الإثنين 06 نيسان 2020 الموافق لـ 13 شعبان 1441هـ

» قراءات ومـــراجعــات

المسشرقون ودعوى الاختلاف في القرآن الكريم -قراءة تحليليّة نقديّة-

بحث مدرج في العدد 31 من مجلّة الكلم الطيّب الصادرة عن ممثّلية جامعة المصطفى (ص) العالميّة في لبنان

الشيخ إبراهيم حسن[1]

مقدّمة:

القرآن الكريم أبلغ الكلام وأفضله على الإطلاق، معجز يحيّر العقول والأفهام؛ بروائع ألفاظه وبدائع معانيه، فلا تجد بين معانيه اختلافاً، ولا بين مضامينه تناقضاً، وقد قال عزّ من قائل: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}[2]؛ فجلّ عن أن يقع فيه الاختلاف.

لكنّ أوهام بعض المستشرقين لم تستطع أن تستوعب روعة التعبير القرآنيّ، فحسبت أنّ فيه للاختلاف مواضعاً، فبادروا إلى جمع الشواهد على دعواهم الباطلة، وتفاخروا بما حسبوه نسفاً لإعجاز القرآن الكريم. والحال أنّ جلّ ما أثبتوه هو قصورهم عن إدراك عظمته، وهو الكتاب الذي: {لا يمسّه إلا المطهّرون}[3].

وفي هذه المقالة المختصرة، نسلّط الضوء على معنى الاختلاف، ووجه نقضه لإعجاز القرآن الكريم، معرّجين على تاريخ هذه الدعوى، وعارضين أبرز ما ادّعاه المستشرقون من وجوه الاختلاف في القرآن الكريم، رادّين عليهم  في ذلك، مع ذِكْر بعض الأسباب التي قد توهم وجود الاختلاف.

 

أولاً: معنى الاختلاف ووجه نقضه لإعجاز القرآن الكريم:

نقصد من الاختلاف في القرآن الكريم وجود معنى لا يمكن اجتماعه مع معنى آخر مذكور في القرآن نفسه، وقد عبّر بعضهم عنه بـ "التناقض"، لكن لمّا كان التناقض باصطلاح المناطقة يشير إلى الأمرين الوجوديّ والعدميّ اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان،  فقد فضّلنا التعبير عنه بـ "الاختلاف"؛ دفعاً لتوهّم إرادة معنى المصطلح في المنطق؛ وإنّما عبّر -أحياناً- عن الاختلاف الذي نقصده هنا بـ "التناقض"؛ لأنّ المقصود منه في هذا السياق التناقض بالمعنى الأعمّ، لا خصوص التناقض "المنطقيّ".

وعلى أيّ حال، فإنّ دعوى اختلاف القرآن الكريم تنطلق من فكرة؛ مفادها: أنّ الإنسان معرّضٌ في كلامه وأفعاله إلى أن يصدر منه الاختلاف بين كلامين أو موقفين، خصوصاً إنْ كانا في وقتين منفصلين، «فالواحد من الإنسان لا يسلم في نفسه، و ما يأتي به من العمل من الاختلاف، وليس هو بالواحد والاثنين من التفاوت والتناقض، بل الاختلاف الكثير، وهذا ناموس كلّيّ جارٍ في الإنسان وما دونه من الكائنات الواقعة تحت سيطرة التحوّل والتكامل العامّين، لا ترى واحداً من هذه الموجودات يبقى آنين متواليين على حال واحد؛ بل لا يزال يختلف ذاته وأحواله»[4].

إنّ إثبات الاختلاف في القرآن الكريم يلزم منه صدوره من بشرٍ يعرض له ما يعرض لسائر البشر من الاختلاف المذكور، في حين أنّ «عدم الاختلاف دليلٌ قاطعٌ على أنّه من عليمٍ خبير، هو محيطٌ بعلمه، ولا يعزب عن علمه شيءٌ؛ كما لا يتجدّد له رأيٌ أو يبدو له نظر غير رأيه القديم»[5].

ومن هنا، كان دأب المستشرقين على إثبات وجود الاختلاف؛ لأنّ إثبات وجوده مساوقٌ لنفي الإعجاز عنه؛ كما إنّ إثبات عدم الاختلاف مساوقٌ لإثبات الإعجاز، ولذا كان من جوانب الإعجاز في الكتاب العزيز عدم الاختلاف، كما  عبّرت الآية الكريمة: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}[6].

