السبت 24 تشرين الأول 2020 الموافق لـ 3 ربيع الاول 1442هـ

» إضـــــاءات قــــرآنــية

الصَّبْرُ... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ

﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾[1].

تمهيد

قال -تعالى- على لسان لقمان في عِظَته لابنه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ‏ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور﴾[2]. وتصدّى الله -عزّ وجلّ- بذاته لتبشير الصابرين في كتابه، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾[3].

وعن الإمام أبي عبد الله الصادق‏ (عليه السلام) أنّه قال: «الصَّبْرُ مِنَ الإيمانِ، بمنزلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ؛ فإِذا ذَهَبَ الرَّأْسُ، ذَهَبَ الجسدُ؛ كذلِكَ، إذا ذَهَبَ الصَّبْرُ، ذَهَبَ الإيمانُ»[4].

 

مفهوم الصبر

يمكن أن يُعرَّف الصبر بأنّه فعلُ تَحَمُّلِ المرارات والآلام والظروف القاسية التي يمرُّ بها الإنسان في الحياة، والعمل على تجاوزها، نفسيًّا وعمليًّا، وعدم إفساح المجال لأيٍّ من الشعور باليأس أو الجزع أو بالفشل أو الانهيار النفسيّ، بأن يتسرّب إلى باطن الإنسان. إذًا، فالصبر يعطي للإنسان القدرةَ على مقاومة الظروف، والقفز فوق العقبات، ليواصل مسيرة تكامله، ولا يقف سائسًا عند أيٍّ من الحواجز.

 

منزلة الصبر من الإيمان

لو عدنا إلى حقيقة الإيمان الذي يمكن أن يحمله الإنسان، لوجدناه عبارة عن تَحَرُّك الإنسان نحو تحقيق رضى الله -سبحانه وتعالى-، وذلك من خلال سلوك طريق العبوديّة. وطريق العبوديّة لله -عزّ وجلّ- يُختَصَر بمجموعة الأحكام والتكاليف الصادرة من الله -تعالى-، والتي تشمل: فعل الواجبات، وترك المحرّمات.

وفي هذه الأحكام ما هو سهل القيام به أو الامتناع عنه، ومنها ما يحتاج إلى بذل الجهد وتحمُّل المشاقّ، كالجهاد في سبيل الله، أو ترك بعض المحرّمات، كالغيبة والنظر الحرام وغيرها. وهذا كلُّه لا يتمّ من دون الصبر؛ ولذلك، كان من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.

 

أنواع الصبر

إنّ العوامل المانعة من تكامل الإنسان وسلوكه في صراط العبوديّة لله -تعالى-، يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة:

أ. العوامل المانعة التي تؤدّي إلى ترك الواجبات.

ب. العوامل التي تدفع نحو فعل المحرّمات وارتكاب الذنوب.

ج. العوامل التي تجلب حالة عدم الاستقرار وعدم الثبات الروحيّ.

أمّا الصبر، فإنّه يعني المقاومة وعدم الاستسلام في مواجهة هذه العوامل الثلاثة، التي لا شكّ أنّها تقف وراء فعل المحرّمات وارتكاب الذنوب.

وبهذا التوضيح، يمكننا أن نفهم عمق الحديث الذي ينقله أمير المؤمنين‏ (عليه السلام)‏ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الصبرُ ثلاثةٌ: صبرٌ عندَ المصيبةِ، وصبرٌ على الطاعةِ، وصبرٌ عَنِ المعصيةِ»[5].

1. فالصبر على المصيبة: حينما يُبتَلى الإنسان برزقه، أو بموت أحد أقاربه وأحبّائه، أو المرض...

2. أمـّا الصبر على الطاعة: فالصبر على الصلاة والصوم والحجّ والجهاد وأداء الخمس...

3. والصبر عن المعصية: كالصبر على ترك الغيبة والكذب والنظر المحرَّم. وقد عبّرَت عنه بعض الروايات بالتصبُّر، في إشارة إلى زيادة معنى الصبر فيه، فعن إمامنا الصادق (عليه السلام)، حين سُئِلَ عن الصابرين، قال: «الصَّابِرُونَ عَلَى أَدَاءِ الفَرَائِضِ، وَالمُتَصَبِّرُونَ عَلَى تَرْكِ المَعَاصِي»[6].

 في كلّ مورد من الموارد الثلاثة، عندما تأتي الحوادث المؤلمة، وعندما يُطلَب من الإنسان القيام بتكليف، أو يقع بامتحان ارتكاب معصيةٍ ما، يأتي دور ظهور القوّة والبطولة والصلابة أمام هذه العواصف والمغرَيات.

 

علامات الصابر

عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «علامةُ الصَّابِرِ في ثَلَاثٍ: أَوَّلُهَا أَنْ لَا يَكْسَلَ، والثَّانِيَةُ أَنْ لَا يَضْجَرَ، وَالثَّالِثَةُ أَنْ لَا يَشْكُوَ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأنّهَ إِذَا كَسِلَ فَقَدْ ضَيَّعَ الحُقوقَ، وإَذا ضَجِرَ لَمْ يُؤَدِّ الشُّكْرَ، وَإِذَا شَكَا مِنْ رَبِّهِ -عزّ وجلّ- فَقَدْ عصَاهُ»[7].


آثار الصـّبر ونتائجه

النتائج القريبة: وهي التي تظهر في الدنيا، كما قال -تعالى-: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾[8]. وهكذا، فانتصار الإنسان على نفسه في الصبر، هو أهمّ ما يمكن أن يحقّقه. لذا، كان -سبحانه- دائمًا مع الصابرين، كما في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[9].

النتائج البعيدة: وهي التي تظهر في الآخرة، فتتمثّل في هذه الرواية، فعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)‏: «إِذَا دَخَلَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ، كَانَتِ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالزَّكَاةُ عَنْ يَسَارِهِ، وَالْبِرُّ مُطِلٌّ عَلَيْهِ، وَيَتَنَحَّى الصَّبْرُ نَاحِيَةً، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ مُسَاءَلَتَهُ، قَالَ: الصَّبْرُ لِلصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْبِرِّ، دُونَكُمْ صَاحِبَكُمْ، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْهُ، فَأَنَا دُونَهُ»[10].


[1] سورة البقرة، الآيتان 155 و156.
[2] سورة لقمان، الآية 17.
[3] سورة البقرة، الآيتان 155 و156.
[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص88.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص91.
[6] الحسين بن سعيد الكوفي، الزهد، تحقيق ميرزا غلام رضا عرفانيان، لا.ن، لا.م، 1399ه، لا.ط، ص95.
[7] الصدوق، الشيخ محمّد بن عليّ بن بابويه، علل الشرائع، تقديم السيّد محمّد صادق بحر العلوم، المكتبة الحيدريّة، العراق - النجف الأشرف، 1385ه - 1966م، لا.ط، ج2، ص498.
[8] سورة الأنفال، الآية 65.
[9] سورة البقرة، الآية 153. وسورة الأنفال، الآية 46.
[10] الشيخ الكلينيّ، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص90.

229 مشاهدة | 08-07-2020