مفاهيــــم إســـلامــية

التَّكَافُلُ الاِجْتِمَاعِيِّ

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾[1].

تمهيد

تعتمد الرعاية الاجتماعيّة في الإسلام على مبدأ التكافل، الذي يبيّن من تقع عليه مسؤوليّة رعاية المحتاج. ومن هنا، صارت كفالةُ المحتاج على أفراد أسرته مسؤوليّةً مقرَّرةً، سواء أكان طفلًا أو أرملة أو مطلقة أو عاجزًا عن الكسب، فإذا عجزت الأسرة عن هذه الكفالة، انتقلَت المسؤوليّة إلى المجتمع، كما يُشير إلى ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ﴾، فهذا الخطاب يوضح، بأجلى المعاني، مسؤوليّةَ القادرين، وهم الأغنياء، تجاه السائل والمحروم.

والتكافل الاجتماعيّ في الإسلام يرتكز على شقَّين أساسيَّين:
الأوّل: التراحم.                             
الثاني: التكافل المادّيّ.

التكافل مسؤوليّة عامّة

وقد جعل الإسلامُ كلَّ مسلمٍ مسؤولًا في بيئته الاجتماعيّة، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[2]. ودعا (صلّى الله عليه وآله) إلى الاهتمام بأمور المسلمين، ومشاركتهم في آمالهم وآلامهم، فقال: «مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ المُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ»[3]. وذلك كلّه وفق القاعدة القرآنيّة التي تحكم علاقات المجتمع الإسلاميّ بشكلٍ عامّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾[4].


فلسفة التكافل الاجتماعيّ في الإسلام

إنّ الإيمان ليس قضيّة فلسفيّة مجرّدة، أو مجرّد علاقة بين الفرد وربّه، بعيدًا عن توجيه أنشطته وممارسته وعلاقاته اليوميّة؛ ففي الإيمان، يتمّ ربط الفكر بالفعل، والنيّة بالحركة والسلوك القويم. وقد نفى الرسول (صلّى الله عليه وآله) كمالَ الإيمان عن الذي يبيت شبعان وجاره جائع، وهو يعلم: «مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِع‏»[5].

وقد عدّ القرآنُ الإمساكَ وعدمَ الإنفاقِ سبيلًا للتهلكة، بقوله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾[6].

كما عدّ الكنـزَ وحَجْبَ المال عن وظيفته الاجتماعيّة، مدعاةً للعذاب الأليم، فقال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[7]. وليس هذا فحسب، بل رتَّب مسؤوليّة التقصير أيضًا على الإنسان الذي يعطِّل سُبُلَ الكسب وفرص العمل، مهما ادّعى الصلاح. وجعل دخولَ النار في حبسِ هرّةٍ عن طعامها، بل ودخول الجنة في إعانة الحيوان لسدِّ حاجته.


التكافل في الشريعة

لا يمكن لدولة أن تقوم بواجبها نحو تحقيق التكافل الاجتماعيّ، إلّا إذا ساهم معها أبناءُ المجتمع في بناء العدل الاجتماعيّ والبذل والإنفاق في سبيل الله. وقد قَسّمَت الشريعةُ مسؤوليّةَ المجتمع في تحقيق التكافل إلى قسمَين:

القسم الأول: يُطالَب به الأفراد على سبيل الوجوب والإلزام، وهي:

1. الخُمس: قال -تعالى-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾[8].

2. الزكاة: قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[9].

3. النذور: قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾[10].

4. الكفارات: ومنها كفارة إفطار شهر رمضان وقضائه عمدًا، وحنث النذر واليمين والعهد...

5. زكاة الفطرة: عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ مِنْ تَمَامِ الصَّوْمِ إِعْطَاءَ الزَّكَاةِ؛ يَعْنِي الْفِطْرَةَ... لِأَنَّهُ مَنْ صَامَ وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ، فَلَا صَوْمَ لَهُ...»[11].