ومن باب الشيء بالشيء يذكر، نشير إلى أنّ وصف الاختلاف في الآية الأخيرة بالكثير ليس وصفاً احترازيّاً حتى يفهم منه أنّ القرآن منزّه عن الاختلاف الكثير، وليس منزّهاً عن الاختلاف القليل، بل الوصف هنا وصفٌ توضيحي، «والمعنى: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً، وكان ذلك الاختلاف كثيراً على حدّ الاختلاف الكثير الذي في كلّ ما هو من عند غير الله»[7]. وإلا فالواقع أنّ كتاب الله تعالى منزّه عن كلّ اختلاف كبير وصغير، وهذا ما سنعمل على تأكيده في ما يأتي.

 

ثانياً: الجذور التاريخيّة لدعوى اختلاف القرآن الكريم:

        لا بدّ من الإشارة إلى أنّ دعوى الاختلاف في القرآن الكريم ليست حكراً على المستشرقين؛ بل نجد أنّ عدداً من الملحدين وغيرهم من غير المسلمين تطرّقوا إلى هذا الأمر مسبقاً، بل كان بعضهم في زمن الأئمّة (عله) فردّ عليهم أئمّتنا (عله)؛ ما يرفع ما توهّموه من اختلاف في آيات القرآن العزيز.

فمن ذلك، ما رواه الشيخ الصدوق(قده)؛ بإسناده المتّصل إلى أبي معمر السعداني، قال: «إنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي شككت في كتاب الله المنزل، فقال(ع): وكيف شككت في كتاب الله؟ قال: لأنّي وجدت الكتاب يكذّب بعضه بعضاً، فكيف لا أشكّ فيه؟ فقال الإمام(ع): إنّ كتاب الله ليصدّق بعضه بعضاً ولا يكذّب بعضه بعضاً، ولكنّك لم ترزق عقلاً تنتفع به، فهاتِ ما شككت فيه، فجعل الرجل يسرد آيات زعم أنّها متهافتة والإمام يجيب عليها...[8].

          وكذلك روى الطبرسي في كتاب الاحتجاج: أنّ بعض الزنادقة جاء إلى الإمام أمير المؤمنين(ع) وقال له: لولا ما في القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم. فقال(ع) له: وما هو؟ فجعل يسرد آيات بهذا الشأن ليأخذ جوابه الوافي، وشكره أخيراً ودخل في حظيرة الإسلام[9].

        وفي سياق السرد التاريخيّ لمسألة توهّم اختلاف القرآن الكريم، لا يفوتنا أن نذكر ابن إسحاق الكِندي، الذي ألّف رسالةً جمع فيها تناقض القرآن، فقام الإمام العسكري (ع) في وجهه مفحماً حجّته؛ حتى أعرض عنها.

وتفصيل الأمر: أنّ  يعقوب بن إسحاق الكندي الذي كان معاصراً  للإمام العسكري (ع) ألّف كتاباً ، فطلب منه (ع) أن يخاطب أستاذه الكِندي ويوجّه إليه السؤال الآتي: إنْ أتاك هذا المتكلّم بالقرآن، هل يجوز أن يكون مراده بما تكلّم منه غير المعاني التي قد ظننت أنّك ذهبت إليها؟ وقد توجّه ذاك الشخص بذاك السؤال بالفعل، فتفكّر الكِنديّ بالأمر، ثمّ دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألّفه في ذلك[10].

          وواقع الأمر، أنّ هذه القصّة تنبّه على أنّ منشأ دعوى وجود الاختلاف والتناقض في القرآن من قِبَل الكندي يكمن في فهمه وتفسيره للآيات القرآنيّة، فجاء جواب الإمام (ع) لينفي الملازمة بين ما فهمه الكندي وادّعاه، وبين وجود الاختلاف والتناقض في المراد الواقعيّ للآيات القرآنيّة؛ لأنّ عمليّة تفسير أي نصّ هي في حقيقتها محاولة الوصول إلى مراد المتكلّم من خلال استخدام أدوات معرفيّة ومنهجيّة مرعيّة في مقام التفهيم والتفاهم بين العقلاء. وهذه العمليّة لا تعني بالضرورة إصابة المراد الواقعي للمتكلّم.     

