الأحد 18 آب 2019 الموافق لـ 14 ذو الحجة 1440هـ

» مفاهيــــم إســـلامــية

موعظة لقمان في السير نحو الجنـّة



روى الشَّيْخ المفيد رضي الله عنه في حكم لقمان فيما أوصى به ابنه أنَّه قال: "يا بُنَيَّ، تَعَلَّمتُ سَبعَةَ آلاف مِنَ الحِكمَةِ، فَاحفَظ مِنها أربَعَاً ومُرَّ مَعي إلَى الجَنَّةِ: أحكِم سَفينَتَكَ فَإِنَّ بَحرَكَ عَميقٌ، وخَفِّف حِملَكَ فَإِنَّ العَقَبَةَ كَؤودٌ، وأكثِرِ الزّادَ فَإِنَّ السَّفَرَ بَعيدٌ، وأخلِصِ العَمَلَ فَإِنَّ الناقِدَ بَصيرٌ"1.

خصائص موعظة لقمان الحكيم عليه السلام
من المستحسن أيُّها الناظر بعين البصيرة أنْ تلتفت إِلَى بعض النُّقاط كتمهيدٍ للوفود على الموعظة, لأنّ السمع قبل القلب قد لا يتقبّل الموعظة ابتداءً، خصوصاً إذا كان قلباً مُدْبِراً عن الآخرة مُقبِلاً على الدُّنيا، فلا بدّ له حينئذٍ من أنْ يُعطى بعض المشوِّقات التي تمنع السمع من أنْ يمجَّ الموعظة، وتهيّئ القلب للانفتاح عليها.

وإذا أردنا أنْ نشبّه هذا الأمر بمثال واضح لتقريبه إِلى الذهن، فلننظر إِلى الإنسان الجائع، فهو على الرغم من جوعه لا تكون نفسه مقبلةً على الطعام، فيُعطى بعض (المقبّلات) قبل أنْ يُقبل على الوجبة الأساسية, لتعتاد معدته وتنفتح شهيّته.
 
وعلى هذا الأساس لا بدّ من أنْ نأخذ بعين الاعتبار الأُمور التالية:

أولاً: إِنَّ الواعظ بهذه الكلمات إنسانٌ عاش عمراً مديداً مع الأنبياء والحكماء، وتنقّل من مكانٍ إِلَى آخر باحثاً عن الحكمة يتلّقّفها من مظانّها.
 
إنسانٌ قال عنه القرآن الكريم بعد تسمية سورةٍ باسمه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾2، تلك الحكمة التي مَنْ يؤتاها ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾3.

إنسانٌ قال عنه الإِمام الصادق عليه السلام: "أما والله لقد أوتي لقمان الحكمة لا بحسب ولا مال ولا أهل ولا بَسْطٍ في جسم ولا جمال، ولكنه كان رجلاً قوياً في أمر الله متورِّعاً في الله سَاكتاً سَكيناً عميق النظر طويل الفكر حديد النظر مستغن بالعبر"4.
 
إنسانٌ "كان يُكثر مجالسة الفقهاء والحكماء، وكان يَغشَى القضاة والملوك والسلاطين، فَيرْثِي للقضاة مما ابتلوا به، ويرحم الملوك والسلاطين لِغِرَّتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك، ويَعتَبر ويتعلم ما يَغْلِب به نفسه، ويجاهد به هواه، ويَحترِز به من الشيطان، وكان يداوي قلبه بالتفكر، ويداري نفسه بالعِبَر"5.
 
فلقمان عليه السلام الجامع لصفات الأولياء، والمصاحب للأنبياء والفقهاء والحكماء، كيف نتصوّر أنْ تكون وصيته وموعظته؟!! خصوصاً وهي صادرة لابنه الَّذِي يشفق عليه، وقد وصف لنا أمير المؤمنين عليه السلام هذه الشفقة من خلال قوله في وصيته لولده المجتبى عليه السلام: "وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي"6.
 
ثانياً: إنَّ لقمان عليه السلام يريد أنْ يعظ ابنه بحكمٍ تعلّمها وعمل بها، فإذا نظرنا إِلَى ذلك من البعد الفقهي، نجده مستكملاً للشرط الَّذِي يذكره الفقهاء في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ألا وهو شرط العلم بما يأمر وينهى. هذا بما يرتبط بتعامله مع الآخرين، وأمّا ما يرتبط بوظيفته تجاه تكليف نفسه، فهو يزكّي علمه الَّذِي ورد فيه الخبر: "وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ"7. كما أنَّ لحن الخطاب والشفقة يدلّان ـ من البعد الأخلاقي ـ على أنَّ لقمان الحكيم لم يكن مِمّن ينطبق عليه قول الشاعر:8

