الثلاثاء 04 آب 2020 الموافق لـ 11 ذو الحجة 1441هـ

» قراءات ومـــراجعــات

صورة الرسول الأكرم (ص) في التراث الإسلامي

بحث مدرج في العدد 33 من مجلّة الكلم الطيّب الصادرة عن ممثّلية جامعة المصطفى (ص) العالميّة في لبنان

باسل الشيخ [1]

مقدّمة:

اختلف النّاس في قراءة شخصيّة الرسول الأعظم محمّد بن عبد الله (ص)، فبعضٌ رأى فيه داعياً عسكريّاً أسّس دولته بالسيف والقوّة منصوراً بالرعب من السماء، وبعضٌ رأى فيه طبيباً دوّاراً بطبّه داعياً إلى الله بالكلمة الطيبة والقول الحسن، لا يستخدم مياسمه إلا عند الضرورة.

وعلى مرّ التاريخ كُتبت فيه (ص) الكتب والمقالات، وما زالت إلى اليوم تُكتب وتُنشر الرسوم المسيئة إليه في المجلّات الغربية، فتعلو أصوات الاستنكار في شتّى أنحاء العالم الإسلامي لتنتصر للرسول الأمين (ص). ومن اللافت أنّ الاستنكار يطال أيّ اتّهامٍ للمسلمين بنشرهِمِ الدّينَ بالسيف، على الرغم من تبنّي كبار علماء المسلمين لمسألة الجهاد في سبيل نشر الإسلام!


ومن هنا تلوح علامات التناقض في الطرح الإسلامي؛ فالمسلمون يرفضون الاتهامات بأنّ نبيّهم نشر دينهم بالسيف، وفي الوقت نفسه يُفتون بالجهاد في سبيل نشر الإسلام. ولمّا كان الفقه الإسلامي مرآةً لأقوال رسول الإسلام (ص) وأفعاله، كانت الصلة وثيقةً بين الفقه وصورة الرسول (ص)؛ فصحّ أن نعتمد على الفقه ونحن نعالج صورة النبي (ص).

وقد عمدتُ إلى عرض نماذج من التراث، يعكس جزءٌ منها صورةً قاسيةً بعيدةً عن التسامح، ويعكس الجزء الآخر صورةً مغايرةً تماماً. ثمّ بحثت سبل الجمع بين السلوكين في صورة واحدة، وحاولت استكشاف الصورة الأقرب إلى واقع رسول الله (ص).

                                                                                                    

أولاً: رسول الله (ص) في التراث الإسلامي:

لو تتبّعنا التراث الإسلامي لَبَدا لنا وجود صورتين متناقضتين عن الرسول الأكرم(ص)، فبعض الآيات والروايات تُظهر لنا رسولاً بُعث بالسيف بين يدي الساعة ليُظهر الله دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون، فلا يترك مجالاً للكافر غير الإسلام أو القتل، ما خلا أهل الكتاب فلهم أن يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. وبعض الآيات والروايات تُظهر لنا رسولاً رحيماً يدعو الناس إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويتعامل مع الناس على أساس البرّ والرحمة والقسط والاحترام، وحرية الكفر أو الإسلام.

الصورة  الأولى:
نستعرض ملامح هذه الصورة في التراث الإسلامي:

أ.استباحة دماء الناس وأموالهم إلى أن يسلموا:

_ في كتب الحديث عند السنّة:

ينقل البخاري في كتابه- الذي يُعتبر أهمّ الكتب الحديثية عند السنّة وأصحّها - حديثاًعن رسول الله (ص) جاء فيه أنّه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله"[2]. وقد نقل هذا الحديث غير واحد من الكتب الحديثية عند السنّة كما في مسند أحمد[3]، وسنن ابن ماجة[4]، وغيرها من الكتب الحديثية.
وفي حديث آخر:

" أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلّوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله "[5].

وفي باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة يناقش الإمام النووي مسألة قتل تارك الصلاة فيقول: "واحتجوا على قتله بقوله تعالى .... وقوله (ص): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وتأولوا قوله (ص): بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة، على معنى أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهي القتل"[6]

فذكر حديث قتال الناس حتى يشهدوا بالشهادتين ويؤدوا الفرائض ذكر المسلّمات، وذكر عقوبة الكافر التي هي القتل ذكر المسلّمات. ليرسّخ الصورة الدمويَّة لرسول الإسلام.

_ في فقه السنّة:

يستعرض كتاب فقه السنة أحكام القصاص في الإسلام، فيذكر شروط القصاص ليبيّن لنا متى يجب قتل القاتل: "ولايجب القصاص إلا إذا توفرت الشروط الآتية :

- أن يكون المقتول معصوم الدم. فلو كان حربيّاً، أو زانياً محصناً، أو مرتداً، فإنّه لا ضمان على القاتل، لا بقصاص ولا بدية، لأنّ هؤلاء جميعاً مهدورو الدم. روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله (ص) قال: " لا يحل دم امرئ مسلميشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثة: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة "[7].
ويكمل بعد ذلك ليؤكّد وجود الإجماع على إباحة دم الكافر الحربي فيقول:

"وهذا مجمع عليه بالنسبة للكافر الحربي: فإن المسلم إذا قتله، فإنه لا يُقتل به إجماعاً. وأما بالنسبة للذمي والمعاهد، فقداختلفت فيهماأنظار الفقهاء"[8]. فالإجماع قائم عند السنّة على إباحة دم الكافر الحربي[9]، وعدم جواز عقاب المسلم حين يقتله. أمّا الذمّي والمعاهد ففيه خلاف بين الفقهاء؛ أي إنّ بعض الفقهاء وإن كان يحرّم سفك دم المعاهد والذمّي إلّا أنّه لا يرى وجوب قتل من سفك دمهما.