          ثمّ إنّ تكرّر طرح مسألة تناقض القرآن الكريم دفع بكبار العلماء والمؤلّفين إلى أنْ يكتبوا في هذا الموضوع وكيفيّة دفع توهّمه، ولعلّ أقدم كتابٍ وصل إلينا في هذا المجال كتاب «تأويل مشكل القرآن» لابن قتيبة (213-276هـ).

ثمّ جاء من بعده الشريف الرضي(قده) (359- 406 هـ)، ليكتب بحثاً لطيفاً عنونه باسم «حقائق التأويل في متشابه التنزيل».

وهكذا القاضي عبد الجبّار المعتزلي (ت 415هـ) في كتابه «تنزيه القرآن عن المطاعن».

ولقطب الدين الراوندي (ت573 هـ) في كتابه «الخرائج والجرائح» بابٌ عقده للردّ على مطاعن المخالفين في القرآن.

ولابن شهرآشوب المازندراني (ت588 هـ) كتاب قيّمٌ باسم «متشابهات القرآن ومختلفه».

ولمحمّد بن أبي بكر الرازي (ت666 هـ) رسالة شريفة أجاب فيها عن ألفٍ ومئتي مسألة حول شبهات القرآن.

ولجلال الدين السيوطي (ت911 هـ) في كتابه «الإتقان في علوم القرآن» بحثٌ مستوفٍ عن مشكل القرآن وموهم الاختلاف والتناقض فيه. وللمولى محمد باقر المجلسي (1037- 1111 هـ) في موسوعته القيّمة «بحار الأنوار»[11] تناولٌ لهذا الموضوع، مورداً أخبار الأئمّة (ع) في هذا المجال.

وأخيراً، ألّف الشيخ خليل ياسين (ره) كتاباً يحتوي على 1600 سؤال وجواب حول مشكل القرآن، أسماه: «أضواء على متشابهات القرآن».

هذا، فضلاً عن العديد من مؤلّفات علمائنا المعاصرين.

          وحيث لم يكن هذا الأمر حديثاً، فقد جاء المستشرقون ليجدوا في هذه المسألة مادّة "دسمة" لنقد الإسلام، من خلال ادّعاء أنّ القرآن الكريم من تأليف نبيّنا محمد (ص) وليس وحياً إلهيّاً، مستدلّين على ذلك بجملة من الشواهد القرآنية التي فهموا منها اختلافها الذي يؤكّد دعواهم.

          وقد جاءت هذه المسألة في سياق الحملة التي شنّوها على القرآن الكريم وعلى الإسلام، ومن أبرز هؤلاء: المستشرق المَجَري «جولدزيهر»[12]، الذي ذهب إلى «أنّ الرسول اضطرّته مشاغله خلال النصف الأوّل من حياته إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكاراً أخذ يجترّها في قرارة نفسه وهو منطوٍ في تأمّلاته أثناء عزلته»[13].

          وكذلك جاء المستشرق الإنجليزي «هاملتون جِب»[14] الذي قال «إنّ محمّداً (ص) ككلّ شخصية مبدعة قد تأثّر بضرورات الظروف الخارجية المحيطة به»[15]، مؤكّداً على أنّ القرآن بالنهاية من إبداعاته، وهذا سبب وجود الاختلافات فيه[16].

          ويُرجِع المستشرق الإنكليزي «مونتجمري وات»[17] الاختلاف الموجود في الآيات القرآنية إلى اختلاف المصادر التي اعتمد عليها محمد (ص) في تأليفه للقرآن، ولذلك كانت «السور القرآنية الأولى التي تتحدّث عن الوحدانية تضع القرآن في مرتبة الوحدانية اليهودية المسيحية، أما السور القرآنية الأخيرة فإنّها تقترب من التعاليم الإنجليية القديم منها والحديث.»[18]

          وإلى جانب ما ذكرناه يقف العديد من المستشرقين الآخرين الذي نقلوا عن هؤلاء أو أضافوا، ونعرض عن ذكرهم؛ رعاية لعدم الإطالة، لننتقل إلى عرض بعض الشواهد التي ذكروها مدّعين وجود الاختلاف فيها بالمعنى الذي أشرنا إليه.

