الأربعاء 29 كانون الثاني 2020 الموافق لـ 25 جمادى الاولى 1441هـ

» قراءات ومـــراجعــات

هل كان رسول الله (ص) أمّيّاً ؟

بحث مدرج في العدد 33 من مجلّة الكلم الطيّب الصادرة عن ممثّلية جامعة المصطفى (ص) العالميّة في لبنان

علي صادق [1]

مقدمة:
من المواضيع المثيرة للجدل والنقاش في شخصية رسول الله(ص)، أمّيّته وتصريحُ القرآن الكريم بأنه نبيٌّ أميٌّ؛ حيث اختلفت أقوال العلماء والمفسرين في حقيقة هذه الصفة في حق الرسول (ص)، فمنهم من ذهب إلى أنه (ص) أمي لا يعرف القراءة والكتابة من ولادته حتى رحيله (ص)، ومنهم من فصل ما بين مرحلتين: قبل البعثة وبعدها، ومنهم من فسّر كلمة الأمي تفسيراً آخر، منزّهاً النبي (ص) عن نقيصة عدم معرفته القراءة والكتابة.

هذا الأمر المشكل يرتبط بكيفية فهم النص القرآني والروائي، فبُذلت جهودٌ من قبل علماء اللغة والتفسير، إضافة إلى إسهامات علماء الكلام، مرورا بآراء الباحثين التاريخيين من المسلمين والمستشرقين، ولكلٍّ منهجه ومقاربته. وتكمن أهمية هذا البحث في أنه يساعد بشكل كبير في فهم الشخصية النبوية، ويسهم في الإجابة عن بعض الإشكالات المعرفية المتعلقة بإعجاز القرآن وإثبات النبوة؛ فنجد من أثبت الأمية للنبي(ص)، واعتبر أن ذلك هو مقتضى ظاهر القرآن الكريم ورأي جمهور المسلمين، ومن نفى الأمية عنه(ص)استدل بنصوص حديثية تثبت معرفته (ص) بأمر القراءة والكتابة.

أولاً: معنى كلمة الأمي:
1. معنى كلمة "أمّي" لغةً:

الأمي هو: المَنْسُوب إلى ما عليه جَبَلَتْه أُمُّه أي لا يَكتُبُ، فهو في أَنه لا يَكتُب أُمِّيٌّ، لأَن الكِتابة هي مُكْتسَبَةٌ، فكأَنه نُسِب إلى ما يُولد عليه، أي على ما وَلَدَته أُمُّه عليه<[2]،ويقول صاحب مجمع البحرين:> والأمي في كلام العرب : الذي لا كتاب له من مشركي العرب. قيل: هو نسبة إلى الأم، لأن الكتابة مكتسبة فهو على ما ولدته أمه من الجهل بالكتابة. وقيل: نسبة إلى أمة العرب لأن أكثرهم أميون، والكتابة فيهم عزيزة أو عديمة، فهم على أصل ولادة أمهم<[3].

2. معنى كلمة >أمي< في القرآن الكريم:

بالنسبة لمفهوم >الأمي< بالمعنى الاصطلاحي للقرآن الكريم، فأهم ما أورده المفسرون المسلمون في ذلك ثلاثة تفسيرات:

أ. التفسير الأول:

    وهو الذي لم يتعلّم القراءة والكتابة، وهو الرأي الأشهر بين المفسّرين[4]، وقد ورد هذا المعنى في حديث للنبي (ص):> نحن أمّةٌ أمّيّة، لا نقرأ ولا نكتب<[5]؛وينسب المفسرون الكلمة إمّا إلى (الأم)، فالأمي هو الذي بقي من حيث الاطلاع على الكتابات والمعلومات الإنسانية، على الحال التي ولدته أمه فيها؛ أو إلى (الأمّة). فالأمي من كان على شاكلة أكثر الناس، وأكثر الناس في زمن رسول الله (ص)، لا تعرف القراءة والكتابة، وهكذا يقال (عامّي)، للذي هو على شاكلة عامّة الناس.[6]

ب. التفسير الثاني:

  (الأمي) منسوب إلى (أم القرى)، وهي مكة في قوله تعالى: {ولتنذر أم القرى ومن حولها}[7]. وهذا الاحتمال مردود بأدلة:

 1- من المعلوم أن النسبة إنما تكون لعنوان علمي، و(أم القرى) ليست علماً خاصّا بمكة، فكل نقطة تشكل محورا لنواحٍ مختلفة يقال لها (أم القرى)[8]، أي مركز القرى، ويفهم من استعمال آخر لها في القرآن الكريم أنها مجرّد عنوان وصفي، فقد جاء في سورة القصص: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً}[9].