وفي بيان من هم أهل الحرب الذين يجب قتلهم، نقرأ في كتاب "معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية"، "المراد بأهل الحرب : الكفار من أهل الكتاب والمشركين الذين امتنعوا عن قبول دعوة الإسلام ولم يعقد لهم عقد ذمة ولا أمان، ويقطنون في دار الحرب التي لا تطبق فيها أحكام الإسلام. فهم أعداء المسلمين الذين يعلن عليهم الجهاد مرة أو مرتين كل عام"[10].
فأعداء الإسلام الذين يجب جهادهم هم كلّ من انتحل غير الإسلام، ولم يعقد لهم أمان أو ذمة إن كانوا من أهلها(أي من أهل الكتاب).

_ في كتب الحديث عند الشيعة:

ينقل لنا الشيخ الصدوق في (عيون أخبار الرضا ع)، "عن علي عليه السلام، قال: قال النبي (ص): أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها فقد حرم علي دماؤهم وأموالهم"[11]. فالأصل حلية الدم والمال، لكنّ مقولة التوحيد هي التي تحرمهما.
      و في خطبة الرسول الأكرم (ص) يوم غدير خم: "ألا أيها الناس إن المسلم أخو المسلم حقاً لا يحل لامرءٍ مسلمٍ دمُ امرءٍ مسلم ومالُه إلا ما أعطاه بطيبة نفس منه وإنّي أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. ألا هل بلغت أيها الناس، قالوا نعم، قال اللهم اشهد "[12].

فرسول الله (ص) وفقاً لما يصوّره لنا النص السابق يضع قانون الحرمة في أواخر حياته كوصية خالدة يجب على المسلمين اتباعها، فيبين أنّ الحرمة مختصّة بالمسلم، وأنّ من الواجب على المسلمين قتال الناس إلى أن يدخلوا في الإسلام .

وينقل العلامة الحلي أيضاً قول رسول الله (ص): " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وذراريهم "[13]. ليضيف الذراري إلى المباحات، أي: إنّ الذي لا يشهد بوحدانية الله فهو عرضة للقتل والسلب والسبي.

في فقه الشيعة:
تبيّن الكتب الفقهية الشيعية أحكام الجهاد ومن يجب جهاده، جاء في تحرير الأحكام للعلامة الحلي، "من يجب قتاله أصناف ثلاثة : البغاة، وأهل الذّمة إذا أخلّوا بالشرائط، وغيرهم من أصناف الكفّار، وكلّ من يجب جهاده يجب على المسلمين النفور إليهم، إمّا لكفّهم، أو لنقلهم إلى الإسلام، فإن بدأوا بالقتال، وجب جهادهم، وإلاّ فحسب المكنة، وأقلّه في كلّ عام مرةً ، ولو اقتضت المصلحة التأخير عن ذلك جاز بهدنة وغيرها، ويجوز فعله في السنة مرّتين وأكثر، ويجب مع المصلحة"[14]. ويبيّن أصناف الكفّار: "الكفّار ثلاثة أصناف: من له كتاب ، وهم اليهود والنصارى، لهم التوراة والإنجيل . فهؤلاء يطلب منهم أحد الأمرين : إمّا الإسلام أو الجزية، ومن لهم شبهة كتاب، وهم المجوس، وحكمهم ، حكم أهل الكتاب. ومن لا كتاب له، ولا شبهة كتاب، كعُبّاد الأوثان، ومن لا دين له يتديّن به، وبالجملة كلّ من عدا الأصناف الثلاثة، فإنّه لا يقبل منهم إلاّ الإسلام، فإن أجابوا، وإلاّ قتلوا، ولا يقبل منهم الجزية، وإن كانوا عجماً، أو كانوا من كفّار قريش"[15].

      وفي كتب الشيخ الطوسي: "الكفار على ثلاثة أضرب : أهل كتاب، وهم اليهود والنصارى فهؤلاء يجوز إقرارهم على دينهم ببذل الجزية: ومن له شبهة كتاب فهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب يقرون على دينهم ببذل الجزية، ومن لا كتاب له ولا شبهة كتاب وهم من عداء هؤلاء الثلاثة أصناف من عباد الأصنام والأوثان والكواكب وغيرهم فلا يقرون على دينهم ببذل الجزية. ومتى امتنع أهل الكتاب من بذل الجزية قوتلوا وسُبيت ذراريهم ونساؤهم، وأموالهم تكون فيئا"[16].

فالكافر الكتابي مخيّر بين الإسلام والجزية والقتل، أمّا غير الكتابي فمخيّر بين الإسلام والقتل. ويجب على المسلمين ابتداؤهم بالقتال كلّما أمكنهم ذلك وأقلّه مرة في السنة، وسبب قتالهم ليس لكفّهم فقط بل تكفي نية نقلهم إلى الإسلام كداعٍ لشنّ الحرب عليهم وقتالهم واستباحتهم.

ب .الأمر بإخراج اليهود والنصارى من الجزيرة العربية:

- في كتب الحديث عند السنّة:

تظهر لنا النصوص الإسلامية أنّ الميزات التي أعطيت لأهل الكتاب في البداية قد تمَّ إلغاؤها بأمر من رسول الله (ص) في أواخر حياته، حيث جاء في صحيح مسلم: "لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً"[17].

ليطبّق الحديث فيما بعد الخليفة الثاني لرسول الله (ص) فيخرج أهل الكتاب من الجزيرة.
- في كتب الفقه عند الشيعة:

تحت عنوان (عدم جواز استيطان الحجاز لأهل الذمة) يقول الشيخ الجواهري: "(ولا يجوز لهم استيطان الحجاز على قول مشهور) بل في المنتهى ومحكي المبسوط والتذكرة الإجماع عليه "[18].