 

ثالثاً: ما زعمه بعض المستشرقين في تناقض القرآن الكريم:

        ذكر بعض المستشرقين ممّن ادّعى الاختلاف في القرآن الكريم العديد من الشواهد القرآنيّة التي قد تُوهم ما ذكروه، ولكنّ زيف دعواهم وبطلانها سرعان ما ينكشف ويتّضح بأدنى تأمّل، وقد اخترنا في هذا المجال بعضاً من تلك الشواهد؛ لكي يظهر مبلغ افتراء هؤلاء -أو جهلهم إنْ أحسنّا الظنّ- على القرآن الكريم من جهة، ومنتهى عظمة القرآن الكريم ومتانة سبكه وتركيب عباراته من جهةٍ أخرى.

1. الأنموذج الأوّل: هذا بيانٌ للناس، وهدى وموعظةٌ للمتّقين:

نقرأ في سورة البقرة المباركة قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان}[19]، فتنصّ هذه الآية القرآنيّة على أنّ القرآن الكريم هدى للناس على نحو العموم. هذا، ولكنّنا نجد في أول سورة البقرة نفسها ما قد يبدو مناقضاً، وهو قوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}[20]، وكذلك في آيةٍ أخرى من سورة المائدة قوله تعالى: {وهدى وموعظةً للمتّقين}[21]، وهما تنصّان على أنّ هداية القرآن خاصّة بالمتّقين، وهذا يتناقض مع مضمون الآية الأولى التي تفيد كون هداية القرآن الكريم لعموم الناس.

          والجواب: أنّ ثمّة فرقاً بين لام الغاية؛ كما في الآية الأولى، ولام العاقبة التي جاءت في سائر الآيات. ولا شكّ في أنّ القرآن نزل لغايةٍ هي هداية الناس أجمع، غير أنّ الذين ينفعهم وينتفعون به في عاقبة الأمر هم المتّقون المتعهّدون في ذات أنفسهم، فكأنّهم هم الغاية دون أولئك الغوغاء من الناس الهمج.

          ومن ثمّ، فإنّ القرآن جاء بياناً للناس أجمعين، غير أنّ الذين تقع بهم النصيحة هم المتّقون؛ كما قال تعالى: {هذا بيانٌ للناس وهدى وموعظةٌ للمتّقين}[22]، وبهذا لا يكون ثمّة تناقضٌ في المقام؛ وإنّما يحتاج الأمر لمعرفة دقائق اللغة والتمييّز بين لام الغاية ولام العاقبة.

2. الأنموذج الثاني: خلق السماوات والأرض:

ينصّ القرآن الكريم على أنّ خلق السماوات والأرض كان في ستّة أيام، كما ورد في سورة الأعراف: {إنّ ربّكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستّة أيّام}[23]، وقد ورد مثله في سورة يونس[24] وفي سورة الفرقان[25].

          بينما، عندما نأتي إلى سورة فصّلت، نجده يقول: {قل أئنّكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك ربّ العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيّامٍ سواءً للسائلين. ثمّ استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. فقضاهنّ سبع  سماوات في يومين وأوحى في كلّ سماءٍ أمرها وزيّنا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم}[26].

          يقول أحد المستشرقين: "نلاحظ أنّ أيّام الخلق هنا ثمانية لا ستّة، فالأرض استغرق تشكيلها -بناءً على ما جاء في فصّلت- ستّة أيّام، والسماوات يومان؛ بينما الآيات السابقة تقول إنّ المجموع ستّة، وفي هذا تناقض بين آيات القرآن، ثمّ يضيف: وفي هذا غفلة؛ لأنّ قائله بشر"[27].

          ومحلّ الاشتباه قوله تعالى: {في أربعة أيام}، حيث توهّم المستشرقون أنّ المراد بها مدّة المرحلة الثانية من الخلق، وغفلوا عن أنّ المراد هو إتمام المرحلة الثانية؛ فيكون المراد أنّ المرحلة الأولى تمّت في اليوم الثاني، والمرحلة الثانية تمّت في اليوم الرابع. وهذا التعبير شائع في كلام العرب؛ كما قد يقول قائل: "خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوماً؛ أي في تتمّة خمسة عشر يوماً" [28]. وبهذا يظهر أن لا تناقض ولا اختلاف في البين، وإنّما تفنّن في التعبير وفق قواعد اللغة المتعارفة.

3. الأنموذج الثالث: تبديل آية وعدم تبديل كلمات الله:

أشكل بعض المستشرقين على ما ورد في سورة يونس: {لا تبديل لكلمات الله}[29]، كيف يجتمع مع ما ورد في سورة النحل: {وإذا بدّلنا آية مكان آية}[30] ؟ فالقرآن يذكر أنّ كلمات الله لا تتبدّل، ثمّ يقول في موضعٍ آخر إنّه قد يبدّل آيةً مكان آية؛ وهذا ممّا لا يجتمع، وهو من الاختلاف الذي يثبت عدم إلهيّة القرآن الكريم.