2- إن كلمة(أمي) أطلقت في القرآن على غير المكّيين من عوام اليهود[10] كما في قوله  - تعالى -: {ومنهم أمّيّون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيَّ}[11]، ويقول العلامة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: { هو الذي بعث في الأمّيين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم..}[12]:>واحتمل أن يكون المراد بالأميين أهل مكة لكونهم يسمونها أم القرى. وفيه أنه لا يناسب كون السورة مدنيّة لإيهامه كون ضمير ﴿يزكيهم ويعلمهم﴾ راجعاً إلى المهاجرين ومن أسلم من أهل مكة بعد الفتح وأخلافهم، وهو بعيد عن مذاق القرآن<[13].

   3-مقتضى القواعد اللغوية أن يقال (قرويّ) لمن يُراد نسبته إلى (أم القرى) لا (أمي)؛ لأن قواعد النسبة في علم الصرف تقرِّر أنه عند النسبة إلى المضاف والمضاف إليه-وخصوصاً عندما يكون المضاف هو الأب أو الأم أو البنت- تلحق ياء النسبة بالمضاف إليه لا بالمضاف، فتقول في النسبة إلى (أبي طالب) بأنه طالبيّ[14].

  ج. التفسير الثالث:

 مفاد هذا التفسير أن (الأمي) مفردٌ من الأميين: وهم العرب قبل الإسلام الذين لم يكونوا متّبعين لكتاب سماويّ. وهذا التفسير موجود لدى بعض المفسّرين. فنسبه الشيخ الطبرسي إلى ابن عباس، وتبنّاه في مجمع البيان[15] في ذيل قوله –تعالى -:{وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ءأسلمتم}[16]؛ حيث جعل الأميين في قبال أهل الكتاب. وكذا الزمخشري في كشّافه[17]،والرازي في تفسيره الكبير[18]. لكن هذا المعنى لا يطلق على كل أناس لا يتبعون كتاباً سماوياً حتى ولو كانوا عارفين به. وأُطلق لفظ (الأميين) على مشركي مكة لخصوصيةِ جهلهم بالقراءة والكتابة، وهذا المعنى الأخير هو الملاحظ في اصطلاح القرآن. وإن احتمال دلالته على غير أهل الكتاب واردٌ عند المفسرين عندما تأتي بصيغة الجمع وتطلق على مشركي العرب؛ أمّا عندما تستعمل مفردةً وتطلق على النبي (ص) فلا نجد أي مفسّرٍ يحتمل أن المقصود تلك الدلالة السابقة.[19]

وبعد هذا البيان، يتضح أن المقصود من لفظ (الأمي) هو التفسير الأول؛ أي الذي لم يتعلم القراءة والكتابة، ولم يقرأ أو يكتب فعلاً؛ وأما ما قد تنطوي عليه كلمة (أمي) المنسوبة إلى رسول الله (ص) - بمقتضى التفسير الأول - من عدم القدرة على القراءة والكتابة مطلقاً، وأنه هل يصح نعت رسول الله (ص) - أكمل البشر - بهذه الصفة، أو أن هناك تفصيلاً بين ما قبل بعثته الشريفة وما بعدها؛ وهذا ما سيُبحث في الآتي من المقالة؛ حيث سيفصّل الكلام في المرحلتين.