فأهل الذمّة الذين خضعوا لشرائط المسلمين وصاروا في ذمّة الإسلام لا يحق لهم الاستيطان في جزيرة العرب على قول مشهور بل ربَّما مجمع عليه عند فقهاء الشيعة.


ج.إقرار قتل عجوز بطريقة وحشية:

- في تواريخ المسلمين:

ينقل تاريخ الطبري أنّ امرأةً تُدعى "أم قرفة" جهّزت أربعين رجلاً لقتل رسول الله (ص)، فأرسل لهم زيد بن حارثة في سرية فقتل من قتل وأسر "أم قرفة" وابنتها، وقتل "أم قرفة" قتلةً شنيعة، ثمّ عاد إلى رسول الله (ص) ولم يسجّل أي اعتراض أو معاتبة منه وكأنّه بذلك يقرّ هذا العمل من زيد: "بعثه[19] رسول الله (ص) في جيش إلى بنى فزارة فلقيهم بوادي القرى فأصاب فيهم وقتل قيس بن المسحر اليعمري مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر وأسر أم قرفة وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر عجوزا كبيرة وبنتاً لها وعبد الله بن مسعدة، فأمر زيد بن حارثة أن يقتل أم قرفة فقتلها قتلاً عنيفاً ربط برجليها حبلين ثم ربطهما إلى بعيرين حتى شقاها ثم قدموا على رسول الله (ص) وسلم بابنة أم قرفة وبعبد الله بن مسعدة "[20].

ونقل هذه الحادثة العديد من المصادر كما في الطبقات الكبرى[21] وتاريخ اليعقوبي:

" فسأل رسول الله أن يبعث به إليهم، فبعثه في خيل عظيمة فالتقوا بوادي القرى فاقتتلوا قتالاً شديداً فهزمت بنو فزارة وقتلوا وسُبيت يومئذ أم قرفة فقتلها قتلاً عنيفاً، شقها بين بكرين "[22].

- في فقه السنّة:

يفتي ابن تيمية بجواز التمثيل بالعدو إن كان ذلك زاجراً لهم أو داعياً إلى الإيمان:" فأما إن كان في التمثيل السائغ لهم دعاء إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد المشروع"[23]، فإن كان التمثيل بالعدو يدفع به إلى الإسلام خوفاً ورعباً ورهبةً، أو يزجره عن العدوان والتخطيط للقضاء على المسلمين ورموزهم فهو من الجهاد المشروع.


يروي صحيح البخاري حكم سعد بن معاذ ومباركة رسول الله له بقتل الرجال وسبي النساء بعد أن نزلوا على حكمه: "عن أبي سعيد الخدري أنّ أناساً نزلوا على حكم سعد بن معاذ فأرسل إليه فجاء على حمار فلمّا بلغ قريباً من المسجد قال النبي صلى الله عليه وسلم قوموا إلى خيركم أو سيدكم فقال يا سعد إنّ هؤلاء نزلوا على حكمك قال فإنّي أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم قال حكمت بحكم الله أو بحكم الملك"[24]. وجاء في سنن الترمذي أنّهم كانوا أربعمائة[25].


لسنا بصدد استقصاء الروايات والأحاديث والأحكام الفقهية التي ترسم صورة دموية وإقصائية لرسول الله (ص)، ولكنّنا أردنا استعراض الخيوط الأساسية التي تشكّل الإطار العام للصورة القاتمة التي أبرزتها الكتب الإسلامية، فرأينا كيفَ أنّ رسول الإسلام –بحسب هذه الصورة- يحكم بإباحة دم ومال الكافر الحربي الذي هو غير المسلم، باستثناء من عاهد المسلمين أو دخل في ذمّتهم من أهل الكتاب، ثمّ إنّ هذه الميّزة قد تمّ التضييق فيها إذ أمر النبيّ بإخراج أهل الكتاب من جزيرة العرب (بلاد المسلمين آنذاك). وبدا واضحاً كيف أنّ مهمّة الرسول جهاد الكفّار وقتالهم ابتداءاً بغية نقلهم إلى الإسلام، وإكراههم على الإيمان به. ثمّ إنّ هذا الرسول وفق الصورة السابقة لا مانع عنده من القتل بأساليب وحشية وشنيعة، بل إنّ قتل الرجال ممّن نزلوا على حكم المسلمين واستسلموا لهم وسبي ذراريهم ونسائهم هو حكم الله، فغير المسلم لا حرمة له ولا لماله، وللمسلمين التفنّن في أساليب قتله لو أُسر في المعركة، وحتّى لو استسلم فإنّه لا ينجو من العقاب.
وهذه الصورة لم تبقَ أسيرة الكتب والأوراق، بل أثّرت في الخارج فشوّهت الإسلام ومزّقت المسلمين وأباحت دماء الأبرياء، منذ أن اجتهد أبو بكر بقتل تارك الزكاة[26]، إلى أن اجتهد يزيد بقتل الخارج عن الخليفة الرسمي، إلى اليوم حيث نجد الجماعات التكفيرية لا تنادي بأكثر من الأفعال السابقة، وربّما يؤخذ عليها الاجتهاد الخاطئ في تحديد الكافر والمسلم كما أخطأ المسلمون الأوائل في هذا، إلّا أنّ أفعالهم بحدّ ذاتها لا يمكن استنكارها في ظلّ الصورة السابقة، وحتّى حرق الأسير والتمثيل به فهو منسجمٌ مع ما سبق ومع فتاوى ابن تيمية الملقّب عند المسلمين العامة بـ "شيخ الإسلام".
2. الصورة النبوية الثانية:

ومن ناحيةٍ أخرى نقرأ في التراث الإسلامي صورةً مختلفةً تماماً، فالرسول الأكرم محمّد (ص) هو رسول الرحمة إلى الإنسانية، بل إلى العوالم كلّها، ليّنٌ خلوقٌ رؤوف رحيم.