والجواب: إنّ قوله تعالى في سورة يونس: {لا تبديل لكلمات الله}[31]، معناه أن لا تبديل لقضاء الله الذي يقضيه في شؤون الكائنات, ويتّسع معنى التبديل هنا ليشمل سنن الله وقوانينه الكونيّة. وقد عبّر عنها القرآن في مواضع أخرى بـ "السنن"، وهي القوانين التي تخضع لها جميع الكائنات.

ذلك هو المقصود من "كلمات الله", التي لا نجد لها تبديلاً, ولا نجد لها تحويلاً.

أمّا المقصود من قوله تعالى: {وإذا بدّلنا آية مكان آية}[32]؛ فهو رفع تلك الآية؛ أي نسخها ووقف الحكم بها, كما هو معلوم من أنّ الثابت من النسخ هو وقف الحكم دون نسخ التلاوة. ومن هنا، فقوله تعالى: {وإذا بدّلنا آية مكان آية}، أي وضعنا الحكم المستفاد من الآية الجديدة مكان الحكم المستفاد من الآية القديمة, وهذا ممّا لا إشكال فيه؛ لأنّ أمر النسخ ثابتٌ في الشريعة ولا يضرّ بحكمة المشرّع الذي قد يجد مصلحة في تبديل الحكم؛ لتبدّل الظروف المحيطة، أو لأسبابٍ أخرى قد لا نعلمها.

لكن يبقى على كلّ حال أنّ الآيتين المذكورتين واردتان في سياقين مختلفين، فلا اختلاف بينهما على الإطلاق، وإنّما تشابه في ألفاظ غفل هؤلاء المستشكلون عن التمييز بين معانيها.

4. الأنموذج الرابع: الجمع بين الماضي والحاضر:

          ومن المواضع التي استشكل عليها المستشرقون؛ ما في مطلع سورة النحل المباركة: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه}[33]، حيث يجمع القرآن بين الزمن الماضي [أتى] والزمن الحاضر [فلا تستعجلوه]، والجمع بين الماضي والمستقبل فيه تناقضٌ بيّن؛ إذ كيف يقال إنّ الله تعالى قال [أتى] ثم قال [فلا تستعجلوه]؟[34]

          وفي الحقيقة، إنّ ما أثبته المستشرقون في هذا الإشكال هو سذاجة تفكيرهم أو ضعف معرفتهم باللغة العربيّة على أحسن تقدير، إذ كلّ من يعلم باللغة العربيّة، ويمتلك فهماً سليماً يدرك أنّ الماضي في هذه الآية لم يأتِ بقصد الإخبار عن أمرٍ وقع فعلاً؛ بل للتعبير عن أمرٍ سيحصل يقيناً مشابهاً لليقين بالأمور التي قد تحقّقت فعلاً. وعلى هذا، فلا يكون ثمّة تناقض بين التعبير بـ [أتى] والتعبير بـ [فلا تستعجلوه]، أي إنّ المراد: إنّ أمر الله (وهو القيامة) آتٍ لا محالة، فلا تطلبوا استعجاله؛ لأنّكم سرعان ما ستلاقونه!

5. الأنموذج الخامس: حمل الأوزار:

يقول الله تعالى في سورة الأنعام: [ولا تزر وازرةٌ ورز أخرى][35]، بينما نجده في  سورة النحل يقول: [ليحملوا أوزارهم يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلّونهم بغير علم][36]، وكذا في سورة العنكبوت: [وليحملنّ أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم][37].

          حيث زعموا أنّ بين هاتين الطائفتين تناقضاً؛ إذ كيف يصرّح القرآن بأنّ النفس لا تحمل وزر غيرها، بينما يصرّح في موضعين آخرين بأنّ بعضهم سيحمل أوزار (أو أثقال) الذين يضلّونهم؟

          والجواب عن هذا واضحٌ بيّن، وترتفع شبهة التناقض بأدنى تأمّل؛ ذلك أنّ عدم حمل وازرةٍ وزر أخرى قضيّة ثابتة محكمة لا نقاش فيها، لكنّ الآيتين الأخيرتين إنّما تدلان على أنّ المضلِّين يحملون -مضافاً إلى أوزارهم- أوزاراً أخرى توازي أوزار المضلّلين عبرهم، وهي أوزار إضلال هؤلاء، فثمّة فرقٌ بين أوزار الضلال وأوزار الإضلال، فلا يقع التناقض.