 

ثانياً: أميّة النبي (ص) الأكرم قبل البعثة:
   نفى الله – عزّ وجلّ – عن نبيّه الأعظم (ص) ممارسة القراءة والكتابة قبل بعثته المباركة. قال – تعالى:{وَمَاكُنْتَتَتْلُومِنْقَبْلِهِمِنْكِتَابٍوَلَاتَخُطُّهُبِيَمِينِكَإِذًالَارْتَابَالْمُبْطِلُونَ}[20]. فالنبي (ص) الذي جاء بالقرآن لا يمكن أن يكون ناقلاً له من كتاب سماويٍّ سابق؛ لأنه لا يقرأ الكتب، ولا كاتباً له من إملاء شخص آخر؛ لأنه لم يكن يكتب. ولو كان الأمر على عكس ذلك لوجد الكافرون فرصة لتكذيبه والرد عليه، باعتبار أنهم يعرفون تاريخه وصفاته من خلال معرفتهم بكل أوضاعه وظروفه. فلا نجد من العلماء والمفسرين من يخالف في حقيقة أن النبي (ص) لم يقرأ أو يكتب قبل بعثته في مجتمعه، وإنما كان الخلاف في أن عدم الفعل أعم من عدم القدرة عليه، وبالتالي صحيح أن النبي (ص) لم يكن يقرأ ويكتب، لكن هذا لا يدل على جهله بهما، واستندوا في ذلك على تنزيه النبي (ص) من النواقص والعيوب؛ لأنه أكمل البشر وخاتم الأنبياء ومدينة علم الوحي، فكيف تنسب إليه صفة الجهل وعدم المعرفة بآلية من آليات التعلّم بين الناس.

وغني عن القول أنه لا يمكن العثور على أي نص أو حادثة تثبت لنا فعلية ممارسة النبي (ص) للقراءة والكتابة قبل بعثته، بعدما صرّح القرآن الكريم بشكل جليّ لا يقبل الريب أو الشك بنفي هذه الفعليّة؛ فيبقى النقاش دائراً في أنه هل تصح نسبة عدم المعرفة بالقراءة والكتابة - وإن لم تمارس بشكل فعلي – إلى النبي(ص)، وهل يتناسب ذلك مع مقامه الأسمى بين الخلق الأجمعين؟

إن القراءة والكتابة لا تقصد بذاتها، بل هي من العلوم الآلية التي يُتوصّل بها إلى غيرها، من خلال وجودها اللفظي والكتبي الذي هو حضور صورة الشيء في الذهن، لا حضور نفس الشيء. نعم إنّ عدم الوجدان للآلات الموصلة للعلم نقص لنا، أما لو استطعنا أن نصل إلى العلم بحضوره بنفسه عندنا دون تلك الآلات- كما كان الرسول الأكرم(ص)- فهو عين الكمال[21]، ولا يُعدّ نقصاً أو عيباً افتقادُ مثل هذ الوسيلة لنيل المعارف عن طريقها.

ومن المعلوم أن الذين عرفوا الكتابة والقراءة إبّان ظهور الإسلام كانوا يُعدّون بالأصابع، ويُشار إليهم بالبنان، ويسجل التاريخ أسماءهم. فقد جاء الإسلام وفي قريش سبعة عشر رجلاً وامرأة واحدة يعرفون الكتابة والقراءة، وفي المدينة اثنا عشر رجلاً.[22]

فلو كان الرسول منهم لعُرف بذلك حقاً، وهذا ما لم يحدث، ولذلك يظهر أن عدم ممارسة النبي (ص) للقراءة والكتابة قبل البعثة – إن لم نقل بعدم قدرته على ذلك – هو القدر المتيقن بين الأقوال، وهو خير دليل على نبوته (ص) وإعجاز القرآن.

ثانياً: مرحلة ما بعد بعثة النبي (ص):
اختلف العلماء في مسألة أميّة النبي (ص) بعد البعثة؛ فمنهم من ذهب إلى أنه (ص) كان يعلم ويمارس بشكل فعلي القراءة والكتابة. ومنهم من ذهب إلى أنه (ص) إن شاء علم بهما بنحو إعجازي وبما تقتضيه المصلحة الموضوعية للحادثة. ومنهم من ذهب إلى أنه (ص) بقي أميّاً – بناء على أنه أميٌّ (ص) قبل البعثة -  إلى حين رحيله عن عالم الدنيا. 