أ. شخصية الرسول الأكرم (ص) في القرآن الكريم:

يصوّر القرآن الكريم رسولاً يفيض بالرحمة والرأفة، يشقّ عليه ما يتعرّض له قومه من المكروه والعنت: { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }[27]، رسولاً ليّناً سهل الأخلاق، يشاور قومه ويعفو عنهم عندما يخطئون:{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ }[28].

 والرحمة هذه ليست محصورة بقومه ممّن آمن به دون باقي أفراد البشرية، فرسول الله (ص) قبل كلّ شيء يتمتّع بخلقٍ عظيم: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }[29]، فكلّ ما صدق عليه أنّه خلقٌ حسن لا بدّ أنّنا نجده في شخصية رسول الإنسانية الذي بُعث رحمةً للعالمين[30] بأعظم ما يكون وأكمل ما يكون. فهذا النبي كان يتألّم ويتحسّر حين يرى أُناساً ضيّعوا أنفسهم ولم يؤمنوا بدين الله: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}[31]، بل إنّه يكاد يُهلك نفسه أسفاً  عليهم: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ }[32].

وهذه النفس الشفّافة الرقيقة وإن كانت تتألّم لحال الكفّار وما فعلوه بأنفسهم من ظلم وجحود، إلّا أنّها لا تبحث عن إجبار الناس على الإيمان، وهل يمكن لأحد أن يجبر الناس على الإيمان: { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}[33]، فالنبي (ص) ينقل حقيقة واضحة هي عدم استطاعته إكراه الناس على الإيمان،
لتنسجم هذه الآية مع غيرها كقوله تعالى:

{ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ }[34]، و تبيانه- جلّ وعلا -: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}[35]، ثُمّ إنّ منطق القرآن الكريم الذي بلّغه النبي (ص) هو: { وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }[36]، و {و وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }[37]، و{ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }[38].

 ومن أوضح الواضحات في هذا الأمر قوله تعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }[39]. فالرسول الأكرم (ص) ينقل لنا قوله تعالى الذي يحضّ على برّ الكفّار ممّن لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم وعلى الإقساط إليهم، ثمّ يطلق صفةً عامّة لله - سبحانه وتعالى -: إنّ الله يحبّ المقسطين، أي إنّ الإقساط والبرّ إلى الكفّار ممّن لا يقاتل المسلمين هو صفة محبوبة عند الله سبحانه وتعالى.

إذا،ً يصوّر القرآن الكريم رسولاً رحيماً رؤوفاً خلوقاً، يتمنّى أن يهدي الناس جميعاً إلى الحق لينالوا السعادة في الدنيا والآخرة، إلا أنّه يقرّ بعدم استطاعته إكراه الناس على ذلك، إذ لا إكراه في الدين، فيكتفي بتبليغ الرسالة وقول الحق، وتبقى لكل إنسان حرية اختيار الإيمان أو اختيار الكفر، ودعوته إلى الله إنّما هي بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالقسوة والعنف، وإنّ البرّ والقسط لمن لا يكنّ عداءً للمسلمين هو أمر محبوب عند الله بحسب ما نقله هذا الرسول الكريم.


ب. شخصية الرسول الأكرم (ص) في سائر التراث الإسلامي:

- نظرة النبي (ص) إلى الخَلق:

 تُظهر الروايات التي جاءت في الكتب الصحيحة والمعتبرة أنّ معيار رسول الله (ص) في التعامل مع الآخرين هو كونهم خلق الله، وهذا كما يعمّ الناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم فإنّه يتجاوز ذلك إلى كل المخلوقات بشراً أو حيواناً أو نباتاً أو حتى جماداً.

ينقل صحيح البخاري وغيره الرواية التالية: " إنّ النبي (ص) مرّت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال أليست نفساً "[40].

فنلاحظ أنّ النبي (ص) قام لجنازة كافر ولم يلتفت إلى ذلك؛ لأنّه لا يدخل في معاييره الشريفة، وهذا ما نلحظه بوضوح عند إخبار صحابته له بأنّه يهودي، فلم يقل إنّه من أهل الكتاب، بل قال: أليست نفساً؟!. فحتى لو كان كافراً من غير أهل الكتاب لا يغيّر في الأمر شيئاً؛ لأنّ المعيار عند أشرف الخلق هو النفس الإنسانية التي خلقها الله سبحانه وتعالى.

- الخلق كلّهم عيال الله:

تروي السنّة والشيعة حديثاً عن رسول الله (ص) يبيّن فيه أنّ كلّ الخلق عيال الله، وأنّ المحبة الإلهية متعلّقة بمن ينفع عياله ويدخل السرور عليهم، فقد جاء في المصادر الشيعية قوله (ص): "الخلق عيال الله فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيت سرورا "[41].
وجاء في المصادر السنّية قوله (ص): الخلق كلهم عيال الله وتحت كنفه فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله وأبغض الخلق إلى الله من ضيق على عياله"[42]، و" الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله "[43].

فنرى في قوله (ص) إطلاق لفظ الخلق ليعمّ كلّ النّاس ولا عجب في ذلك. أوليس هو من بُعث رحمةً للعالمين، ومن بعث للناس أجمعين، بل قد يظهر دخول المخلوقات كلها في هذا القول، وحتى لو قلنا إنّها لا تدخل ضمن هذا القول فقد دلّت الروايات الأخرى الواردة عن أشرف الخلق على عموم الإحسان إلى سائر المخلوقات، فقد جاء في كتب الحديث أنّ رسول الله(ص) قال:

بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئراً فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملا خفه ماء ثم أمسكه بفيه ثم رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً؟، قال: في كل كبد رطبة أجر"[44].