          وبتعبيرٍ أوضح: فالمقصود من حمل هؤلاء أوزار الذي يضلّونهم هو أنّهم يحملون أوزاراً مثل أوزار هؤلاء بسبب إضلالهم لهم، لا أنّهم يحملون عنهم أوزارهم فلا يحاسب هؤلاء المضلَّلون على ما فعلوه.

6. الأنموذج السادس: ما جاء في الودّ والمعروف:

           ورد في سورة المجادلة المباركة: [لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم...][38]، بينما نجده تعالى في سورة لقمان يقول: [وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لي به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا][39]

          فكيف يقول إنّ المؤمنين لا يوادّون آباءهم إن كانوا كفاراً، ثمّ يأمر بمصاحبة الوالدين بالمعروف عند مجاهدته لكي يشرك؟ أليس في هذا تناقضاً بين الأمرين؟

والجواب أنّ ثمّة فرقاً بين الموادّة وبين المعاملة بالمعروف، فالموادّة أو المودّة تشير إلى وقوع الحب في القلب، والمقصود هنا أنّ الله تعالى لا يريد للمؤمنين أن يكون في قلوبهم محبّةٌ للمشركين تدفعهم إلى التخلّي عن دينهم أو التأثير في إيمانهم،  ولكنّ هذا لا يعني أن تكون معاملتهم مع هؤلاء معاملة جلفةً قاسية؛ بل يريد منهم في الوقت عينه أن تكون معاملتهم بالمعروف، ويجد المتأمّل أنّ المعروف قد يمنح بمعزلٍ عن المودّة؛ كما هو واضح، فلا يكون بين مفاد الآيتين أيّ تناقض أو اختلاف.

 

رابعاً: الأسباب الموهمة للاختلاف:

بعد الاطّلاع على نماذج من المواضع التي ادّعى المستشرقون -وغيرهم- الاختلاف فيها، وبعد أن اتّضح أن لا أساس للاختلاف فيها، لعلّ سائلاً يسأل عن الأسباب التي تدفع بهؤلاء إلى توهّم الاختلاف. ولا نقصد هنا البحث عن دوافع الادّعاء، ولأيّ غرض سيق في الكلام، فهذه مسألة أخرى، وإنّما نقصد البحث عن أساس توهّم الاختلاف، أي ما الذي جعل المتوهّمين يتوهّمون وجود الاختلاف؛ حتى ذكروا تلك الشواهد على بشريّة القرآن الكريم؟

وفي هذا السياق ننقل كلاماً لطيفاً للزركشي، حيث ذكر في كتابه «البرهان في علوم القرآن» أنّ لتوهّم الاختلاف في آيات القرآن الكريم أسباباً، ونحن ننقل كلامه ما يفيدنا في المقام مع شيءٍ من التصرّف[40]:

1. وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتّى؛ كقوله تعالى قي خلق آدم(ع) مرّةً: [خلقه من تراب][41]، وأخرى: [من حمأٍ مسنون][42]، وثالثةً: [من طينٍ لازب][43]، ورابعةً: [من صلصالٍ كالفخّار][44].

وهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها في أحوال مختلفة، إلا أنّ مرجعها كلّها إلى جوهرٍ وهو التراب، ومن التراب تدرّجت هذه الأحوال.

2. لاختلاف الموضوع؛ كقوله تعالى: [وقفوهم إنّهم مسؤولون][45]، وقوله: [فيومئذٍ لا يُسأل عن ذنبه إنسٌ ولا جانّ][46]. فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل، والآية الأخيرة على ما يستلزم الإقرار بالنبوّات من شرائع الدين وفروعه...

3. لاختلافهما في جهتي الفعل؛ كقوله تعالى: [فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم][47]، فهو يضيف القتل إليهم على جهة المباشرة، وينفيه عنهم؛ باعتبار التأثير، ومثله العبارة التالية في الآية نفسها: [وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى][48].

