الثلاثاء 04 آب 2020 الموافق لـ 11 ذو الحجة 1441هـ

» قراءات ومـــراجعــات

الولاية طريق الكمال الإنسانيّ -النبيّ إبراهيم (ع) أنموذجًا

بحث مدرج في العدد 35 من مجلّة الكلم الطيّب الصادرة عن ممثّلية جامعة المصطفى (ص) العالميّة في لبنان

فاطمة عبد الله[1]

مقدّمة:

اقتضت الحكمة الإلهيّة أنْ يُخلَق الإنسان في هذا العالم ليتحقّق بالعبودية لله عزّ وجلّ. وإذا ما نظر الإنسان في نفسه بعين الفطرة، فسيُدرك أنّ فيه حبًا للكمال، بل وسعيًا دائمًا إلى الرقيّ والتسامي، وأنّه مفطور على التحرّك دائمًا بنحو تصاعديّ من كمال إلى كمال، وأنّه لن يأتي عليه آن في هذه الدنيا يكون فيها قانعًا بالاكتفاء بما آل إليه أمره. لذا، فإنّ حركته التكامليّة ستكون نحو الله تعالى، فيكون الله تعالى هو هدفه وغايته، وسيدرك أنّ الوصول إلى الكمال الإنسانيّ إنّما يكون بالعروج في هذه الدنيا في مدارج التوحيد والتوجّه نحو الله -تعالى- والتظلّل بقربه، والانصراف عن غيره، والتحقّق بالعبوديّة له.

ويبيّن القرآن الكريم أنّ طريق الوصول إلى الكمال وتحقيق العبودية لله -سبحانه- يكون من خلال اتّباع الولي؛ الذي وصل إلى مقاماتٍ عالية من الكمال والقرب الإلهيّ، فلا بد من أن يكون هذا الولي قد اجتاز الطريق وقطعه بجميع تفاصيله، فبلغ به كماله، وخبر معالمه وخفاياه، فصار به عالمًا، حتّى استحقّ الاتباع والتولّي.

وبين الفطرة والقرآن الكريم، يقف الإنسان أمام سؤالين رئيسين؛ مفادهما: ما هي العلاقة التي تربط الولاية بالكمال الإنسانيّ؟ وكيف تكون الولاية سبيلًا إلى تحقيق هذا الكمال؟

وتأتي هذه المقالة لتجيب عن هذين السؤالين، محاولة كشف النقاب عن هذه العلاقة من خلال معالجة مفهوم الولاية، وبيان حقيقتها، وكيفية التحقّق بها؛ بوصفها مرتبة وجوديّة، ثمّ إلقاء الضوء على حياة النبيّ إبراهيم (ع)؛ بوصفه أنموذجًا ومقتدىً لمن عَبَر طريق الولاية، ووصل إلى مقام رؤية ملكوت السماوات والأرض.

         

أولًا: حقيقة الولاية ومراتبها:

ترجع كلمة الولاية لغةً إلى معنىً جامع تعود إليه الاستعمالات اللغويّة للكلمة في لسان العرب؛ وهو معنى القرب[2].

وقد اختلفت التفسيرات لمعنى الولاية بين فتح الواو وكسرها، فقيل: "من فتح جعلها من النصرة والنسب... والوِلايةُ التي بمنزلة الإِمارة مكسورة؛ ليُفصل بين المعنيين"[3].

وجمع الراغب الأصفهاني التفسيرات المختلفة للولاية وما يشتقّ منها من الولاء والتوالي بـ "أنْ يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد"[4].

وبهذا يمكن أن نفسّر تعدّد الاستعمالات اللغويّة لكلمة الولاية من الحبّ والنصرة والتدبير والسلطان وغيرها، وهذا ما يستفاد -أيضًا- من كلام العلّامة الطباطبائي في تفسيره لكلمة "الولاية"؛ حيث يقول: "بالجملة الولاية نوع اقتراب من الشيء يوجب ارتفاع الموانع والحجب بينهما من حيث ما اقترب منه لأجله، فإنْ كان من جهة التقوى والانتصار، فالولي هو الناصر الذي لا يمنعه عن نصرة من اقترب منه شيء، وإن كان من جهة الالتيام في المعاشرة والمحبّة التي هي الانجذاب الروحيّ، فالولي هو المحبوب الذي لا يملك الإنسان نفسه دون أن ينفعل عن إرادته، ويعطيه في ما يهواه، وإن كان من جهة النسب فالولي هو الذي يرثه مثلًا من غير مانع يمنعه، وإن كان من جهة الطاعة فالولي هو الذي يحكم في أمره بما يشاء"[5].

إذًا، فهذه الاستعمالات كلّها تعود إلى معنى واحد هو الأصل في معناها وجذرها، وهو "ارتفاع الواسطة الحائلة بين الشيئين؛ بحيث لا يكون بينهما ما ليس منهما"[6]، وهذا المعنى الأصلي محفوظ في جميع هذه المواضع والمصاديق التي تختلف في ما بينها، محفوظٌ بانضمام خصوصيّة أخذت بنظر الاعتبار في الاستعمال.

