الأربعاء 27 أيار 2020 الموافق لـ 3 شوال 1441هـ

» مفاهيــــم إســـلامــية

المراقبة في شهر رمضان

ممّا جاء في خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "وَمَنْ تَطَوَّعَ فيه بصلاةٍ، كَتَبَ اللهُ له براءةً من النَّار"[1].

المقدَّمة

عندما نقرأ في خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّ شهر رمضان هو عند الله أفضل الشّهور وأيّامه أفضل الأيّام و لياليه أفضل اللّيالي وساعاته أفضل السّاعات، نستكشف أنه يجب علينا أن نولي اهتماماً بالغاً للحظات هذا الشهر لحظةً لحظةً وإلا لما كان هذا التأكيد منه صلى الله عليه وآله وسلم على الأيام والليالي والساعات، فالمؤمن يجب عليه أن يراعي حرمة هذا الشهر، وكلّما مرّت عليه ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك ازداد خوفاً وقلق, لأنَّ كلَّ يوم وكلَّ ليلة يفقد فرصة من فرص التقرّب إلى الله تعالى، ومن الليلة الأولى في شهر رمضان ينبغي على الإنسان أن يضع خطةً مناسبة لحاله في إحياء ليالي وأيام هذا الشهر، وعلينا من الليلة الأولى أن نحرص على عدم تضييع هذه الفرصة التي لن تتكرّر إلا في شهر رمضان المقبل، ولعلّنا - والعلم عند الله - نكون من الذين لن تتكرّر عليهم أبداً.

 

مراقبات شهر رمضان

من الطبيعي أن نستلهم من خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعض الأمور التي تحتاج إلى مراقبة والتي نبّه عليها في خطبته الغرّاء، ونقف هنا عند بعضها:

1- الصلاة: وهي من أهمّ ما ينبغي الالتفات إليه ومراقبته، فيراقب خشوعه وتوجُّهه ومرتعاته أول وقتها فإنه أفضل الأوقات وطول سجوده واستغفاره في قنوتها، فهل بقيت صلاته على ما كانت عليه قبل دخول الشهر أم طرأ عليها بعض ما يرجوه منالتحسن والارتقاء؟

ومن الصلاة التي يجب مراقبتها صلاة النافلة التي يتطوّع بها المرء والتي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ومن تطوّع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، في حين أنّ العطاء الإلهيّ لم يشمل الفريضة كما شمل النافلة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ومن أدّى فيه فرضاً كان له ثواب منأدّى سبعين فريضة فيما سواه من الشّهور"[2].

لا شكّ أننا جميعاً نخطّط لأنفسنا أن يكون هذا الشهر متميِّزاً، ومختلفاً عن باقي أشُهر السنة, ولكن في مقام العمل، نرى أنه لا جديد. وهنا يجب أن ندرك أننا أمام مشكلة روحيّة يجب علاجها لأنّ ذلك بمثابة إنسان يجلس إلى مائدة شهيّة، ولكنّ نفسه لاتشتهي الطعام، وبالتالي، فإنه لا يستفيد من هذه المأدبة..

2- قراءة القرآن: ولا يخفى العلاقة الراسخة بين هذا الشهر وبين كتاب الله تعالى، فليراقب كلٌّ منا نفسه في قراءته للقرآن والتدبر في آياته وفهم معانيه وسبر أغواره وشرح مفرداته والعيش بين ثنايا درره اللامتناهية, طبعاً من الضروري أن لا تقتصرقراءة القرآن على خصوص هذا الشهر الكريم، لكن يجب في هذا الشهر أن لا تكون قراءة القرآن كغيره من الشهور.

إنّ العلاقة التكوينية الغيبية التي لا يمكننا إدراكها بعقولنا القاصرة هي التي حدَتْ بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ليقول: "ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشّهور".