4. لاختلافهما في الحقيقة والمجاز؛ كقوله [وترى الناس سكارى وما هم بسكارى][49]؛ أي سكارى من الأهوال مجازاً، لا من الشراب حقيقةً. وقوله: [ويأتيه الموت من كلّ مكانٍ وما هو بميّت][50]، فقد وافته المنيّة فكان كالأموات وإن لم يمت حقيقةً.

5. بوجهين واعتبارين؛ كما في قوله تعالى [الذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر الله][51]، بينما يقول في سورة الأنفال: [إنّما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم][52]، فقد يظنّ أنّ الوجَل خلاف الطمانينة. وجوابه: أنّ الطمأنينة إنّما تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل يكون عند خوف الزيغ والذهاب عن الهدى فتوجل القلوب لذلك. وقد جمع بينهما في قوله: [تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربّهم ثمّ تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله][53]، فإنّ هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ووثقوا به، فانتفى عنهم الشكّ.

هذا، ونلاحظ أنّ الزركشي؛ إنّما ذكر هذه الأسباب الموهمة للاختلاف عند العرب، لكن إذا تتبّعنا دعاوى المستشرقين نلاحظ أنّ عدداً من المواضع التي ادّعوا فيها الاختلاف يرجع سبب توهّم الاختلاف فيها إلى ضعف معرفتهم باللغة العربية وفنونها، منها -على سبيل المثال-: إشكالهم على قوله -تعالى- حكايةً عن بني إسرائيل في مخاطبتهم لمريم (ع): [يا أخت هارون]، حيث أشكلوا بأنّ مريم(ع) لم تكن أخت النبيّ هارون (ع) وأنّ هذا يدلّ على خطأ النبيّ محمد (ص) ويؤكّد بشرية القرآن. في حين أنّ العرب يعرفون معنى هذا التعبير، وأنّ مخاطبتها بـ "أخت هارون" يقصد منه أنّها من سلالة هارون النبي (ع)، كما تقول العرب: "يا أخا العرب"، أو "يا أخا تميم" مثلاً.

كما إنّ بعض إشكالات المستشرقين جاءت نتيجة فهمهم الخاصّ لآيات القرآن الكريم، فحمّلوا ما فهموه على القرآن وزعموا الاختلاف فيه، ولهذا الأمر شواهد كثيرة. مضافاً إلى أنّ بعض أخطائهم تعود إلى الخطأ في ترجمة القرآن في كثيرٍ من الأحيان، إمّا لضعف المترجم وقلّة خبرته باللغة العربية وآدابها، وإمّا لأنّ المترجم عبّر في ترجمته عن فهمه الخاصّ لمعاني الآيات، في حين أن ّ مضمونها يشير إلى معنًى آخر غير الذي فهمه.

وهكذا، يمكننا أن نضيف إلى الأسباب التي ذكرها الزركشي سببين أساسين، وهما:

ضعف المعرفة باللغة العربيّة وآدابها وفنون التعبير فيها.
 ضعف الترجمة التي وصلت إلى يدي المستشرق المستشكل.


خاتمة:

في ختام هذه المقالة الموجزة، نعاود التأكيد على ما اتّضح من وهن الإشكالات المذكورة، والتي لم نذكرها؛ إلا لدفع أدنى شكٍّ في قدسيّة القرآن الكريم. ومهما تطاولت أيدي من تطاول للاعتداء على القرآن الكريم، يبقى نصّ كتاب الله العزيز: [في كتابٍ مكنون. لا يمسّه إلا المطهّرون][54].

وبالتحليل العلمي نثبت ما توصّلنا إليه، وبقليل من التأمّل والتدبّر في آيات الكتاب العزيز تتأكّد هذه المسألة؛ لأنّ «الإنسان المتدبّر فيه (القرآن الكريم) يقضي بشعوره الحي، وقضائه الجِبلّي أنّ المتكلّم بهذا الكلام ليس ممّن يحكم فيه مرور الأيام والتحوّل والتكامل العاملان في الأكوان؛ بل هو الله الواحد القهّار»[55].


[1]  ماجستير في الفقه والأصول، جامعة المصطفى(ص) العالمية في لبنان.

[2]  سورة النساء: الآية82.

[3]  سورة الواقعة: الآية79.

[4] الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن الكريم، ط2، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ج5، ص20.

[5]  معرفة، محمد هادي: التمهيد في علوم القرآن الكريم، ج7، ص271.

[6]  النساء: 82.