ثانيًا: مراتب الولاية:

 الولاية وإنْ كانت تقوم على ركيزتين اثنين؛ هما: الله، والعبد، "فإنّ الله يسمّى وليًّا من حيث الربوبية والفاعليّة، والعبد يُسمّى وليًا من حيث العبوديّة والتسليم والقابليّة"[7]، لكنّ مبدأها هو العبد؛ فالقرب يجب أن يشرع من جهة العبد، ذلك أن الله تعالى قريب من جميع أفراد الإنسان على حدٍّ سواء؛ المؤمن أو الكافر: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}[8]، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}[9]. ولذا؛ فإذا أراد الإنسان لهذه الإضافة أن تتحقّق، ليكون سالكًا في طريق الولاية، ومظهرًا لاسم الوليّ؛ فيجب أن يقرِّب نفسه من الله -تعالى-، ويقطع الحجب التي تمنعه عنه؛ لأنّ القرب من ناحية الله حاصل بالفعل ولا يتخلّف: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}[10].

وهذه أوّل مراتب الولاية؛ وهي الولاية العامّة "التي تترافق مع الربوبية المطلقة، وتجعل جميع الموجودات تحتها"[11]، فهي تشمل جميع الموجودات؛ من حيث وجودها، وكونها متّصلة بالحقّ -تعالى- حتّى أفاض عليها الوجود، فلو لم تكن الولاية لما كان العالم ليتحقّق ولا ليقرّ له قرار، ولما كان له حظّ من الوجود؛ لأنّ الإيجاد والإحياء والإماتة كلّها في ظلّ اسم الولي، ولا إمكان لتحقّقها إلا في ظلّه.

 لكن يمكن للإنسان أن يرقى إلى مراتب أعلى تجعل ولايته لله أشد وأقوى؛ ذلك أنّه "كلّما اتصل الإنسان بالله تعالى واقترب منه، فإن وجوده سيشتدّ ويقوى؛ وكأنّ هذا الخيط -الذي يمكن أن نشبّه الولاية العامة به- سيصبح أشدّ وأمتن وأقوى ليحمل الإنسان بمسيره نحو الله، حتّى تشمله الولاية الخاصة التي لله تعالى بالنسبة إلى المؤمنين"[12]، وليس ذلك إلا للذين اختاروا بإرادتهم السير في طريق الولاية، الطريق الذي يسلك بهم إلى الله ويقرّبهم منه تعالى من خلال الامتثال لأمره وطاعته، فينال التوفيق لسلوك طريق الحقّ تعالى.

إذًا، فالولاية هي حقيقة مشكِّكة "قائمة في كلّ موجود وفقًا لسعة هويته الوجودية وضيقها"[13]، فلا يتكافأ حظّ الموجودات كلّها منها، كما لا يتكافأ حظّهم من سائر الأسماء والصفات الإلهيّة الأخرى؛ كالعلم، والقدرة، وغيرها، فهي تتغيّر شدّة وضعفًا بحسب قرب العبد من الله تعالى، "ورفعه للحجب والموانع التي تقف بينه وبين وليّه الحقّ"[14]. "فكلّما كان الموجود إلى الحقّ أقرب، ووجوده أفسح، وتجرّده أكثر، كانت ولايته أكثر؛ أي كان حجابه أقل"[15].

وبعبارة أخرى: فالولاية الخاصّة هي توفيق ولطف خاصّ من الله لسلوك صراط الحقّ الذي بُيِّن في الشريعة الإلهيّة، وهي "رحمة وعناية خاصّة من الله -تعالى- بالنسبة إلى أنبيائه وأوليائه"[16] الذين نالوا وصف الله لهم تعالى بالصالحين في قوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}[17]، والذين صار الصلاح عندهم ملكة نفسانيّة، حلّت في مقام الذات، ولم تقف عند حدّ الفعل.

 وبناءً عليه، فالمحروم من الارتباط بذلك السبب لن يحصل على التوفيق الخاصّ أبدًا: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}[18]، ومن المسلّم به أنْ ليس المراد من ذلك الإرادة التشريعية النابعة من الولاية العامّة؛ إذ إنّ الجميع مكلّفون شرعًا بالطهارة الروحيّة التي هي متعلّق الإرادة الإلهيّة العامّة الشاملة للعباد كافّة، وإنّما المراد نفي الإرادة الإلهيّة النابعة من الولاية الخاصّة، نظير قوله -تعالى-: {سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}[19]؛ أي سنسلبهم توفيقَ التدبّر في الآيات الكونيّة بشكل لا يدركون فيه بعد لذة التدبّر وحلاوة التأمل في أسرار العالم، على الرغم من أنّهم مكلّفون بالتكاليف الإلهيّة، ومخاطبون بالخطابات الشرعيّة، ومشمولون لولاية الله العامّة.

فقول الله -عزّ وجلّ-: {فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ}[20]، يشير إلى ولاية إلهيّة عامّة ومطلقة. وأمّا حين يتكلّم عن الولاية الإلهيّة على المؤمنين والصالحين في مقابل ولاية الطاغوت على الكفّار، فيكون النظر إلى الولاية الخاصّة: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}[21].


ثالثًا: النبيّ إبراهيم (ع) من العبوديّة إلى الولاية:

لقد عرض القرآن الكريم في قصصه قصّة تقدّم رؤية متكاملة وشاملة للسير في طريق العبوديّة والتحقّق بمقام الولاية؛ بدءًا من معرفة الله وتوحيده، إلى العبوديّة والإخلاص والحبّ له، وعبر الخوض في اختبارات وبلاءات تشتدّ في صعوبتها، إلى نيل مقام الولاية؛ وهي قصّة النبيّ إبراهيم (ع) التي تشكّل أنموذجًا لحياة الإنسان في سيره نحو الله -تعالى-، وقطع كلّ الحجب التي تفصله عن بارئه.