وممّا يُستدلّ به على نظرة رسول الله (ص) إلى الخلق، أقوال الإمام علي (ع) بصفته خليفةً شرعيّاً لرسول الله (ص)، وصاحباً مبشّراً بالجنّة وفقاً لما يراه أهل السنّة والجماعة، وبصفته الإمام المعصوم والحجة على الناس بعد رسول الله (ص) وفقاً لما يراه الشيعة. فالإمام علي (ع) في خطبته الأولى بعد تسلّمه الخلافة يقول:

" اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم "[45]، ليؤكّد أنّ الإنسان محاسب على تصرّفاته تجاه كلّ شيء على الإطلاق.
ومن ذلك قوله في رسالته لواليه على مصر الأشتر النخعي يوصيه بالناس فقال: " إنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق "[46]، ليساوي بين البشر كلّهم مسلمهم وكافرهم.
- عفو النبي عمّن أراد قتله:

روى الكافي: " نزل رسول الله ( ص) في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه فرآه رجل من المشركين والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمداً فجاء وشد على رسول الله (ص) بالسيف، ثم قال: من ينجيك مني يا محمد؟ فقال : ربي وربك فنسفه جبرئيل (ع) عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول الله (ص) وأخذ السيف وجلس على صدره وقال: "من ينجيك مني يا غورث"، فقال: "جودك وكرمك يا محمد"، فتركه فقام وهو يقول: "والله لأنت خير مني وأكرم"[47].

- عفو النبي (ص) عمّن قاتله وحاربه بعد فتح مكة:

رغم كلّ العداء الذي أظهرته قريش لرسول الله (ص) وللدين الخاتم، نجد رسول الله (ص) يعفو ويصفح عنهم عندما يتمكّن منهم وتخضع مكة لحكمه، إذ تروي التواريخ أنّ رسول الله(ص) جمعهم ثمّ قال لهم: "ما ترون أنّي صانع بكم، قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء"[48]، وجاء في الخراجيات للمحقق الكركي:" وإن أهل مكة دخلها رسول الله (ص) عنوة وكان أسراء في يده فأعتقهم، وقال : اذهبوا أنتم الطلقاء"[49].

- نهي النبي (ص) عن التمثيل ولو بالحيوانات:

يقول الإمام علي (ع): "إني سمعت رسول الله (ص) يقول : إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور"[50]. وفي السنن: "مرّ رسول الله (ص) على أناس وهم يرمون كبشاً بالنبل فكره ذلك وقال لا تمثلوا بالبهائم"[51]، وينقل بعد ذلك قول النبي (ص): " لعن الله من مثّل بالحيوان"[52]، وجاء في مسند أحمد أنّ " رسول الله (ص) يقول قال الله - عز وجل - لا تمثّلوا بعبادي"[53]، وفي كنز العمال: "لا تمثلوا بعباد الله"[54]، و"لا تمثّلوا بشيء من خلق الله - عز وجل - فيه روح "[55].

ج. وفي الفقه الشيعي:

يبيّن فقهاء الشيعة المتقدّمون الحكم الشرعي: " لا يجوز التمثيل بالكفار ولا الغدر بهم ولا الغلول فيهم "[56]، وفي الرسالة العمليَّة للسيد الخوئي:" لا يجوز التمثيل بالمقتولين من الكفار، لورود النهي عنه في صحيحة جميل ومعتبرة مسعدة المتقدمتين آنفا، وكذا لا يجوز إلقاء السم في بلاد المشركين لنهي النبي (ص) في معتبرة السكوني عن أبي عبد الله(ع) قال: "قال أمير المؤمنين (ع): نهى رسول الله (ص) أن يلقى السمّ في بلاد المشركين"[57].

استنتاج:
 يتبيّن لنا ممّا سبق أنّ شخصية الرسول الأكرم (ص) في القرآن الكريم شخصيّة على درجة عالية من الأخلاق العظيمة والرحمة والرأفة واللين والحكمة، وقد ظهرت هذه الصورة النيّرة لرسول الله (ص) في سائر الكتب الإسلامية وفي سيرته وأفعاله (ص)،حيث كان ينظر إلى الخلق بكلّ رحمة ورأفة، سواءأكانوا مسلمين أم كفاراً، بشراً أم غير ذلك من خلقه - سبحانه وتعالى -، فكان العفو شيمته وسمته، وبيّن للنّاس أنّ الإحسان إلى أي كبد رطب فيه أجر وثواب، وأنّ الإنسان يُسأل يوم القيامة حتى عن البقاع والبهائم.

3.هل يمكن الجمع بين الصورتين؟

لقد ادعينا وجود تناقض بين الصورتين السابقتين، أو بعبارة أصحّ: ادّعينا وجود صورتين متغايرتين لنبي الإسلام (ص)، فما الدليل على هذا الادعاء طالما أنّ المسلمين يتعاملون مع تصوّر واحد لنبيهم لا مع تصوّرين متغايرين؟ فما الذي يمنع أن يكون النبي قد قام بكلا السلوكين السابقين؟
والجواب على ذلك هو أنّ التناقض واضح بين الدعوة بالموعظة الحسنة والإقرار بأن لا إكراه في الدين وبين الدعوة بالسيف وقتال الناس بغية نقلهم إلى الإسلام، وكذلك بين إباحة دم الكافر بشكل مطلق وماله وبين احترام النفس الإنسانية والإحسان إلى عيال الله.

 فالكلام في الجمع بين السلوكين على وجهين:

أ. الوجه الأوّل: هو نسخ آية السيف لآيات الصفح والعفو وحرية الاعتقاد:

يمكن القول:إنّ آية السيف[58] التي نزلت في أواخر البعثة النبوية نسخت ما سبقها من أحكام، فيكون سلوك النبي (ص) في البداية سلوك اللين والموعظة الحسنة وعدم الإكراه وتبيان الحق، أمّا بعد نزول الآية وتشريعها قتال المشركين فلا مجال للّين وحرية الاعتقاد، بل لا بدّ للمشركين وسائر الكفار من الإسلام أو القتل، إلا أهل الكتاب فلهم خيار آخر هو دفع الجزية والالتزام بشرائط كثيرة.