أ. القول بأميّة النبي (ص) بعد البعثة:

أبرز القائلين بهذا القول هو الشهيد الشيخ مرتضى المطهري؛ حيث اعتبر أن ملاحظة مجموع القرائن يثبت أن الرسول (ص) كان لا يعرف القراءة ولا الكتابة حتى في عصر الرسالة، ويخطّئُ الاستناد إلى حديث الكتف والدواة؛ لأنّه – بحسب رأيه - ليس بصريح في أنّ رسول الله (ص) أراد أن يكتب بيده؛ لأنه يمكن أن يكون من قبيل الإسناد المجازي بأن يقصد من كلامه الأمرَ بكتابة شيء مستشهدا الحاضرين[23]. ثم يتحدّث العلامة الشهيد عن كتّاب الوحي ويتساءل> هل من الممكن أن يكون رسول الله (ص) يعرف القراءة والكتابة ولكنه لا يكتب قرآناً أو سورة منه أو آية بخطّ يده؟<[24]. ويذكر أن النبي (ص) كانت تأتيه القبائل بمسائل، فيجيبهم شفهيّاً دون أن يكتب، ولو كان يكتب لاحتفظت بكتبه القبائل، ولافتخرت برسائله، ولسمعنا الأخبار عن كتابات النبي(ص) والاهتمام بها وحفظها.

فيخلص العلامة إلى أن مسألة كتابته منتفيةٌ قطعاً في مرحلة الرسالة، أما القراءة فلا يمكن نفيها جزماً وإن كنا لا نملك دليلا قاطعا على ذلك.[25]

وفي حادثة صلح الحديبية المشهورة، خاصّة ما جرى حين وُضع نصُّ الصلح بين المسلمين وقريش ممثّلةً بسهيل بن عمرو، وذلك بإملاء النبي(ص) وكتابة الإمام علي(ع)، فقد اعتبرها الشهيد مطهري دليلاً على استمرار أمّيّة الرسول(ص)، باعتبار أن النبي(ص) طلب من الإمام علي(ع) أن يمحو وصف >محمد رسول الله< من الكتاب فلم يرضَ الإمام (ع)[26]. بذلك فقال له الرسول(ص): ضع يدي عليها، فوضعها، فمحاها رسول الله(ص) بيده ثمّ كتب الإمام (ع)>محمد بن عبد الله<[27]. فلو كان عارفاً (ص) بالقراءة والكتابة لقرأ الكتاب بنفسه(ص) ووجد الكلمة ومحاها دون الحاجة إلى الاستعانة بالإمام (ع).

ويؤيّد هذا المعنى ما يروى أن تميم بن جراشة قدم على النبي (ص) في وفد ثقيف وسألوه أن يكتب لهم كتاباً يحل فيه لهم الربا والزنى، فكتب لهم خالد بن سعيد بن العاص كتاباً، ثم ذهبوا به إلى النبي (ص)، فقال للقارئ: اقرأه.  فلما انتهى إلى الربا قال: ضع يدي عليها في الكتاب، فوضع يده فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ثم محاها.  وألقيت علينا السكينة فما راجعناه. فلما بلغ الزنى وضع يده عليها وقال: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ الآية، ثم محاه.[28]

ورغم أهميّة ما ذكره العلامة الشهيد، إلا أنه يبقى في إطار تحليله التاريخيّ، وفهمه للشخصية النبوية، ولا يغنينا عن تتبّع حوادث وروايات ورد فيها أن النبي(ص) قد قرأ أو كتب.