وعند الوقوف على قصّة النبي إبراهيم (ع)، نراها تزخر بالمحطّات والمواقف التي تجسّد وقفات أمام أمر الحقّ -تعالى-، فإمّا طاعة أمره وإمّا طاعة النفس. وكلّما تجاوز النبي إبراهيم (ع) محطّة بفلاح باختيار ما أراده الله؛ تلبية لنداء الحق، انتقل إلى محطّة أخرى؛ يعظم معها اختباره، لتعظم بذلك درجة قربه ومقامه من الحقّ -تعالى-، فيرقى في طريق الولاية.

"إنّ أعلى درجات الولاية هي أعلى درجات الإمامة والقيادة في الإنسان الكامل، وقد عدّها الكلام الإلهيّ أعلى من النبوّة -أيضًا-؛ إذ وصف القرآن الكريم السير التكاملي لإبراهيم (ع)، فقال: {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}"[22].

وقد وصف السيد الطباطبائيّ هذه القصّة بأنّها "دورة كاملة من السير العبوديّ الذي يسير به العبد من موطن نفسه إلى قرب ربّه، ومن أرض البعد إلى حظيرة القرب، بالإعراض عن زخارف الدنيا، وملاذها، وأمانيها من جاه، ومال، ونساء وأولاد، والتخلّص عن وسائس الشياطين، وتكديرهم صفو الإخلاص، والإقبال والتوجّه إلى مقام القرب ودار الكبرياء"[23].

    النبيّ إبراهيم (ع) والمعرفة الفطريّة التوحيديّة:

كانت الخطوة الأولى التي وضعها النبيّ إبراهيم (ع) في طريقه نحو الحقّ هي المعرفة الحقّة اليقينية بالله -تعالى-؛ بأنّه الإله الربّ، الواحد الأحد، والخالق المدبّر، والمعبود الحقيقيّ.

وتظهر هذه المعرفة بشكل جليّ في مسير النبيّ إبراهيم (ع) في إثباته لوجود الله -تعالى-، وفي بيان وحدانيّته وربوبيّته، بالاستدلال والبرهان بطرق عدّة، من خلال محاججاته ومناظراته العديدة مع قومه في سبيل القضاء على الشرك.

وقد كان النبيّ إبراهيم (ع) في مجتمع يوُسَم بالشرك والكفر، يوكل الناس فيه أمر تدبيرهم وتدبير العالم إلى أرباب متفرّقة، فمنهم من كان يعبد الأجرام السماويّة، ومنهم من كان يعبد الأصنام الأرضيّة، ومنهم من نصّب نفسه ربًّا.

ولأنّ هؤلاء القوم قد ضلّوا طريق الحقّ، وتخلّفوا عن تلبية نداء فطرتهم نحو الله الواحد، أراد النبي إبراهيم (ع) أن يوقظ فيهم هذا النداء لينير لهم الطريق؛ لعلّهم يرجعون إلى فطرتهم ويسيرون في طريق الولاية الحقيقيّة.

 ومهما أنكر الإنسان من حقائق، فهو لا يتمكّن من إنكار حقيقة نفسه، التي يعلمها حضوريًّا، وذلك بالفطرة التوحيديّة التي خلقه الله -تعالى- عليها، فهو يعلم حقيقة نفسه وأنّها ليست إلا فقرًا وضعفًا، وهذا سيدفع به إلى البحث عن القوّة والغنى والكمال، لتتميم فقره ونقصه وضعفه بالارتباط بالقوي والغني والكامل. فهذا هو الميل الفطريّ نحو الكمال؛ بأن يرى في نفسه فقرًا وضعفًا يحتاج إلى إغنائه وتقويته. وهذا ما كان يجعل الإنسان يتوجّه للارتباط بمن يتصوّر فيه هذا الغنى والقوّة والكمال، لكنّه إذا ضلّ طريق المعرفة الحقيقيّة فإنّه سيضلّ عن الكمال الحقيقيّ.

وهذا كان حال قوم النبي إبراهيم (ع)، الذين انحرفوا عن طريق الحقّ واتخذوا له شركاء في تدبيره، فعبدوا الأصنام والكواكب؛ ذلك أنّهم كانوا يبحثون عن علل قريبة يسندون إليها الأفعال والحوادث التي يرونها من حولهم، أي عن ربّ مدبّر يقف وراء حدوثها، فبعضهم جعلوا الكواكب وراء هذه الحوادث، وبعضهم جعلوا أربابًا بحسب أنواع الحوادث، كربّ الأرض، ورب البحار، ورب الهواء، وغير ذلك، وتوهّموا الكمال في هذه الأرباب، فعملوا لها تماثيل يعبدونها ويقدّمون لها القرابين زلفةً؛ "لأنّ الحسّ والخيال كان يزيّن ما ناله لهم، وكان يذكّرها وينسى ما وراءها، فكان يوجب ذلك غلبة جانبها على جانب الله سبحانه، كل ذلك إنما كان منهم لأنهم كانوا يرون لهذه الأرباب تأثيرًا في شؤون حياتهم بحيث تغلب إرادتها إرادتهم، وتستعلي تدبيرها على تدبيرهم"[24].