ولو أردنا أن نستكشف شخصيّة رسول الله (ص) المفترضة في هذا الوجه، لوجدنا أنّه (ص) لا يثبت على مبادئ أخلاقية واضحة؛ فهو يستعمل الحكمة والموعظة الحسنة في وقت محدّد، ثمّ يتراجع عنها في وقت آخر حين تميل كفّة القوة إليه. فحين كان في مكة مستضعفاً رفع شعار (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، وكذلك عندما كانت دولته في المدينة فتيّة رفع شعار (لا إكراه في الدين). أمّا عندما استتبّت له أمور الحُكم نسخ كلّ ذلك ورفع شعار (قاتلوا المشركين كافة)، وكأنّ النبي عمل وفق قاعدة (الغاية تبرّر الوسيلة)، فوصل إلى مبتغاه عبر التبدّل من حال إلى حال ومن حكم إلى حكم، لكنّه أورث المسلمين الحكم النهائي الذي يبقى إلى يوم القيامة وهو آية السيف التي نسخت ما سبق.

ب. الوجه الثاني: هو تخصيص السلوك المتعيَّن بظروف محدّدة:

يمكن القول: إنّ الدعوة باللين والموعظة والحكمة دون إجبار وإكراه تتعيّن عند عدم القدرة على الجهاد وقتال الكفّار بسبب كثرتهم وضعف المسلمين، أمّا لو كانت الظروف متاحة للمسلمين بأن كانت لهم القوة على عدوّهم فيجب حينها الابتداء بالجهاد وقتال الكفار حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية إن كانوا من أهل الكتاب.

ولو أردنا التفحّص عن شخصية النبي (ص) هنا لم نجد فيها ما يختلف عن الوجه الأوّل سوى أنّه في الوجه الأوّل استخدم الودّ واللين مع المشركين لمرة واحدة ثمّ حرّمها إلى الأبد، أمّا هنا فقد أورث المسلمين إمكانية استخدام أسلوبه كلّما تكرّرت نفس الظروف. فعند ضعف المسلمين وكونهم في حالٍ يشبه حال النبي في بداية دعوته أمكنهم الاستفادة من آيات الحكمة والموعظة الحسنة، ومن آية {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ(...)}[59]، لكن لو تمكّن المسلمون من القتال وقويت شوكتهم فلا بدّ من العمل بموجب آية السيف والنفور إلى الجهاد في سبيل الله.


وهكذا نجد أنّ الجمع بين السلوكين يعني ترسيخ الصورة الأولى مع تبرير أفعال النبي (ص)وأقواله. فالجمع يصوّر النبي على أنّه شخصية "براغماتية" تسعى للوصول إلى غايتها بأية وسيلة دون اتباع أية معايير واضحة وثابتة على مستوى الأخلاق والقوانين والمعاملات مع الناس والأقوام الأخرى.

أمّا الصورة الثانية فتقوم على إنكار الدعوة بالسيف، وما يسمّى بالجهاد الابتدائي أي ابتداء الكفّار بالقتال بغية نقلهم إلى الإسلام، فهي تنقل الشخصية الجاذبة لرسول الله (ص)عبر الادعاء بأنّه لم يقاتل يوماً بغية إجبار الناس وإكراههم على الإيمان به، وأن ليس من أخلاقه استباحة دم الكافر وماله لمجرّد كفره وغفلته عن دين الحق، بل كلّ همّه أن يهديهم ويحييهم، وما كانت حروبه (ص) إلا دفاعية.

 

ثانياً: الصورة الواقعية لرسول الله(ص):

نبحث هنا عقلاً ونقلاً عن الصورة الأقرب إلى واقع رسول الله (ص):

1.عقلاً:

الصورة الأولى لا تؤدّي إلّا إلى النّفور من الدين والعداوة له والبغضاء لرسوله، وليس من الحكمة الإلهية أن يرسل الله رسولاً بهدف دعوة عباده إلى دين الحق ثمّ تكون شخصية هذا النبي وتشريعاته باعثةً على النّفور والعداوة للحق.

إيضاح التلازم بين الصورة الأولى والنّفور بالأدلّة الوجدانية:

لو أنّك سمعت بتجهيز الصين لجيش عظيم يغزو بلاد المسلمين بغية نقلهم إلى دينٍ ما، يدّعون أنّه دين الحق المنزل من السماء، فما هي ردة فعلك؟ وما هو تقييمك لهذا الدين؟


من الواضح أنّ الفطرة الإنسانية تنفر من أي دعوةٍ تأتي بنحو من الإلحاح والضغط فكيف لو أتتك بصورة الإكراه والجبر والتهديد؟!

وبعيداً عن الافتراضات، فلننظر إلى الواقع حيث يظهر جليّاً استنكار النّاس لأسلوب الجماعات التكفيرية التي تقاتل كلّ من لا يؤمن بمعتقداتها. فالناس لا تبحث أصلاً عن صحّة ادعاءاتهم بل تتعامل معها باعتبارها باطلةً تعامل المسلّمات، ولا شيء أدلّ على التلازم من هذا المثال، فهذه الجماعات في الواقع تطبّق الصورة النبوية الأولى- كما أشرنا سابقاً- مع إشكال في تحديد الكافر الذي وقع فيه المسلمون الأوائل من قبل، والعبرة في النفور الحاصل من قبل الآخرين سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين فهو شاهدنا في هذا المثال.