تدلُّ على التقوى وأنت مقصِّرٌ                 أيَا مَنْ يداوي الناسَ وهو سقيمُ

ومثله قول الآخر الَّذِي ذهب شطره الثاني مثلاً:
وغير تقيٍّ يأمر الناسَ بالتُّقى                 طبيبٌ يداوي الناسَ وهو عليلُ

بل كان ـ في وعظه لابنه ـ مصداقاً لقول أمير المؤمنين عليه السلام: "إنَّ الوَعظَ الَّذي لا يَمُجُّهُ سَمعٌ ولا يَعدِلُهُ نَفعٌ ما سَكَتَ عَنهُ لِسانُ القَولِ ونَطَقَ بِهِ لِسانُ الفِعلِ"9.
 
ثالثاً: إِنَّ هذه الموعظة التي هو بصدد ذكرها لابنه تحتاج إِلَى الحفظ, لكي يترتّب عليها الأثر. ويمكن أنْ يكون المقصود من الحفظَ على مستويين:
المستوى الأوّل: الحفظُ في مقابل النسيان, بأنْ يكون الإنسان متذكّراً لهذه الموعظة المتضمّنة للكلمات الأربع، بحيث يكون مستحضراً لها بشكلٍ مستمرٍّ, فإنّ الذُّنوب والمعاصي تجتمع مع الغفلة عن رقابة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾10.
 
المستوى الثاني: الحفظ بمعنى العمل، وإنّما يطلق الحفظ على العمل باعتبار أنَّ العاملَ فاعلٌ مختار، والفاعل المختار يكون فعله مسبوقاً بالاستذكار، والخطور في الذهن الَّذِي هو الحفظ في مقابل النسيان.

فالموعظة ينتفع بها ويبقى أثرها سارياً ما دام الإنسان مستذكراً لها غير غافلٍ عنها، وتترتّب الثمرة عليها بالعمل على وفقها.

رابعاً: نلاحظ في هذه الموعظة أنَّ لقمان الحكيم على الرغم من تعلُّمه لـ (سَبعَة آلاف مِنَ الحِكمَةِ)، لم يطنب في موعظته لابنه بتكثير الحِكَم, وذلك لأنّ الحِكَم التي تحصل نتيجة تجارب طويلة مرّت مع لقمان، من خلال ما مرّ من أنَّه "كان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء"، يحتاج إلقاؤها إِلَى مناسبات وظروف ملائمة وخاصّة.

كما أنَّ تأثير الموعظة ليس من الضروري أنْ يكون بالإكثار، فكم من كتبٍ قُرِئت لم تؤثّر في قارئها قيد أنملةٍ، وكم من كلمةٍ قليلة الحروف حرّرت قلباً من مخالب الشيطان ووضعته في أنامل الرحمن.

ومن شاء التصديق بذلك، فليطالع ما حصل بين بِشر بن الحارث المروزي، المعروف ببشر الحافي، والإمام الكاظم عليه السلام, وذلك عندما مرّ على داره ببغداد فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب تخرج من تلك الدار، فخرجت جارية وبيدها قمامة، فرمت بها في الدرب، فقال عليه السلام لها: يا جارية، صاحب هذه الدار حرّ أم عبد؟ فقالت: بل حرّ. فقال: "صدقتِ لو كان عبداً خاف من مولاه". فلمّا دخلت قال مولاها وهو على مائدة السكر: ما أبطأكِ؟ فقالت: حدّثني رجلٌ بكذا وكذا، فخرج حافياً حتّى لقي مولانا الكاظم عليه السلام، فتاب على يده، واعتذر وبكى لديه استحياءً من عمله.

خامساً: استعمل لقمان الحكيم عليه السلام مفردة (المرور) للتعبير عن الأثر المترتّب على حفظ الكلمات الأربع، فقال: "ومُرَّ مَعي إلَى الجَنَّةِ"، بدلاً من: (ادخل الجنّة)، وليس ذلك إِلَّا لما في لفظ (المرور) من الدلالة على سرعةِ ترتُّب الأثر, لأن المرور في اللغة بمعنى المضيّ والاجتياز بالشيء11، وهذا يقتضي عدم المكث والتمهُّل، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾12. وفيما يلي شرح موجز لبعض مواعظ لقمان الحكيم عليه السلام.

الحكمة الأولى: "أحكِم سَفينَتَكَ فَإِنَّ بَحرَكَ عَميقٌ"
شُبِّه السلوك في هذه الحياة، والكدح في مناكبها بالإبحار، وبالتالي شُبِّهت الدنيا بالبحر العميق، الَّذِي هو في ظاهره جميل المنظر، لكن يتربّص في أعماقه الموت الزُّعاف، فكما يحتاج المبحر فيه إِلَى التسلُّح بمركبٍ محكمٍ يقيه من الأخطار، كذلك السائر في هذه الدنيا يحتاج إِلَى مركبٍ محكمٍ يقيه من أخطارها، ويقيه في منزلقاتها. وسفينة البحار معروفةٌ لكلِّ أحد، فما هي سفينة الدنيا؟!