وبعض أصحاب القوة والسطوة والنفوذ، كانوا يستفيدون من هذا الاعتقاد، ويستغلّون "نفوذ أمرهم في شؤون حياة الناس المختلفة، يطمعون في المقام، فيدعون الربوبيّة لأنفسهم، كما فعل النمرود ملك بابل الذي سلك نفسه في مسلك الأرباب، فادّعى لنفسه الإحياء والإماتة، فقال: {أنا أحيي وأميت}"[25].

ولذا، بدأ النبيّ إبرهيم (ع) مسيرة معرفة الله -تعالى- من أسهل الأدلّة وأيسرها، لوجودها تكوينًا في داخل كلّ إنسان؛ وهي الفطرة الباحثة عن قوّة غنيّة كاملة لا يشوبها فقر، أو عوز، أو حاجة، أو ضعف، أو نقص، والمناظرات والمحاججات التي قام بها (ع) مع قومه كانت خير شاهد ودليل على ذلك؛ فقد تمحورت حول إثبات ربوبيّة الله -تعالى- ووحدانيّته، في سبيل توحيده -تعالى- والإخلاص له.

    مناظرات إبراهيم (ع) التوحيديّة:

أقام النبي إبراهيم (ع) ثلاث مناظرات رئيسة، اختلفت فيها الجهة التي كان يناظرها ويحاججها بين عبدة للكواكب، وعبدة للأصنام، ومدّعٍ للربوبيّة، إلا أنّها اجتمعت كلّها من حيث الهدف؛ حيث كان يصبو (ع) من خلال هذه المناظرات إلى إتمام الحجّة على هؤلاء القوم، بإثبات أنّ الله الخالق المدبّر واحد لا يكون لغيره أمر ولا ملك، وأنّه وحده من له حقّ العبادة والقرب.

    مناظرته مع عبدة الكواكب:

كان بعض قوم النبي إبراهيم (ع) يعبدون الكواكب بما هي أرباب تملك تدبير شؤون العالم وبها تحيا الكائنات المختلفة؛ فلذلك اعتقدوا أنّ الأجرام تستحق العبادة بما أنّها أرباب مدبّرة للأرض وما فيها.

لكنّ النبي إبراهيم (ع) أراد إبطال هذا التصوّر الخاطئ حول إمكانيّة أن تكون هذه الكواكب أربابًا توجب عبادتها، واعتمد في ذلك على أصل ثابت وواضح؛ وهو "أنّ الإنسان بما أنه ممكنٌ فاقدٌ كل كمال وجمال وقوة وقدرة، فوجوده حدوثًا وبقاء رهن الإفاضة المستمرّة في عامة الآنات واللحظات"[26].

وهذا ما يشهد به وجدان هؤلاء الناس أنفسهم الذين اتخذوا الأصنام أربابًا، فهم يدركون حاجتهم المستمرّة إلى الاتصال بواسطة الفيض والتدبير، التي تدبّر له شؤونهم ولا تنقطع عنهم أبدًا، كما يدركون أنّ هذه الواسطة هي بنفسها غنيّة عن المدبّر فوقها، وإلا لتوجّهوا إلى ذلك المدبّر الأعلى، وعبده دونها، ومجرّد توجّههم نحو هذه العبادة هو دليل على هذا الاحتياج.

ومن هنا بدأ النبي إبراهيم (ع) برهانه، في تسليط الضوء على سمة الأفول والغياب التي تتّسم بها هذه الكواكب: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}[27]، وهذا الأفول يعني انقطاعها عن من تدبّر لهم أمرهم. والإنسان -لو خُلّي ونفسه- يرفض التبعيّة والتعبّد لهذا الربّ؛ لانقطاعه عن تدبير شؤونه وغيابه عن ساحة حياته.

ثمّ إنّ النبي إبراهيم (ع) لم ينهِ محاججة القوم بالاكتفاء ببيان تعارض حقيقة هذه الأجرام مع حقيقة الربّ؛ بل تدرّج معهم في بيان الدليل حتّى لا يترك لهم منفذًا إلى إبطاله، فتوجّه للبحث عن ربّ آخر: {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا}[28]، افترض فيه مثل ما افترض في الأوّل، فقال: {قَالَ هَذَا رَبِّي}، لكنّه لمّا أفل أعلمهم أنّه غير جدير بالربوبيّة؛ إذ كيف يمكن للإنسان أن يطلب الفيض منه -والإفاضة قيد الحضور- وهو ليس حاضرًا دائمًا؟!

فلمّا انجلى ظلام الليل وانفلق الفجر وطلعت الشمس، افترض أمرًا ثالثّا قال -مشيرًا إلى الشمس-: هذا ربّي، وعلّل ذلك بأنّه أكبر جرمًا وأكثر فيضًا: {لَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَر}[29]، لكنّها ما لبثت أن أفلت. فوجّه أنظارهم إلى أنّ هذه الأرباب من الكواكب والقمر والشمس أرباب مزيّفة لا تستطيع أن تكون مدبّرات لأمورهم، وعند ذلك توجّه بقلبه النوراني إلى الربّ الخالق الفاطر للسماوات والارض وقال: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[30].