وممّا يزيد الأمور وضوحاً الاستنكار الإسلامي العارم لأيّ ادعاءات غربية أو إلحادية بأنّ الإسلام انتشر بالسيف، فسرعان ما ينبري العلماء والخطباء والشعراء للقول بأنّ الإسلام دين التسامح والعفو، ودين العقل والحكمة، وأنّ الجميع دخلوا في الإسلام بسبب قناعتهم  بهذا الدين المحكم والموافق للعقل والفطرة، فلو لم تكن الدعوة بالسيف مستنكرة عند العقلاء لما سارع المتّهمون لإثبات زيف الاتهامات.


2. نقلاً:

لا دليل في النقل فوق القرآن الكريم، فهو المصدر القطعيّ الصدور وما سواه ظنّي يُضرب به عرض الحائط لو خالفه، قال تعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }[60]، فبيّن أنّ النبي (ص) يتحلّى بعظيم الخُلُق، فلو أردنا أن نقيّم بعضَ الخيوط في الصورة الأولى مع هذه القاعدة لم تستقم، فإقرار قتل "أم قرفة" بالطريقة الوحشية المذكورة لا ينسجم مع هذه الآية بل يتعارض معها، في حين إنّ العفو عن "غورث" الذي حاول قتل النبي يتواءم معها تماماً، وكذلك عفوه (ص) عن قريش بعد فتح مكّة.

وقوله تعالى:

{و وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }[61] يتوافق مع الصورة الثانية ويتعارض مع الحديث المنسوب له: (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله و....).

وكذلك سائر الآيات المذكورة في الصورة الثانية. أمّا الادعاء بأنّ هذه الآيات وأمثالها نُسخت أو خصّصت بظروف معيّنة فساقطٌ عن الاعتبار، لأنّ الله - سبحانه وتعالى - بيّن حقائق مطلقة في كتابه العزيز لا يُمكن أن تُنسخ أو تُحدّد بظروف خاصّة، فقوله سبحانه وتعالى: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }[62] لا يُمكن أن نقبل بنسخه أو تخصيصه، لأنّ الآية الكريمة ليست في صدد إعطاء حكم شرعي تعبّدي لعلّةٍ ما مخفيّة عنّا لكي نحتمل نسخها أو تخصيصها بآية أخرى، بل هي تبيّن حقيقة إلهية واضحة هي حب الله تعالى للمقسطين، وتقرّ الآية بأنّ معاملة من لا يحارب المسلمين معاملة حسنة هو من القسط والبرّ! ومثل هذا لا يُنسخ لأنّه حقيقة ثابتة، وإنّما تُنسخ الأحكام لا الحقائق.


فلو فرضنا مثلاً أنّ الحكم في الآية - وهو استثناء النهي عن البرّ لمن لم يقاتل المسلمين-  قد نُسخ، يُصبح الأمر:

(ي يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، فلو نسخنا الحكم لا يمكننا نسخ الوصف الإلهي. والحاصل أنّ الله ينهى عن فعل يحبّه لو تفكّر أهل العقول، وعلى مثل هذا يجري قوله تعالى لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين} وقوله { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} فهذه حقائق لا تقبل النسخ لأنّها تخبر بحقيقةِ أنّ الدين لا يُعتنق بالإكراه، وبحقيقةِ عدم استطاعةِ النبيِّ إكراهَ الناس على الإيمان.

 وتجدر الإشارة إلى مبدأين قرآنيّين بلّغهما النبي للناس عامّة:

أ- إنّ الله يحبّ المحسنين:

{ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[63]، و{ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[64]، و{ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[65].


ب- إنّ الله لا يأمر بالفحشاء:

{وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[66]، {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}[67].

وفائدة هذين القانونين، بالإضافة إلى قانون (إنّ الله يحبّ المقسطين)، هي حسم قضية العفو والصفح عن الآخرين والإحسان إليهم في منهج القرآن الكريم، أي الكتاب الذي جاء به النبي (ص)، وحسم قضية أخرى هي أنّ أيّ شيءٍ منكر في حدّ ذاته فإنّه من المحال أن يكون مطلوباً لله تعالى فيأمر به؛ فالله لا يأمر بالفحشاء والله لا يحبّ الظالمين، أي إنّ كلَّ ما هو ظلم وكلَّ ما هو فحشاء (أي كل ما هو قبيح) مرفوضٌ من قبل الله وكتابه ورسوله.

 وهذا يعني أنّ أي تصوّر لرسول الله (ص) يحمل في طيّاته شيئاً من القبح والظلم أو شيئاً ترفضه الفطرة الإنسانية السليمة فهو حتماً مكذوب ومختلق، وأي تصوّر لرسول الله (ص) يٌظهر عدله وإحسانه وعفوه وبرّه لجميع الخلق فهو موجودٌ لا محالة في شخصيته وتصرّفاته.
وبهذا يتماهى الدليل النقلي مع الدليل العقلي، ويثبت من القرآن ضرورة رفض ما يندرج تحت عنوان القبح والفحش والظلم، كما يثبت أنّ ما يندرج تحت عنوان الإحسان والقسط والعدل محبوب من الله تعالى ورسوله، فلا يمكن عندها الزعم بإتيان الرسول ما يخالف ذلك.، ومن الطبيعي أن لا أحد يزعم إتيان الرسول بما يخالف ذلك، لكنّ فائدة الآيات هي الإرشاد إلى الحسن والقبح العقليّين، فلو لم يستقلّ العقل بالحكم على بعض الأفعال بأنّها فحشاء ما كان لقوله تعالى {إنّ الله لا يأمر بالفحشاء} معنى، ويترتّب على ذلك أنّه لو كان القسط إلى الكفار المسالمين حسناً، لا يمكن عندها أن يكون محدوداً بزمن أو ظروف خاصّة، لأنّ الحُسن حين يكون ذاتيّاً لا يمكن أن يتبدّل إلى قُبح.