القسم الثاني: يُطالَب به الأفراد على سبيل التطوُّع والاستحباب، مثل:

1. الوقف الخيريّ: وهو يشمل جميع جهات الخير، من مساجد ومدارس ودور للأيتام والعجزة ومستشفيات ومعاهد وغيرها، والأصل في ذلك قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ، انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه‏».[12]

2. الوصيّة: وهو أن يوصي المسلم قبل موته بجزءٍ من ماله لجهات البرّ والخير. قال -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾[13].

3. العارية: وهو الانتفاع بحوائج الغير مجّانًا، وهي من أعمال الخير والإنسانيّة؛ لأنّ الناس لا غنى لهم عن الاستعانة ببعضهم، والتعاون فيما بينهم. قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾[14].

4. الهديّة أو الهبة: عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «نِعْمَ الشَّيْ‏ءُ الْهَدِيَّةُ أَمَامَ الْحَاجَةِ»، وَقَالَ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا؛ فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تَذْهَبُ بِالضَّغَائِنِ».[15]

5. الصدَقَة: قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَثْقَلَ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَهِيَ تَقَعُ فِي يَدِ الرَّبِّ، قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ الْعَبْدِ»[16].


موارد التكافل

1. الأهل
عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه سمع رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: «اِبْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاك‏»[17]. وعن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «الكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ»[18].

2. الأرحام
عن الإمام الصادق (عليه ‌السلام)، في قوله -تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الذي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾[19]، قال: «هِيَ أَرْحَامُ النَّاسِ، إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَمَرَ بِصِلَتِهَا وَعَظَّمَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَهَا مِنْهُ؟»[20].

3. الجار
قال -تعالى-: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾[21].

عن الإمام الباقر (عليه السلام): «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله): مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ. قَالَ: وَمَا مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ يَبِيتُ، وَفِيهِمْ جَائِعٌ، يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة»[22].

4. الأيتام
قال -تعالى-: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾[23]. عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «مَنْ عَالَ يَتِيمًا حَتَّى يَسْتَغْنِيَ، أَوْجَبَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لَهُ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ، كَمَا أَوْجَبَ لآِكِلِ مَالِ الْيَتِيمِ النَّار»[24].

5. الفقراء والمساكين
قال -تعالى-: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾[25].


[1] سورة المعارج، الآيتين 24 و 25.
[2] الأحسائيّ، ابن أبي جمهور، عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينيّة، تقديم السيّد شهاب الدين النجفيّ المرعشيّ، تحقيق الحاج آقا مجتبى العراقيّ، لا.ن، لا.م، 1403ه - 1983م، ط1، ج1، ص129.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص163.
[4] سورة الحجرات، الآية 10.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص668.
[6] سورة البقرة، الآية 195.
[7] سورة التوبة، ص34.
[8] سورة الانفال، الآية 41.
[9] سورة التوبة، الآية 60.
[10] سورة البقرة، الآية 270.
[11] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج9، ص318.
[12] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئالي، مصدر سابق، ج2، ص53.
[13] سورة البقرة، الآية 180.
[14] سورة المائدة، الآية 2.
[15] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، مصدر سابق، ج17، ص289.
[16] الحرّ العامليّ، الشيخ محمّد بن الحسن، هداية الأمّة إلى أحكام الأئمّة (عليهم السلام)، تحقيق ونشر مجمع البحوث الإسلاميّة، إيران - مشهد، 1412ه، ط1، ج4، ص111.
[17] المفيد، الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان، الاختصاص، تحقيق عليّ أكبر الغفّاريّ والسيّد محمود الزرندي، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان - بيروت، 1414ه - 1993م، ط2، ص219.
[18] الحلّيّ، ابن فهد، عدّة الداعي ونجاح الساعي، تصحيح أحمد الموحّديّ القمّيّ، مكتبة وجداني، إيران - قمّ، لا.ت، لا.ط، ص72.
[19] سورة النساء، الآية 1.
[20] ابن فهد الحلّيّ، عدّة الداعي ونجاح الساعي، مصدر سابق، ص81.
[21] سورى النساء، الآية 36.
[22] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص668.
[23] سورة الفجر، الآية 17.
[24] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج7، ص51.
[25] سورة البقرة، الآيتان 272 و 273.

83 مشاهدة | 10-07-2020