ب- مناظرته مع عبدة الأصنام

كان مورد مناظرات النبي إبراهيم (ع) مع عبدة الأصنام معرفة الله -تعالى- كما أشرنا سابقًا؛ بأنّه الله الربّ المدبِّر لشؤون العباد، وهو الخالق القادر ليس له شريك، وهو وحده المستحق للعبادة والطاعة والتقرّب، دون هذه الأصنام التي اتخذوها أربابًا مدبّرة لأمور الخلق.

وتجسدت مناظرة النبيّ إبراهيم (ع) مع عبدة الأصنام في مناظرته مع عمّه آزر وقومه، على ما بيّن القرآن الكريم: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}[31]، {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِين}[32]. ويأتي ردّ النبي إبراهيم (ع) على جوابهم باعتماد أسلوب النقد والاستنكار، بقصد إثارة الفطرة والعقل بقضايا واضحة، وهي أنّ العبادة إنّما تكون لغاية التقرّب من المعبود، وهو فرع التفاتته إلى عمل العابد وعلمه به، وتوقّفه على كونه سامعًا مبصرًا، قادرًا على النفع والضرّ، لكنّ هذه الأصنام "التي يعبدونها من دون الله إنّما هي أوثان لا تضرّ ولا تنفع؛ لأنّها لا تملك شيئًا من هذا العالم، كما لا تملك قرارًا بالرفض أو الإيجاب"[33]، ولا تسمع ولا تبصر، وهذا ما أشار إليه بقوله: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ}[34].

ثمّ يأتي النبيّ (ع) على ذكر معبوده وصفاته، بأنّه هو الخالق، وهو الهادي، وهو المدبّر الذي يطعمه ويسقيه، ويشفيه، ويميته ويحييه، وأنّ إليه مرجع الأمور كلّها: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ* وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}[35]، كما بيّن لهم أنّ الرزق عند الله؛ لأنّه المالك الحقيقي لهذا العالم، وهو القادر على أن يتصرّف فيه كيف يشاء، فيرزق من يشاء، فإليه توجّهوا في العبادة ومن عنده اطلبوا الرزق"[36]؛ بينما آلهتكم قاصرة حتى عن رزقكم: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُون}[37]، فالأولى بكم التوجّه إلى الإله الخالق المدبّر والمنعم، وشكره على نعمه بعبادته، والإدبار عن عبادة تلك الأصنام التي لا تنفع ولا تضرّ.

     مناظرته مع نمرود ملك بابل:

آخر لبنة وضعها النبي إبراهيم (ع) في بنائه المعرفيّ لله -تعالى-، كانت في محاججة نمرود؛ الملك الذي كان يتسلّم زمام الحكم في عصره، وكان يدّعي لنفسه الربوبيّة، فبينما كان النبي إبراهيم (ع) يعلن بأنّ ربّه هو ربّ السموات والأرض وما بينهما، وليس له ولا لغيره ربّ غيره، كان هذا الحاكم يدّعي أنه ربّ. فأراد النبيّ إبراهيم (ع) أن يتمّ الحجّة على قومه وملكهم بأنّ "التوحيد في الخالقية والربوبية متلازمان لا ينفكان وأن الخالق هو المدبِّر"[38]، فواجه النمرود بقوله {(...) رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت(...)}[39]، فحاول نمرود إثارة المغالطة في أمر الإحياء والإماتة وادّعى لنفسه ذلك"؛ قائلًا: {(...) أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ(...)}[40]. فعدل إبراهيم (ع) إلى بيان آخر لا سبيل فيه إلى المراء والتمويه والخداع، فقال له {(...) فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[41]؛ ذلك "أنّ من شأن الربّ أن يتصرّف في النظام كيفما شاء، وأنّ ربّي يأتي بالشمس من المشرق إلى المغرب، فإذا كنت أنت مدبّرًا لهذا النظام وقادرًا على التحكّم فيه، فأظهر قدرتك في تغيير مسارها فأت بها من المغرب إلى المشرق"[42]. فالله هو خالق الموجودات والعالم بمخلوقاته وما يناسبها، ووحده القادر على إيجاد النظام الذي يلائمها، والقادر على تغيير هذا النظام. فما كان لنمرود أمام هذه الحجة الدامغة ردّ سوى العناد وعدم الانصياع.

    النبيّ إبراهيم (ع) وتجلّي العبوديّة:

بعد أن قطع النبي إبراهيم (ع) المقام الأوّل في رحلته الولائيّة إلى الله -تعالى-، وهي معرفته بالله -تعالى- معرفة حقّة يقينيّة، سعى إلى إيصال قومه إلى هذه المعرفة بالاستدلال الذي لا يقبل إنكارًا، ثمّ وصل إلى مقام العمل لتتجلّى هذه المعرفة، فتثبت صدق النبيّ وإخلاصه وخضوعه التامّ لإرادته -تعالى-، وعبوديّته المطلقة له بمواجهة الظالمين؛ قولًا وعملًا.

فبعد أنْ خطا الخطوات الأخيرة في سبيل إتمام الحجّة على قومه، قام بتكسير أصنامهم التي يعبدونها، وترك كبيرها -فقط- ليرجعوا إليه بالسؤال عمّن فعل بها هذا، فيعلموا بذلك أن هذه الأصنام لا سبيل لها إلى تدبير شؤون نفسها والدفاع عن نفسها، فكيف بتدبير شؤون غيرها؟! لكنّ قومه لم يظهروا إلا العناد واللجاجة، وكان رأيهم بضرورة عقابه على فعلته؛ من خلال رميه في النار.

