الجمعة 13 كانون الأول 2019 الموافق لـ 9 ربيع الثاني 1441هـ

» مفاهيــــم إســـلامــية

مصادر المعرفة ووسائلها


في مصادر المعرفة:
من الواضح أن المعرفة عبارة عن انفعال الذهن، أو النفس، بشيء، وانشغالها به، بعدما كانت خالية منه، أو ذاهلة عنه، مما يعني حضوره عندها، إما بذاته وحقيقته، أو بصورته ومعناه.

ولما كانت المعارف تنشأ عن مواجهة الإنسان لما يحيط به في الخارج، فلا بد أن يكون مزودا بآلات تتناسب مع طبيعة الشيء الموجود في الخارج، فقد تحتاج معرفته إلى استخدام الباصرة، أو استخدام السامعة، أو غيرها من الحواس الخمس، فتنطبع صورة هذه الأشياء في الذهن، وهو معرفته بها.

وهذه المعلومات، أو الصور المنطبعة، تتصف بالجزئية والتشخص، إلا أن المعلومات التي يدركها الإنسان ليست كلها كذلك، لأن منها ما لا وجود له في الخارج، بل هي حاضرة في الذهن إما نتيجة تجريد هذه الجزئيات من خصائصها، والإبقاء على الجوامع المشتركة بينها، بحيث يقسمها الذهن إلى مجموعات  يشترك بعضها مع بعض آخر في خصوصية ما، ويتباين بعضها مع بعض في خصوصيات ما، كما في معنى الإنسان مثلا، فإنه يتصوره على نحو ينطبق على زيد وعمرو وبكر، أو الفرس الذي ينطبق على الأبيض والأسود والأدهم، مع ملاحظة أن الإنسان لا ينطبق على أفراد الفرس، والفرس الذي لا ينطبق على أفراد الإنسان، وهذا ما يسمى الكلي، وهو أيضا منتزع من الوجود الخارجي.

وهناك نوع ثالث من المعرفة، يتعلق بالأمور المعنوية المجردة، التي لا مادة لها ولا مقدار، من قبيل الحب والبغض، والكليات المتأصلة في الذهن، وهي الأمور المعقولة.

من ناحية أخرى تنقسم المعرفة إلى علم حصولي وعلم حضوري، والعلم الحصولي هو انعكاس صورة الموجود الخارجي عند الذهن، دون أن يؤثر ذلك في أصل وجوده وجوهره، وأما العلم الحضوري، فهو عبارة عن حضور نفس الشيء وحقيقته عند الذهن، مثل إدراك النفس لذاتها، وإدراكها الجوع والعطش والتعب وأشباه ذلك.
 
في وسائل المعرفة:
على أساس ما تقدم، فإنه يمكن تقسيم وسائل المعرفة إلى مجموعة وسائل، تعرض لها القرآن الكريم، وهي ما يلي:

ألف: الحس والتجربة:
 وهذا أول الطرق وأيسرها إدراكا لدى الإنسان، فإنه يلتفت إلى هذا الطريق من دون أي تأمل وتفكير، ويستوي في هذا الطريق جميع الناس عالمهم وجاهلهم، كبيرهم وصغيرهم، ولهذا ركز القرآن الكريم كثيرا على هذه الوسيلة، ولفت الأنظار إليها، في عدد غير قليل من آياته المباركة.
وفي ما يدل على أصل هذا الطريق، يقول تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾[1].
وطبق هذا الأصل في مختلف المجالات، بدءا من ذاته وأقرب الأشياء إليه، وهو طعامه، مرورا بما يحيط به من حوله، وصولا إلى آفاق السماوات.
قال تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق﴾[2].
وقال تعالى: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه، أنا صببنا الماء صبا، ثم شققنا الأرض شقا، فأنبتنا فيها حبا، وعنبا وقضب﴾[3].
وقال تعالى: ﴿فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موته﴾[4].
وقال تعالى:﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت﴾[5].
وفي مقام ذم الذين لا يعملون حواسهم بصورة سليمة، قال تعالى: ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾[6].
 
باء: العقل والتحليل:
 وهذا الطريق أدق من الأول وأهم، بل إن طريق الحس والتجربة لا يمكنه الاستغناء عن العقل في استنتاجاته، وتبريراته، لأن التجربة والإحساس يرتبطان بالأمور الجزئية المتشخصة كما تقدم، والعقل هو الذي يحقق لها  قيمتها من خلال تعميماته وإدراكه الكليات، والعقل هو الذي يميز الإنسان عن سائر المخلوقات، كما هو معلوم، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم، في عدد كبير من الآيات المباركة، وعبر عنه بتعبيرات مختلفة، من قبيل العقل، كما في قوله تعالى: ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾[7].
كما جاء بعنوان القلب، كما في قوله تعالى: ﴿إن في ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾[8].
واللب كما في قوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾[9].
والنهى كما في قوله تعالى: ﴿كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي﴾[10].
والعلم كما في قوله تعالى: ﴿قل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون﴾[11].
والفؤاد كما في قوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾[12].
وقوله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤول﴾[13].
والبصيرة، كما في قوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾[14].
كما ورد التعبير عنه بألفاظ أخرى، كالفكر، والشعور، والفقه وغير ذلك، وهي كلها ترجع إلى حقيقة العقل.
 