[7]  الطباطبائي، تفسير الميزان، م.س، ص21.

[8]  القمي، محمد بن علي بن بابويه (الصدوق): كتاب التوحيد، ص255، رقم5، باب الردّ على الثنوية والزنادقة.

[9]  الطبرسي، محمد بن الحسن: الاحتجاج، ج1، ص358-359.

[10]  المازندراني، محمد بن علي (ابن شهرآشوب): مناقب آل أبي طالب (ع)، ج3، ص526.

[11]  انظر: المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج89، ص141؛ ج90، ص98- 142.

[12]  إجناتس جولدتسيهر (1850 - 1921 م): مستشرق يهوديّ مجريّ، يعدّ من أبرز مؤسّسي الدراسات الإسلاميّة الحديثة في أوروبا. انظر: الزركلي، خير الدين: موسوعة الأعلام، ص167.

[13]  جولدتسيهر، إجناتس: العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: محمد يوسف موسى وآخرين، دار الرائد العربي، بيروت، لا.ت، ص7.

[14]  هامِلْتُون ألكسندر روسكن جب (ت: 1971 م): مستشرق بريطاني، ولد في مدينة الإسكندرية، من كتبه: «إلى أين يسير الإسلام»، و«اتّجاهات حديثة في الإسلام »، وغيرها. انظر: موسوعة المستشرقين، ج3، ص169.

[15]  الحاج، ساسي سالم: نقد الخطاب الاستشراقي، ج1، ص268، نقلاً عن: Gibb (H.): Mohammedanisme, p27

[16]  م.ن.

[17] وليام مونتغمري واط (1909 – 2006م): مستشرق بريطاني عمل أستاذاً للّغة العربيّة و الدراسات الإسلاميّة في جامعة إدنبرة، اسكتلندا. من أشهر كتبه: "محمد في مكة"، و"محمد في المدينة". انظر: الزركلي،  موسوعة الأعلام، م.س، ص339.

[18]  م.ن، ص269، نقلاً عن: Watt (M.): Mahomet; tr. F. Odile Mayot, Paris, 37, S.D.

[19] سورة البقرة: الآية185.

[20] سورة البقرة: الآية2.

[21] سورة المائدة: الآية46.

[22] سورة آل عمران: الآية138.

[23] سورة الأعراف: الآية54.

[24]  الآية3.

[25]  الآية 59.

[26]  سورة فصّلت: الآيات9-12.

[27]  بوكاري، موريس: القرآن والتوراة والإنجيل والعلم، ص160. والكاتب لم يذكر صاحب القول، كما لم نعثر عليه تحديداً، وإنْ كان هذا المعنى موجوداً عند أغلب المستشرقين الذين تعرّضوا للقرآن الكريم بالنقد والاستشكال.

[28]  القرطبي، محمد بن أحمد بن أبي بكر: الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج15، ص342.

[29]  سورة يونس: الآية64.

[30]  سورة النحل: الآية101.

[31]  سورة يونس: الآية64.

[32]  سورة النحل: الآية101.

[33]  سورة النحل: الآية1.

[34] الشعراوي، محمد متولّي: معجزة القرآن، ص77.

[35]  سورة الأنعام: الآية164، ومثلها في سورة فاطر: الآية18؛ سورة النجم: الآية38.

[36]  سورة النحل: الآية25.

[37]  سورة العنكبوت: الآية13.

[38]  سورة المجادِلة: الآية22.

[39]  سورة لقمان: الآية15.

[40]  انظر: الزركشي، محمد: البرهان في علوم القرآن، ط1، دار المعرفة، ص1990، ج2، ص244.

[41]  سورة آل عمران:الآية59.

[42]   سورة الحِجر: الآية26.

[43]  سورة الصافات: الآية11.

[44]   سورة الرحمن: الآية14.

[45]  سورة الصافات: الآية24.

[46]  سورة الرحمن: الآية39.

[47]  سورة الأنفال: الآية17.

[48]  سورة الأنفال: الآية17.

[49]  سورة الحج: الآية2.

[50]  سورة إبراهيم: الآية 17.

[51] ا سورة لرعد: الآية21.

[52]  سورة الأنفال: الآية2.

[53]  سورة الزمر: الآية 23.

[54] سورة الواقعة: الآية79.

[55]  انظر: الطباطبائي، تفسير الميزان، م.س، ج5، ص20.

93 مشاهدة | 12-03-2020