وكان هذا الموقف من المواقف الشديدة التي تبيّن توجّه النبيّ إبراهيم (ع) إلى الله -تعالى- وحده، وتوكّله عليه بأنّه الربّ الواحد القادر على إنقاذه، فلم يمل لحظة عن إيمانه بالله في سبيل إنقاذ نفسه من النار المضرمة، ولا توسّل أحدًا لإنقاذه، وحتّى إنّه لم يقبل أيّ مساعدة تُعرض عليه من غير الله، حيث يُروى عن الإمام الصادق (ع) قوله: "لما أجلس إبراهيم في المنجنيق وأرادوا أن يرموا به في النار، أتاه جبرائيل (ع) فقال: "السلام عليك يا إبراهيم ورحمة الله وبركاته، ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا، وأما إلى ربّ العالمين فنعم". فلما طرحوه دعا الله فقال: "يا الله يا واحد يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فحسرتْ النار"[43]، "فحتّى في أشدّ اللحظات وأضيقها وحاجته لمن ينقذه لم يتوجّه إلا إلى الله – تعالى -"[44].

هذا موقف يرسم أجمل آيات الإخلاص والحبّ لله -تعالى-؛ حيث يكون الإنسان مستعدًّا ليفني جسده ويحرقه في نار العشق الإلهيّ، لكي لا تذوق غير لذّة حبّه، ولا تبغي عن قربه بدلًا، فتطفئ عبوديته نار الشرك.


    النبيّ إبراهيم (ع) في مقام الولاية:

وهناك موقف آخر في حياة النبي إبراهيم (ع) يجسّد العبوديّة المطلقة التي كان يحيا بها لله -تعالى-. كان امتحانًا شديدًا؛ بل لعلّه الأشد من كلّ امتحان تعرّض له في مسيره نحو الله، وهو أمر الله -تعالى- له بذبح ولده إسماعيل (ع).

يقول الله -تعالى- في كتابه العزيز: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ}[45]، "ومعنى ذلك أنّه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبيّن الساخط لرزقه والراضي بقسمه، وإن كان -سبحانه- أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحقّ الثواب والعقاب"[46]، ولتظهر الأفعال التي تصدق بها المعرفة، لتعلن أنّها لا تطلب إلا الله -تعالى-، وأنّها محض الانقياد لإرادته -تعالى- والفناء بها.

لكنْ أن يؤمر الإنسان بتقديم ولده وفلذة كبده على مذبح الولاية قربانًا، فهو في مقياس العاطفة البشريّة اختبار دونه كثير من الصعوبات، لا تنتهي عند العاطفة الأبوية تجاه وحيده الذي رزق به على كِبَر.

كما إنّ الأمر الإلهي لم يتعلّق بمطلق الذبح؛ إذ لم يكن أمام النبي إبراهيم (ع) أن يتركه في واد غير ذي زرع ليلقى حتفه بنفسه، أو أن يسلّمه لشخص يتولى أمر ذبحه، بل إنّ الله -تعالى- أراد من النبي إبراهيم (ع) أن يقوم هو بنفسه بهذا الأمر: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ}[47]، أراد الله -تعالى- من عبده أن يقوم هو بنفسه بنحر كلّ ما يبعده عنه، وكلّ ما يمكن أن يحجب عبده عنه، فلا يغرق قلبه في حبّ غيره، ولا يطال وصلًا إلا به، باختياره ومطلق إرادته حتى يفني نفسه في إرادة الله.

ولأنّ إبراهيم (ع) جرّد قلبه عن حبّ كلّ شيء سوى الله، وأفنى نفسه في طاعته وعبوديّته، فقد تجلّى خلوصه لله -تعالى-، فما إن أتاه الأمر الإلهي حتّى توجّه إلى ولده لإبلاغه بما رأى، فكان جواب الولد من الخضوع والعبوديّة على قدر ما ظهر من الوالد، فأجابه دون أيّ تردّد متجرّدًا عن أيّ إطراق بقليل من التفكّر، أو مجاهدة للنفس لقبول أمر المولى: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاء اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}[48].

فسلّم النبي إبراهيم (ع) وولده إسماعيل (ع) للأمر الإلهي: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}[49] وهذا يدلّ على "أنّ إقدام النبي إبراهيم على ذبح ولده إسماعيل الطفل الوحيد لم يكن مشوبًا بشيءٍ من الرقّة والعطف الأبوي الذي يقتضي بطبعه التريّث والبطء في مقام الامتثال"[50]، فحرارة حبّه لله -تعالى- غلبت حرارة عاطفته الأبوية لتصبح بحكم العدم؛ "والسرّ في ذلك هو أنّ المؤمن الواعي الواقعي يرى بعين فطرته الصافية وبصيرته النافذة أنّ نفسه وماله وأولاده وكلّ ما هو تحت يده وتصرّفه في هذه الحياة هو ملك لله تعالى المالك الحقيقي للكون كله بما فيه الإنسان، ولذلك يجب عليه أن يصرفَه ويتصرّف به وفق مرضاته، وإذا طُلب منه تسليمه له وإعادته إليه وجبت عليه المبادرة إلى التسليم"[51]، وهذا التسليم هو نتيجة الصبر على الطاعة لله تعالى.