3- الدعاء: وهو من أهم ما أنعمه الله على العباد في هذا الشهر، فأغدق عليهم ما لم يغدقه في غيره من الشهور ووعدهم بالاستجابة والتلبية والعطاء كما جاء على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وارفعوا إليه أيديكم بالدّعاء في أوقات صلاتكم‏ فإنها أفضل السّاعات، ينظر الله عزّ وجلّ فيها بالرّحمة إلى عباده، يجيبهم إذا ناجوه، ويلبّيهم إذا نادوه، ويعطيهم إذا سألوه، ويستجيب لهم إذا دعوه". فهل بعد هذا الوعد شكٌّ وريب أو شبهة أننا يجب أن نراقب أدعيتنا والإصرار على الطلب والسؤال والمناجاة بين يدي الله تعالى[3]؟

كان أحد العلماء الكبار ذوي الباع يقول: لماذا تقتصرون على دعاء رفع المصاحف - مثلاً - في ليلة القدر، حيث إنّ في دعاء رفع المصاحف "اللهمّ!.. إني أسألك بكتابك المنزَّل وما فيه وفيه اسمك الأعظم وأسماؤك الحسنى"[4] يقول: لماذا لا تلتجئون إلى رفع المصاحف في غير ليلة القدر، في كلّ وقتٍ يشعر الإنسان أنّ هناك إقبالاً عليه أن يغتنم هذه الفرصة.

4- الأعمال المستحبّة: ومن التعاليم المهمّة التي يعلّمنا إياها الإسلام في شهر رمضان هو بناء علاقة قوية مع النوافل والمستحبّات التي لو قارنها الإنسان بالفرائض لوجدها تفوقها بمئات المرّات، فلو كانت أموراً يصحّ الاستغناء عنها لما زخرت بهاكتب الأدعية والزيارات.

فالانسان الذي يواظب على قراءة القرآن والدعاء والتطوّع بالصلاة والإكثار من الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإفطار الصائمين والتصدّق وسواها من المستحبّات التي وردت في خطبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من شأنه أن تصبح علاقته بهذه النوافل قوية ويتنعّم بحلاوة هذهالعبادة فيتمسّك بها ويحافظ عليها بعد شهر رمضان المبارك.

والمتأمّل في الروايات التي تتحدّث عن شهر رمضان يجدُها مستفيضة بالكلام عن قيام الليل وإحيائه، ومن المعلوم أنّ هذا القيام لا يتمّ إلا إذا كان ساحةً للمستحبّات والنوافل والإكثار من الذكر والتسبيح لله تعالى ممّا يدلّل على أهمية التنفّل في هذاالشهر الكريم.

فالنافلة تنقل الإنسان إلى مقامات القرب من الله والتنعّم بجواره المقدّس, ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشيبها[5].

والنوافل تستبطن صدق العبودية لله تعالى وتستبطن حرص الإنسان على واجباته وفرائضه لما ورد أنّ المستحبّات سياج الواجبات، فالحرص عليها حرص على سلامة الفرائض، فلعلّ الخوف من العذاب والفوز بالجنّة يدفعان المرء للقيام بفرائضه، لكنأيّ دافع يدفع المرء للقيام بالمستحبّات والنوافل الكثيرة سوى نية القرب وجمال المعبود؟ وأيّ حافزٍ يجعل المرء يترك فراشه ونومه وراحته ليقضي قسطاً من وقته مع خير الجالسين وأشدّهم أنساً سوى التقرّب والتحبّب وصدق العبودية واليقين بما فيخلوة النافلة من بركات وأنوار لا يعرف حقيقتها وطعمها إلا من تذوّقها حقاً؟

وعلى المرء أن يترصد قلبه دائماً ولا يضيّع فرصة إقباله، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فتنفّلوا، وإذا أدبرت فعليكم بالفريضة"[6].

 

[1] الأمالي، ص 155.

[2] الأمالي، ص 155.

[3] الأمالي، ص 154.

[4] الينابيع الفقهية، ج3، ص 148.

[5] كنز العمال، ج 7، ص 770.

[6] الكافي، ج3، ص 454.

52 مشاهدة | 06-05-2020