الإثنين 06 نيسان 2020 الموافق لـ 13 شعبان 1441هـ

» قراءات ومـــراجعــات

يرضى الله لرضاها

حيث ورد عنه (ص) أنه قال: ”فاطمة بضعةٌ مني، يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها“، وهنا يتبادر لذهن الإنسان سؤالٌ وهو يقرأ هذا الحديث: كيف يكون رضا الخالق معلّقًا على رضا المخلوق؟ الصحيح أن رضا المخلوق هو الذي يكون معلقًا على رضا الخالق، رضا المخلوق يجب أن يكون منوطًا ودائرًا مدار رضا الخالق، وليس الأمر بالعكس، بينما الحديث النبوي يصرّح بعكس ذلك، يقول: رضا الله يدور مدار رضا فاطمة، فكيف يتصوّر أن يكون رضا الله منوطًا ودائرًا مدار رضا المخلوق، ألا وهي السيدة الزهراء (ع)؟

هذا التعبير ”يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها“ للإشارة إلى أن الزهراء (ع) تملك الهداية الأمرية، وربما بعضكم أول مرة يسمع هذا المصطلح، فما معنى الهداية الأمرية؟

القرآن الكريم قسّم الوجود إلى عالمين: عالم الخلق وعالم الأمر، القرآن الكريم يقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، هناك عالم خلق وهناك عالم أمر، عالم الأمر هو الموجودات التي وُجِدَت بأمر الله عز وجل ومن دون واسطة مادية، كالأرواح، الأرواح وُجِدَت بأمره تعالى ومن دون واسطة مادية، لذلك يعبّر عن الأرواح بأنها من عالم الأمر، القرآن الكريم يتحدث عن الروح، يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ولم يقل: من خلق ربي.

بينما الجسد العنصري المادي، هذا الجسد ليس من عالم الأمر، هذا الجسد من عالم الخلق؛ لأن هذا الجسد وُجِدَ بواسطة مادية، ما وُجِد بمجرد أمر الله، مضافًا إلى أمر الله هناك واسطة مادية، كما لو تكون هذا الجسد من تراب، أو من نطفة تستقر في رحم المرأة، هذا الجسد وُجِد بواسطة مادية، هذا يسمى عالم الخلق، فعندنا عالم أمر وعندنا عالم خلق.

الهداية أيضًا على قسمين: هداية خلقية، وهداية أمرية، هناك هداية ترتبط بالخلق، وهناك هداية ترتبط بالأمر، فما هو الفرق بينهما؟ أنا تارة أصعد المنبر وأتحدث معك في سبيل أن أهديك إلى فكرة معينة أو إلى سلوك معين، هذا يسمى هداية خلقية؛ لأنني أخاطب جسدك، أخاطب سمعك، كلامي يتناغم مع سمعك، كلامي يتصل بسمعك، أنا أخاطب سمعك، أخاطب جسدك، هذه تسمى بهداية خلقية؛ لأنها خطاب مع عالم المادة، خطاب مع عالم الخلق، تسمى هداية خلقية، وهذه وظيفة الأنبياء والرسل والأئمة والأولياء والصالحين، وجميع المبلغين يقومون بالهداية الخلقية.

لكن هناك قسمًا آخر يسمّى بالهداية الأمرية، ليس خطابًا مع عالم الخلق، بل هو خطاب مع عالم الأمر، يعني خطاب مع الروح مباشرة وليس خطابًا مع الجسد، هناك خطاب يتصل بالروح بشكل مباشر، يتصل بالنفس بشكل مباشر، وليس خطابًا مع الجسد، وليس خطابًا مع الحواس، الخطاب الذي يتصل بالروح مباشرة يسمى هداية أمرية، وليس هداية خلقية، هذه الهداية الأمرية خاصة بالمعصومين، القرآن الكريم تلاحظ أنه يقول: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ يعني هداية أمرية، ما قال: يهدون لخلقنا، بل بأمرنا، أي أن هداية الأئمة هداية أمرية، وليست هداية خلقية.

مثلًا: سلمان الفارسي، أبو ذر الغفاري، كميل بن زياد، هؤلاء الذين رباهم الإمام علي، هؤلاء كيف غزاهم الإمام علي؟ كيف أثر على قلوبهم؟ ما أثّر بالهداية الخلقية، الهداية الخلقية الإمام علي يطرحها على كل البشر، لكن هؤلاء خصمهم الإمام علي بالهداية الأمرية، الإمام علي نقل إليهم شعاعه، نقل إليهم نوره، زرع في قلوبهم وغرس في قلوبهم وأرواحهم نور الإيمان، ونور الهداية. كميل بن زياد عندما يأتي يجلس أمام الإمام علي، الإمام علي وهو جالس أمامه يبث إليه نورًا من نوره، وشعاعًا من شعاعه، فيجعله إنسانًا مهتديًا هاديًا هداية أمرية، خطاب مع الروح بشكل مباشر.

ربما الإنسان يستغرب، يقول: ما هذا الكلام؟! جعلتم الأئمة آلهة! الإمام يجلس مع شخص فيزرع في قلبه الهداية من دون سمع ومن دون حواس! هل هو إله؟! لا. أضرب لك مثالًا بسيطًا جدًا: ماذا تقول في إبليس؟! إبليس ألا يؤثر في النفس بدون حواس؟! القرآن الكريم يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، هو لا يتحدث معك، إذن تأثيره على النفس مباشرة، تأثيره على الروح مباشرة، يوسوس في صدور الناس، الشيطان له إضلال، لا إضلال خلقي، بل إضلال أمري، بمعنى أن الشيطان يخاطب الروح بشكل مباشر، يخاطب النفس بشكل مباشر، ويبث وساوسه، ويبث سمومه، ويبث أحاديثه الشيطانية.

أنت تتقبل أن الشيطان يقوم بهذا، ولا تتقبل أن الإمام المعصوم يقوم بهذا! لماذا؟! ما هي الميزة للشيطان؟! كما أن الشيطان يخاطب الروح ويبث وساوسه، المعصوم يخاطب الروح فيبث إليها الهداية والنور، ويغرس فيها الصلاح، وهذا ما صنعه الإمام أمير المؤمنين مع الخُلَّص من أصحابه بالهداية الأمرية، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. إذن، الهداية الأمرية هي زرع الهدى وزرع الصلاح في النفس، وهذا ليس غريبًا على المعصوم.

الرسول الأعظم محمد (ص) يريد أن يقول لنا: إنَّ الزهراء تملك هذا المنصب، إن الزهراء تملك هذا المقام، إن الزهراء قادرة على الهداية الأمرية كما يقدر عليها سائر المعصومين، لأجل أن يبيّن لنا هذا المعنى قال: الزهراء مظهرٌ لإرادة الله، ”يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها“، مظهر لإرادته، رضاها مظهر لرضاه، إرادتها مظهر لإرادته، هي وجه الله، ربما إنسان يسمع كلمة «وجه الله» فيقول: ما معنى أن الزهراء وجه الله؟!

أنت تقرأ في دعاء الندبة، تخاطب الإمام صاحب العصر والزمان، تقول: ”أين وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء“، الإمام وجه الله، أي: يحكي قدرة الله، يحكي علم الله، يحكي حكمة الله، يحكي إبداع الله، الإمام المعصوم وجه الله، مظهر لقدرته، مظهر لحكمته، مظهر لآياته. الزهراء أيضًا وجه الله، يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها.

*السيّد منير الخباز

62 مشاهدة | 30-01-2020