ومع إقدام النبي إبراهيم (ع) على تنفيذ الأمر الإلهي، فقد أثبت عبوديته المطلقة لله -تعالى-، وإزالته لكلّ شائبة قد تعترض طريق القرب والولاية، واتّضحت درجة إيمانه وإخلاصه لله، فجاء الردّ الإلهي بأنه قد {صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا}[52] وبذلك قد صدقت عبوديته لله، لينال أعلى درجات الولاية فخاطبه الله -تعالى-: {إني جاعلك للناس إمامًا}[53].

وقد بلغ إبراهيم الخليل (ع) مقام الولاية الإلهية المطلقة والإمامة في شيخوخته بعد النبوّة واجتياز الاختبارات المصيريّة الصعبة، وطيّ درجات التكامل، وقد وصف الإمام الباقر (ع) السير التكاملي لذلك النبيّ العظيم، فقال: "إنّ الله -تبارك وتعالى- اتّخذ إبراهيم عبدًا قبل أن يتّخذه نبيًّا، وإنّ الله اتّخذه نبيًّا قبل أن يتّخذه رسولًا، وإنّ الله اتّخذه رسولًا قبل أن يتّخذه خليلًا، وإنّ الله اتّخذه خليلًا قبل أن يجعله إمامًا. فلما جمع له هذه الأشياء -وقبض يده- قال له: يا إبراهيم {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}"[54].

والقرآن الكريم نفسه يبيّن لنا مقام الإمامة وحقيقتها أنّها "نوع تصرّف تكوينيّ في النفوس بتسييرها في سير الكمال ونقلها من موقف معنويّ إلى موقف آخر"[55]، وأنّها "بحسب الباطن نحو ولاية للناس في أعمالهم"[56]، وذلك في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}[57]، "فالإمام هاد يهدي بأمر ملكوتيّ يصاحبه"[58]؛ أي إنّه "الرابط بين الناس وبين ربّهم في إعطاء الفيوضات الباطنيّة وأخذها، كما إنّ النبي رابط بين الناس وبين ربّهم في أخذ الفيوضات الظاهريّة وهي الشرائع الإلهيّة، تنزل بالوحي على النبيّ وتنتشر منه وبتوسّطه إلى الناس وفيهم، والإمام دليلٌ هادٍ للنفوس إلى مقاماتها؛ كما إنّ النبيّ دليلٌ يهدي الناس إلى الاعتقادات الحقّة والأعمال الصالحة، وربّما تجتمع النبوة والإمامة؛ كما في إبراهيم (ع)"[59].

فبعد أنْ قطع النبيّ إبراهيم طريق العبوديّة للوصول إلى المعبود الحقيقيّ واتّخاذه الولي المطلق، تجلّى فيه اسم الله تعالى، فجعله وليًا.

ولأنّ مسيرة النبي إبراهيم (ع) تشكّل أنموذجًا كاملًا لعروج الإنسان بعبوديته لله -تعالى- إلى مقام الولاية، "نموذجًا لمن يسارع إلى طاعة الله ويعمل ويتحرّك في حدود ما يرضي الله، فلا يدخل في الباطل ولا يخرج من الحقّ، ولا يريد علوًّا في الأرض ولا فسادًا، وهذا يعني النجاح في الامتحان والتكامل والارتقاء في مدارج السعادة والهناء"[60]، فقد شاء -تعالى- أن تخلّد هذه المسيرة بجعل تقديم الهدي من الشعارات الواجبة في الحجّ.


خاتمة:

بناءً على ما تقدّم في هذه المقالة، يمكن إيجاز النتائج التي جرى التوصّل إليها في الآتي:

    الولاية هي نوع اقتراب من الشيء يوجب ارتفاع الموانع والحجب بينهما، بحيث لا يكون بينهما ما ليس منهما.
    يفسّر القرآن الكريم ولايَتَي الحقّ والباطل باعتبار مركز القرب، فإن كان مركز القرب حقّ، كانت الولاية ولاية حق، وإلا فهي ولاية باطل.
    ولاية الحق -تعالى- هي الولاية الحقيقية التامة.
    الولي هو اسم من أسماء الله تعالى الحسنى.
    الإنسان هو مظهر لاسم الولي، فتتجلى فيه الولاية بقسميها.
    الولاية حقيقة مشكّكة قائمة في كلّ موجود، تختلف مراتبها شدّة وضعفًا وفقًا لسعة وجوده وقربه من الحق.
    العبودية هي طريق الوصول إلى مقام الولاية.
    طيّ طريق العبودية إلى الله تعالى يبدأ من معرفته تعالى.
    تتجلّى العبودية في سلوك الإنسان من خلال صبره وثباته في البلاءات في سبيل طاعة الحق.
    الحبّ آية من آيات العبودية، التي تعني العبادة طلبًا لرضا الحق تعالى دون أدنى طلب للمنفعة الشخصية.
    العبودية هي السبيل الذي يحقّق الكمال الإنساني.
    الولاية هي طريق الوصول إلى الكمال الإنساني.
    النبيّ إبراهيم (ع) هو أنموذج العبد الذي وصل بعبوديته إلى مقام الولاية.
    تجسّدت عبودية النبي إبراهيم (ع) من خلال صبره في جنب الله تعالى وتسليمه له.
    تحقّق النبي إبراهيم (ع) بمقام الولاية بعد أن أفنى إرادته في إرادة الحق في أصعب البلاءات وأشدّها؛ وهي ذبح ولده إسماعيل (ع).