ب. القول بانتفاء أميّة النبي (ص) بعد بعثته:

اعتبر القائلون بمعرفة النبي (ص) بالقراءة والكتابة أن ما جرى في صلح الحديبيّة دليلٌ على أنه (ص) قد قرأ وكتب بشكل فعليّ؛ حيث ورد > فأخذ رسول الله (ص) الكتاب فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله لا يدخل مكة سلاح الا في القراب وان لا يخرج من أهلها بأحد ...<[29] وفي رواية أخرى: >فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن ان يكتب فكتب مكان رسول الله هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ...<[30]، فهذه الروايتان تؤكدان أن الرسول (ص) محا الكلمة وكتبها بنفسه. ويمكن فهم هذه النصّين من خلال نظريتين:

-النظريةالأولى: يفهم من عبارة:>.....فأخذه رسول الله (ص) وليس يحسن أن يكتب فكتب<؛ أن كتابة الرسول(ص) آنذاك كانت بشكل استثنائي وإعجازي، وهو برأي العلامة الشهيد:> ما يمكن أن يؤكد نظر القائلين بأن النبي(ص) كان يمكنه أن يكتب لو أراد ذلك بتعليم الله، ولكنه لم يكتب، تماما كموقفه من الشعر، فلم يكن(ص) ينظم شعراً، أو يقرأ حتى شعر غيره، وحينما يريد ذكر شعر غيره يحل البيت فيقدم الكلمات ويؤخرها أو يضيف إليها ويحذف، لأن الله جعل مقامه فوق مقام الشّعر، فيقول تعالى:﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين﴾[31]<[32]

-النظرية الثانية: تقول بأنه لم يكن أمّيّا، بل كان عارفا بالقراءة والكتابة بعد بعثته، وليست حادثة الحديبية هي الوحيدة التي تثبت ذلك، بل هي تضاف إلى مجموعة أخرى من الأدلة التي تثبت ممارسته (ص) للقراءة والكتابة بعد بعثته(ص)، نذكر منها:

1-> ما رواه الشيخ الصدوق بسنده عن جعفر بن محمد الصوفي، عن أبي جعفر الجواد(ع): فقلت: يا بن رسول الله، لم سمي النبي الأمي؟ !فقال: ما يقول الناس؟ قلت: يزعمون: أنه إنما سمي الأمي؛ لأنه لم يحسن أن يكتب. فقال (ع): كذبوا عليهم لعنة الله، أنّى ذلك، والله يقول في محكم كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾[33]
فكيف كان يعلمهم ما لا يحسن؟. والله، لقد كان رسول الله (ص) يقرأ ويكتب باثنين وسبعين لساناً، أو قال: بثلاثة وسبعين لساناً، وإنما سمي الأمي، لأنه كان من أهل مكة. ومكة من أمهات القرى، وذلك قول الله عز وجل: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾[34]»[35]

2- > عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قال أبو عبد الله (ع): إن النبي (ص) كان يقرأ ويكتب، ويقرأ ما لم يكتب<.[36]

3- ونقل السيوطي:> عن ابي الشيخ، من طريق مجاهد، قال: حدثني عون بن عبدالله بن عتبة, عن أبيه قال: ما مات النبي(ص) حتى قرأ وكتب. فذكرت هذا الحديث للشعبي. فقال صدق. سمعت أصحابنا يقولون ذلك.<[37]

وفي معناها رواية مذكورة في البحار:> عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي (ص) حتى كتب<.[38]

4- > عن أبي عبدالله (ع) قال: كان علي (ع) كثيرا ما يقول: اجتمع التيمي والعدوي عند رسول الله (ص)، وهو يقرأ: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ) بتخشع وبكاء، فيقولان: ما أشد رقتك لهذه السورة.
فيقول رسول الله (ص): لما رأت عيني، ووعى قلبي، ولما يرى قلب هذا من بعدي. فيقولان: وما الذي رأيت، وما الذي يرى؟! قال: فيكتب لهما في التراب: تنزل الملائكة والروح...<.[39]  فإن ظاهر هذه الرواية أنه (ص) قد مارس الكتابة فعلاً.