لكي نتعرّف إلى هذه السفينة علينا أنْ نرجع إِلَى أخبار أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، فقد أورد الكليني في خبرٍ طويلٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أنَّ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ عليهما السلام قَالَ له: "... يَا هِشَامُ إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ... يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى الله وَحَشْوُهَا الْإِيمَانَ وَشِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ وَقَيِّمُهَا الْعَقْلَ وَدَلِيلُهَا الْعِلْمَ وَسُكَّانُهَا الصَّبْرَ"13. فالسفينة في هذه الدنيا التقوى، وبمقدار ما كانت هذه الملكة متجذّرة في قلب الإنسان بمقدار ما استطاع أنْ يُبحر في هذه الدنيا مطمئناً صامداً مهما علتْ أمواج الشهوات وتنازعته أنواء الإغراءات.
 
ومن أفضل أنواع السُّفن التي تتميّز بأقصى حالة الإحكام، والتي تصلح لجميع البحار، سفينة من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق وهوى، وهي أهل بيت الرّسول (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، كما ورد في الحديث النّبويّ المتّفق على نقله الفريقان: "مَثَلُ أهلِ بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق"14.

وقد ضمّن الإِمام الشافعي هذا الحديث في أبياتٍ له رواها العجيلي:15
ولمّا رأيتُ النّاسَ قد ذهبت بهم           مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهل
ركبتُ على اسم الله في سفن النّجا       وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
 
الحكمة الثانية: "وخَفِّف حِملَكَ فَإِنَّ العَقَبَةَ كَؤودٌ"
شبّه هذه الدُّنيا الفانية بميدان السباق، فكما أنَّ الرياضيّ إذا كان حمله خفيفاً يكون أسرع من غيره من ذوي الأحمال الثقيلة، خصوصاً إذا كان ميدان السباق جبلاً مرتفعاً، فهكذا هي الدُّنيا, فإنّ الفوز فيها للمخفّين.
 
فالدُّنيا بالنسبة للإنسان ميدان سباق، ينطلق فيه سائراً نحو أجلٍ معيّن، والطريق الَّذِي يسيرُ فيه كالعقبة الكؤود، والعقبة ـ كما في اللغة3 ـ الطريق الوعر في الجبل، قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾16، والكؤود والكأداء ما كان شاقّ المصعد17.
 
فهو يطلب من الإنسان من خلال وصيّته لابنه، أنْ يتخفّف من الأثقال التي ترهقه, لأنّه يسير في طريق وعرٍ شاقّ المصعد، طريقٍ بحاجةٍ إِلَى أنْ يتخفّف فيه من كلّ ما هو ثقيل.
 
والأثقال التي يُطلب من السائر في عقبة الدنيا أنْ يتخفّف منها، ليست أثقالاً من سنخ الأثقال المادية، بل هي عبارة عن الذُّنوب التي تشدُّ الإنسان نحو الهاوية، وهي أشدّ ثقلاً من غيرها من الأثقال. هذا وقد ورد في بعض الزيارات: "إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الله عَزَّ وَجَلَّ ذُنُوباً قَدْ أَثْقَلَتْ ظَهْرِي وَمَنَعْتَنِي مِنَ الرُّقَادِ وَذِكْرُهَا يُقَلْقِلُ أَحْشَائِي"18.
 
الحكمة الثالثة: "وأكثِرِ الزّادَ فَإِنَّ السَّفَرَ بَعيدٌ"
من المفارقات التي يقع فيها بنو البشر على وجه العموم، أَنَّهم على الرّغم من معرفتهم بحال هذه الدنيا، وأنّها مرحلةٌ يمرُّ فيها الإنسان وتزول، على الرّغم من ذلك نراهم يخصّصون كلّ الزاد لها، ولا يتزوّدون للآخرة التي هي دار القرار، قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾19. وقد ورد في الخبر عن عَبْدِ الله بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَ لِأَنَّكُمْ عَمَرْتُمُ الدُّنْيَا وَأَخْرَبْتُمُ الْآخِرَةَ فَتَكْرَهُونَ أَنْ تُنْقَلُوا مِنْ عُمْرَانٍ إِلَى خَرَابٍ"20.
 