جيم: الفطرة والوجدان:
وتعني ما يجده الإنسان في نفسه بلا تعلم ولا تلقين، بل يدركه بمجرد تصوره والالتفات إليه، نتيجة ما أودعه الله تعالى فيه، وفطره عليه، وهو على قدر كبير من الأهمية لاعتماده على البديهيات، التي تدركها النفس، بمجرد التوجه إليها ومواجهتها، بحيث يمكن القول أنه جزء منها. وهو أدق من الطريقين الأولين، لأن احتمالات الخطأ فيه أقل منهما، حيث إن أدوات الإحساس قد تخطئ كثيرا، وإذا فقد الحاسة خسر ما يحصل عليه من معارف بواسطتها، ولهذا قيل"من فقد حسا فقد علما".
وكذلك الحال في طريق الإستدلال العقلي حيث إن غير العارف بطرقه، قد يرتب نتائجه على مقدمات خاطئة، وقد يرتب مقدماتها ترتيبا غير منطقي، الأمر الذي يؤثر على سلامة النتيجة.
وأما الفطرة والوجدان فاحتمال الخطأ فيه أقل بكثير لكونه جزء من الذات.
 وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الطريق في عدد من الآيات المباركة أيضا.
منها: قوله تعالى: ﴿فطرة الناس التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾[15].
ومنها: قوله تعالى: ﴿ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواه﴾[16].
ومنها: قوله تعالى: ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون﴾[17].
ومنها: قوله تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾[18].
ومنها: قوله تعالى: ﴿فرجعوا إلى أنفسهم قالوا إنكم أنتم الظالمون﴾[19].
 
دال: الوحي السماوي:
 وهذا الطريق من أهم طرق المعرفة عند أتباع الديانات السماوية، نظرا لإمكان الخطأ والانحراف في الطرق الثلاثة الأولى، بخلاف طريق الوحي فلا مجال لتوهم الخطأ فيه، لأنه عبارة عن الاتصال بالمبدأ الأعلى والأخذ منه مباشرة.
وقد ورد ذكره في كثير من الآيات القرآنية المباركة، مثل قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى﴾[20].
وقوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾[21].
وقوله تعالى: ﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة﴾[22].
وقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾[23].
 
هاء: الكشف والشهود:
 وهذا الطريق يعتمده فلاسفة الإشراق، والعرفاء والمتصوفة، ويرون أنه أرقى مرتبة من طريق الاستدلال العقلي، لأنه يوصل إلى اليقين مباشرة وبدون واسطة، خلافا لفلاسفة المشاء، الذين لا يعتمدونه في تحصيل المعارف، ولا يرونه موصلا لليقين.
وأكثر النّاس ينكرون هذا الطريق، ولا يرونه واقعا وحقيقة، خصوصا أولئك الذين تأثروا بالمدارس الغربية، المادية والحسية الحديثة والمعاصرة.
وهو عبارة عن شهود وملاحظة باطنية، بحيث يرى العارف بواطن الأشياء، كأنها ماثلة بين يديه، وبعبارة موجزة هو شهود المغيبات، وانكشافها أمامه كأنها محسوسة عنده.
وقد ذكره القرآن الكريم في عدد من الآيات الشريفة، وبين أنه يوصل إلى اليقين، كقوله تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾[24].
وقوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى﴾[25].
وقوله تعالى: ﴿يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجور﴾[26].
 
الخلاصة:
هذه هي وسائل تحصيل المعارف وطرقها، وقد تبين مما تقدم أن القرآن الكريم قد استخدمها جميعها، وفي عدد غير قليل من آياته المباركة، ليتيح لجميع الناس إمكان الوصول إلى الحقائق التي تشبع حاجاتهم، وتلبي رغباتهم، مهما كانت قدراتهم الذهنية، وآفاقهم المعرفية.

والجدير بالملاحظة هنا، أن القرآن الكريم قد استخدم هذه الطرق بشكل مباشر، وتطبيق طبيعي، في الموارد التي يحتاج الإنسان إليها، دون تنظير أو بيان لقواعد فكرية، ومقدمات نظرية، وما أشبه ذلك.
 
سماحة الشيخ حاتم اسماعيل
 [1] سورة النحل، آية:78
[2] سورة الطارق، آية:5-6
[3] سورة عبس، آية: 24-28
[4] سورة الروم، آية:5
[5] سورة الغاشية، آية: 17-20
[6] سورة الأعراف، آية:178
[7] سورة البقرة، آية:242
[8] سورة ق، آية:37
[9] سورة آل عمران، آية: 190
[10] سورة طه، آية:54
[11] سورة العنكبوت،آية:49
[12] سورة النحل، آية: 78
[13] سورة الإسراء، آية: 36
[14] سورة يوسف، آية: 108
[15] سورة الروم، آية: 30
[16] سورة الشمس، آية: 7-8
[17] سورة الشمس، آية: 138
[18] سورة العنكبوت، آية:65
[19] سورة الأنبياء، آية: 64
[20] سورة النجم، آية: 3-4
[21] سورة الشورى، آية: 52
[22] سورة الإسراء، آية: 39
[23] سورة الحديد، آية: 25
[24] سورة الأنعام، آية: 75
[25] سورة النجم، آية: 11-14
[26] سورة الفرقان، آية: 22

 

105 مشاهدة | 28-11-2019