6-آراء العلماء: فبالرجوع إلى ما قاله بعض علماء المسلمين، نجد من أهل السنّة من قال بمعرفة النبي للقراءة والكتابة، ومنهم أبو الوليد الباجي الذي ألف كتاب > تحقيق المذهب من أن النبي كتب<[40]، ونقل الألوسي شواهد مهمة على ذلك بعد تفسيره لآية:﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾[41]. ومن علمائنا الإماميين من أيّد ذلك؛ حيث يقول الشيخ الطوسي:> والنبي عليه وآله السلام ـ عندنا ـ كان يحسن الكتابة بعد النبوة، وإنما لم يحسنها قبل البعثة<[42]. وقال السيد جواد العاملي: «والنبي معصوم مؤيد بالوحي، وكان عالماً بالكتابة بعد البعثة، كما صرّح به الشيخ، وأبو عبدالله الحلي، واليوسفي، والمصنف في التحرير. وقد نقل أبو العباس، والشهيد في النكت، عن الشيخ، وسبطه أبي عبد الله الحلي الساكتين عليه».[43]

 الخاتمة:
 إنه ومن خلال الدراسة التاريخيّة الموضوعيّة، وبشهادة القرآن الكريم، وبحكم الروايات والقرائن التاريخية الكثيرة، نعلم أن النبي(ص)لم يعرف مدرسة ولا معلّماً، حتى شاء الله – تعالى - أن يفيض عليه من اللوح المحفوظ علم الأولين والآخرين، من قصص الأمم الغابرة، وأحكام الشرع الوافية، وأخبار المستقبل الباهرة، وهدى الأنفس الحائرة؛ حيث ورد عن الإمام الرضا(ع) أنه قال لرأس الجالوت في حواره مع أهل الأديان: > وكذلك أمر محمد(ص) وما جاء به، وأمر كل نبي بعثه الله، ومن آياته أنه كان يتيماً فقيراً راعياًأجيراً لم يتعلّم كتاباً ولم يختلف إلى معلّم ثم، جاء بالقرآن الذي فيه قصص (ع) الأنبياء وأخبارهم حرفاً حرفاً وأخبار من مضى ومن بقي إلى يوم القيامة...<[44]

         
[1]  طالب في مرحلة الإجازة في الفقه والمعارف الإسلاميّة، جامعة المصطفى(ص) العالميّة في لبنان.  

[2] ابن منظور،محمد بن مكرم: لسان العرب،لا ط،دار أدب الحوزة، قم،1405،ج12،ص34.

 [3]الطريحي،فخر الدين: مجمع البحرين،تحـ. أحمد الحسيني،ط2،مؤسسة الوفاء،بيروت،1983م،ج6،ص11.

[4] راجع: مطهري، مرتضى: النبي الأمي، تر. محمد علي التسخيري، لا ط، سازمان تبليغات إسلامي، لا م، لا ت،ص34؛  الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسيرالقرآن،ط1،الأعلمي، للمطبوعات،بيروت،1997،ج16،ص144،وج19،ص275؛ الشيرازي، ناصر مكارم: الأمثل في تفسير القرآن، ط1، دار الأميرة، بيروت، 1426هـ/2005م، ج5، ص155.

[5] المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار الجامعة لأخبار الأئمة الأطهار، تحـ. عبدالرحيمالربانيالشيرازي، ط3، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1403هـ/ 1983م، ج16،ص119.

[6] راجع:مطهري، م. س،ص34.Anchor

[7] سورة الأنعام، الآية 92.

 [8]راجع: الفراهيدي،الخليل بن أحمد:كتاب العين،تحـ. مهدي المخزومي وإبراهيم السامرّائي،ط1،انتشارت أسوه،قم،ج1،ص105.

[9] سورة القصص، الاية 59.

 [10]راجع: مطهري، م. س، ص36.

[11] سورة البقرة، الآية 78.

[12] سورة الجمعة، الآية 2.

 [13]الطباطبائي،م. س،ج19،ص275.

[14] راجع:ابن عقيل،عبد الله: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك،تحـ. محمد محي الدين بن عبد الحميد،لا ط،ناشرون الأصدقاء للطباعة والنشر،القاهرة،لا ت،ج2،ص46.

[15] راجع: الطبرسي، الفضل بن الحسن: مجمع البيان في تفسير القرآن،ط1،مؤسسة الأعلمي للمطبوعات،بيروت،1415هـ/1995م،ج2،ص261.

[16] سورة آل عمران، الآية 20.