ولمّا ثبت بالوجدان أنّ ابتداء قومٍ لقومٍ آخرين بالقتال بهدف نقلهم إلى دين جديد أمرٌ قبيح تنفر منه القلوب، ثبت أنّ الله لا يأمر به. فلو قيل: فماذا عن آية السيف، نقول: إنّ التخصيص بها أليق، لكن لا تخصيص الزمان والظروف، بل تخصيص المشركين والكفّار بالمحاربين منهم، والمحارب ها هنا هو مَن حمل العداوة للمسلمين في صدره ورفع السيف بيده بغية قتالهم ومحاربتهم، لا من انتحل غير الإسلام ديناً.

خاتمة:

إنّ صورة رسول الله (ص) في تراثنا متناقضة، ولا بدّ لنا قبل أن ندرس الصورة الغربية لرسول الله ونحاولَ تصحيحها، أن ندرس الصورة الإسلامية ونحاول تصحيحها؛ فَجُلُّ انتقادات الآخرين لدِينِنَا مستقاةٌ من تراثنا ومن فتاوى فقهائنا. وللرّدّ على أيّة انتقادات تأتي من خارج الجسم الإسلامي لا بدّ في البداية من معالجة الصورة في داخل التراث الإسلامي. وعلى هذا الأساس كان هذا المقال البسيط في محاولة متواضعة للإضاءة على وجود مثل هذا التناقض، بالإضافة إلى محاولة أكثر بساطة لمعالجته واستكشاف الصورة الواقعية لرسول الله (ص). فلمّا كان في التراث ما يظهر منه وجوب قتل الكافر وإكراهه على الإيمان، وكان فيه في ذات الوقت ما يوجب الإحسان إلى كلّ الخلق ودعوة الناس بالحسنى إلى الحق، رأينا أنّ الرجوع إلى العقل والقرآن هو السبيل إلى الخروج من هذا التناقض، فكان أن رجّحنا تخصيص القتل بمن يستحقّه دفاعاً عن الدين لا إكراهاً للآخرين عليه، بما يقرّه العقل ويقوّيه القرآن وتشهد له أقوال النبي العدنان (ص).


 [1] طالب في مرحلة الإجازة في الفقه والمعارف الإسلاميّة، جامعة المصطفى(ص) العالميّة في لبنان.  

[2] البخاري، محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري، لا ط، دار الفكر، بيروت،1981م، ج1، ص12.

[3]  ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لا.ط، دار صادر، بيروت، لا.ت، ج1، ص29.

[4] القزويني، محمد بن يزيد: سنن ابن ماجة، تحـ. محمد فؤاد عبد الباقي، لا ط، دار الفكر، بيروت، لا ت، ج1، ص27.

[5] السجستاني، سليمان بن الأشعث: سنن أبي داوود، تحـ. سعيد محمد اللحام، ط1، دار الفكر، بيروت، 1990م، ج1، ص594.

[6] النووي، يحيى بن شرف: شرح صحيح مسلم، لاط، دار الكتاب العربي، بيروت، 1987م، ج2،ص71.

[7] سابق، السيد: فقه السنّة، ط3، دار الكتاب العربي، بيروت، 1977م، ج2، ص524.

[8] م.ن، ص528.

[9] الكافر الحربي: هو غير الذمي، إذا لم يكن معاهداً أو أعطي الأمان له.

[10] عبد المنعم، محمود عبد الرحمن:  معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية،لاط، دارالفضيلة، القاهرة، لات، ج1، ص328.

 [11] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه: عيون أخبار الرضا (ع)، تحـ. حسين الأعلمي، لا ط، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1404هـ.ق/1984م، ج2، ص70.

[12] القميّ، علي بن إبراهيم: تفسير القميّ، تحـ. طيب الموسوي الجزائري، ط3، دار الكتاب، قم المقدّسة، 1404هـ.ق، ج1، ص172.

[13] الحلي، الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر: نهج الحق وكشف الصدق، تحـ.السيدرضاالصدر، لا ط، دار الهجرة، قم، 1421 هـ.ق، ص399.

[14]  الحلي،الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر: تحرير الأحكام، تحـ. إبراهيم البهادري، ط1، مؤسسة الإمام الصادق، قم، 1420 هـــ.ق، ج2، ص137.

[15]  م.ن، ج2، ص138.

[16] الطوسي، محمد بن الحسن: المبسوط، لا ط، المطبعة الحيدرية، طهران، 1387 ش، ج2، ص9.

[17] النيسابوري، مسلم: صحيح مسلم، لا ط،دار الفكر، بيروت، لا ت، ج5، ص 160.

[18] النجفي، محمد حسن: جواهر الكلام، تحـ. عباس القوچاني، تصـ. محمد الآخوندي، ط3، دار الكتب الإسلاميّة،طهران، 1362ش، ج21، ص289.

[19]  أي بعث زيد بن حارثة.

[20] الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الطبري، لاط،مؤسسة الأعلمي،بيروت، لات، ج2، ص287.

[21] الزهري، محمد بن سعد: الطبقات الكبرى، لا ط، دار صادر، بيروت، لا ت، ج2، ص90.

[22]اليعقوبي،أحمدبناسحاق: تاريخ اليعقوبي، لاط، دار صادر، بيروت، لات، ج2، ص71.

[23]  ابن تيمية، تقي الدين أحمد: المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تحـ. محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ط1، 1418هــ .ق، ج3، ص223.

[24]  البخاري، م.س، ج4، ص227.

[25]  الترمذي،محمد بن عيسى: سنن الترمذي، ط2، دار الفكر، بيروت، 1403م، ج3، ص72.

[26] راجع البخاري، م.س، ج2، ص110.

394 مشاهدة | 08-01-2020