وفي الختام نشير إلى أنّ ما تقدّم كان معالجة إجماليّة لموضوع الولاية، من جهة كونها الطريق الموصل إلى الكمال الإنساني، دون الخوض في تفاصيل أخرى، على أمل أن يتمّ التوسّع فيها ضمن أبحاث أخرى من خلال دراسة الآثار التي تترتّب على كون الإنسان وليًا لله -تعالى-، ومدى تجلّي ولاية الحقّ التكوينيّة في الإنسان؛ ليكون متصرّفًا في نفوس الناس، وواسطةً في فيض الكمالات عليهم. وكذلك البحث عن البعد التشريعي للولاية في زمن الغيبة وعلاقتها بالولي الفقيه، ولاسيّما بعد إثبات أنّ الولاية هي طريق الكمال الإنساني؛ أي طريق التحقّق بالكمال المنشود.

[1]  طالبة في مرحلة الماجستير في الفقه والمعارف الإسلاميّة، في جامعة المصطفى (ص) العالميّة في لبنان.

1 انظر: ابن فارس، أحمد: معجم مقاييس اللغة، تحـقيق: عبد السلام محمد هارون، لا ط، بيروت، دار الجيل، 1411هـ /1991م،  ج6،  ص141.

[3]  ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، تنسيق: علي شيري، لا ط، بيروت، دار إحياء التراث العربي، مؤسسة التاريخ العربي، 1992م، ج15، ص407.

[4]  الأصفهاني، الحسين (الراغب): مفردات ألفاظ القرآن، تحـ. صفوان عدنان داوودي، ط2، بيروت، دار الشامية، 2005م،  ص885.

[5]  الطباطبائي، محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن، ط1، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1417هـ/ 1997م، ج5، ص377.

[6]  م.ن، ج10، ص84.

[7]  الطهراني، محمد حسين: معرفة الإمام، ط1، بيروت، دار المحجة البيضاء،  1417ه/1996م، ج5، ص28.

[8]  سورة ق، الآية 16.

[9]  سورة الحديد، الآية 4.

[10]  سورة فصلت، الآية 54.

[11]  آملي، عبد الله جوادي: ولاية الإنسان في القرآن، ط1، بيروت، دار الصفوة، 1993م، ص70.

[12]  م.ن.

[13]  الطهراني، معرفة الإمام، م.س، ج5، ص112.

[14]  آملي، ولاية الإنسان في القرآن، م.س،  ص70.

[15]  الطهراني، معرفة الإمام، م.س،  ص64.

[16]  آملي، ولاية الإنسان في القرآن، م.س،  ص71.

[17]  سورة الأعراف، الآية 196.

[18]  سورة المائدة، الآية 41.

[19]  سورة الأعراف، الآية 146.

[20]  سورة الشورى، الآية 9.

[21]  سورة البقرة، الاية 257.

[22]  الريشهري، محمد: القيادة في الإسلام، ترجمة: علي الأسدي، ط1، قم، دار الحديث، 1375هـ.ش، ص78.

[23]  الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص293.

1 الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج2، ص353.

[25]  م.ن، ص353.

1 السبحاني، جعفر: القصص القرآنية، ط1، بيروت،  دار جواد الأئمة (ع)، 1428هـ/ 2007م، ج1، ص202.

2 سورة الأنعام، الآية 76.

[28] سورة الأنعام، الآية 77.

[29] سورة الأنعام، الآية 78.

1 سورة الأنعام، الآية 79.

[31]  سورة الأنبياء، الآية 52.

[32]  سورة الشعراء، الآيتان 70-71.

[33]  الموسوي، عباس: الأصدق في قصص الأنبياء (عله)، ط1، بيروت، دار المرتضى، 1416هـ/ 1996م، ص89.

[34]  سورة الشعراء، الآيتان 72 و73.

[35]  سورة الشعراء، الآيات 78-81.

[36]  الموسوي، الأصدق في قصص الأنبياء (عله)، م.س، ص89.

[37]  سورة العنكبوت، الآية 17.

[38]  السبحاني، القصص القرآنية، م.س، ص221.

[39]  سورة البقرة، الآية 258.

[40]  سورة البقرة، الآية 258.

[41]  سورة القرة، الاية 258.

[42]  السبحاني، القصص القرآنية، م.س، ص223.

1 المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ط2، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403هـ/ 1983م، ج12، ص33.

2 السبحاني، القصص القرآنية، م.س، ص221.

[45]  سورة الأنفال، الآية28.

[46]  م.ن، ص243.

[47]  سورة الصافات، الآية 102.

[48]  سورة الصافات، الآية 102.

[49]  سورة الصافّات، الآية103.

[50]  طراد، حسن: فلسفة الحجّ في الإسلام، ط1، بيروت، دار الزهراء(ع)، 1418 هـ/ 1998م، ص165.

[51]  م.ن، ص166.

[52]  سورة الصافّات، الآية 105.

[53]  سورة البقرة، الآية 124.

[54]  الكليني، أصول الكافي، م.س، ج1، ص229.

[55]  الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج14، ص306.

[56]  الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص267.

[57]  سورة الأنبياء، الآية73.

[58]  الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص267.

[59]  م.ن، ج14، ص306.

[60]  السبحاني، القصص القرآنية، م.س، ص244.

348 مشاهدة | 07-01-2020