[17] راجع:الزمخشري، محمود بن عمر: الكشافعنحقائقغوامضالتنزيلوعيونالأقاويلفيوجوهالتأويل،لا ط،مكتبةومطبعةمصطفىالبابيالحلبي، مصر،1385هـ/1966م،ج1،ص438.

 [18]راجع:الرازي،محمد بن عمر: التفسير الكبير، ط3، دار الكتب العلمية، بيروت، 2009م، ج3،ص139.

[19] راجع:مطهري،م.س.،ص37.

[20] سورة العنكبوت، الآية 48.

[21] راجع: مرتضى، جعفر: مختصر مفيد، ط1، المركز الإسلامي للدراسات، بيروت، 1423هـ/ 2002م، ج1، ص13.

[22] راجع:البلاذري، أبو الحسن: فتوح البلدان، تعـ. رضوان محمد رضوان،لا ط،المكتبة التجارية الكبرى،مصر،1959م،ص457.

[23] راجع:مطهري،م. س،ص15و16.

[24] م. ن،ص17.

[25] راجع:مطهري،م.س،ص21.

 

[27] راجع:الأربلي،عليبنأبيالفتح: كشف الغمة في معرفة الأئمة،ط2،دار الأضواء،بيروت،1985م،ج1،ص209.

[28] الجزري،عز الدين بن الأثير:  أسد الغابة في معرفة الصحابة: تحقيق محمد ابراهيم البنا ومحمد أحمد عاشور ومحمد عبد الوهاب فايد، لاط، دار الشعب،القاهرة، 1390هـ/1970م، ج1، ص216.

[29]  البخاري،محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري، لا ط، دار الفكر، لا م، 1401هـ/ 1981م، ج3، ص168؛ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب،تاريخ اليعقوبي، لا ط، دار صادر، بيروت، لا ت ، ج2، ص54.                                                                                                                                                                                                                                                                                                             

[30]  ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لا ط، دار صادر، بيروت، لا ت، ج4، ص 298.

[31] سورة يس،آية69.

 [32]مطهري،م.س،ص25.

[33] القرآن الكريم،سورة الجمعة،آية3.

[34] سورة الأنعام،آية92.

[35] ابن بابويه، محمد بن علي: علل الشرائع،تحـ.السيد محمد صادق بحر العلوم،لا ط، منشورات المكتبة الحيدرية،النجف،1966م، ج1،ص124.

 [36]الصفار،محمدبنالحسن،بصائر الدرجات،تحـ. حسن كوجه باغي،لا ط،منشورات الأعلمي، طهران،1362هـ. ش، ص247.

[37] السيوطي،جلال الدين،الدر المنثور في التفسير المأثور،لا ط،دار المعرفة،بيروت،ج3،ص131.

 [38]المجلسي، م. س،ج16،ص135.

 [39]الكليني،محمد بن يعقوب: الأصول من الكافي، تحـ. علي أكبر الغفاري،ط5،دار الكتب الإسلامية،طهران،سنة1363هـ. ش،ج1،ص249.

 [40]الباجي، أبو الوليد سليمان،تحقيق ابي عبد الرحمان ابن عقيل الظاهري،لا طبعة،عالم الكتب،الرياض،1403هجرية.

[41] راجع:الآلوسي،محمود،روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني،تحـ. علي عبد الباري عطية،ط1،دار الكتبالعلمية،بيروت،1994م،ج21،ص5 وما بعدها.

 [42]الطوسي،محمد محمد بن الحسن: التبيان في تفسير القرآن،تحـ. أحمد حبيب قصير العاملي،ط1، منشورات ذوي القربى،قم،لات،ج8،ص216.

 [43]الحسيني،السيد محمد جواد،مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة،لا ط،مؤسسة أهل البيت(ع)،لا م،لا ت،ج10،ص10.

 [44]ابن بابويه، محمد بن علي: عيون أخبار الرضا(ع)،لا ط،تحـ. حسين الأعلمي،مؤسسة الأعلمي للمطبوعات،بيروت، 1404هـ/ 1984م،ج1،ص150.

130 مشاهدة | 08-01-2020