فيا أيُّها الغافل! كيف أَنَّك إذا سافرت في هذه الدُّنيا من مكانٍ إِلَى مكانٍ سَفَرَ عبورٍ لا استقرار، فإنّك لا تحمل معك فيه إِلَّا اليسير من الزاد، ولكنّك إذا سافرتَ إِلَى مكانٍ بعيدٍ سَفَرَ استقرار، نراك تعدُّ العدّة، وتتزوّد بأنواع الاحتياجات... فلِمَ لا تتعامل كذلك مع السّفر إِلَى الآخرة، والزاد فيها أحوج والاستقرار فيها أدوم؟ ضلالٌ ما بعده ضلال!!
 
 أنسيتَ قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾1؟؟!!

ولكن كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: "بَلَى وَاللهِ لَقَدْ سَمِعْتمُوهَا وَوَعَيتمُوهَا وَلَكِنَّكُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ وَرَاقَكُمْ زِبْرِجُهَا"21.

والزاد في هذه الحكمة، بمعنى التقوى على مستوى العمل، أي: القيام بالواجبات وترك المحرّمات، والسفينة في الحكمة الأولى يُراد منها التقوى بمعنى الملكة والصفة النفسانية الباعثة على مزاولة الواجبات وترك المحرمات.

الحكمة الرابعة: "وأخلِصِ العَمَلَ فَإِنَّ الناقِدَ بَصيرٌ"
الدُّنيا مزرعة الآخرة، فالمرء يعمل في هذه الدُّنيا ليدرك ثمار عمله في الآخرة، ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾22.

في هذه الحكمة لم يقل لقمان: (وأكثر العمل), بل كان أمره بفعلٍ يدلُّ على نوعية العمل، ألا وهو الإخلاص, ليشير إِلَى أنَّ المعيار في الحسابات الرَّبانية ليس كثرة العمل، بل الإخلاص في أصل العمل.
 
والإخلاص عبارة عن تصفية السرّ عن ملاحظة ما سوى الله تبارك وتعالى، فإذا كان العمل خالصاً لله، فلا تُنْقِص القلّة من قيمته، وإنْ كان العمل لغير الله فلن ترفع الكثرة من شأنِه.

والقرآن الكريم يحدّثنا عن عملٍ قام به أصحاب الكساء عليهم السلام في قصّة مَرَضِ الحسنين عليهما السلام، وتصدّقهم بأقراصٍ معدودةٍ من شعير، تلك المادة التي تعتبر من أردأ الموادّ المتعارفة في تهيئة الخبز وما يشابهه، تصدّقوا بها أيضاً على أشخاصٍ معدودين: (مسكينٍ ويتيمٍ وأسير)، ومع ذلك نزلت في حقّهم سورةٌ من القرآن الكريم، وليس ذلك إِلَّا لقولهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا﴾23، فكانت النتيجة أنْ: (وقاهم، ولقّاهم، وجزاهم)، كما ورد في قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا *وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾24.

وفي مقابل ذلك نجد هناك مَنْ تصدّق بكلِّ ماله ـ وقد كان غنياً ـ لمرّاتٍ متعدِّدة، ولم ينزل فيه إِلَّا قوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾25.
 
في هذه الحياة الدُّنيا قد نستطيع أنْ نخدع النّاس، لكنّ النّاقد البصير وهو الله تبارك وتعالى لا يمكن لأحدٍ أنْ يخدعه، كيف ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾26.

فسبحان القائل: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾27.
 

1- الشَّيْخ المفيد، مُحَمَّد بن النُّعمان العكبري، الاختصاص، 341، تحقيق، على أكبر غفاري والسيد محمود الزرندي، نشر، دار المفيد
2- لقمان، 12.
3-البقرة، 269.
4-بحار الأنوار، ج 13، ص 409.
5-م.ن.
6-الشريف الرضي، محمد بن الحسين الموسوي، نهج البلاغة، 336، تحقيق وتصحيح، عزيز الله العطاردي، نشر، مؤسسة نهج البلاغة، الطبعة الأولى 1414هـ، قم المقدسة.
7- المصدر نفسه، 434.
8- أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني 4، 327، نشر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
9- اللَّيثي الواسطي، علي بن مُحَمَّد، عيون الحكم والمواعظ، 51، تحقيق الشَّيْخ حسين الحسني البيرجندي، الطَّبعة الأُولى 1376ش، دار الحديث، قم.
4- الروم،7.
 10- انظر، الرّاغب الإصفهاني، الحسين بن مُحَمَّد، المفردات في غريب القرآن، مادة (مرر).
11- الفرقان، 72.
12-الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي 1، 16، تصحيح، علي أكبر غفاري، نشر، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة 1407هـ، طهران.
 13- بحار الأنوار، ج 23، ص 105.
14- النّقوي، السَّيِّد حامد، خلاصة عبقات الأنوار 4، 29، نشر، مؤسسة البعثة، 1406 طهران.
15- الحميري، نشوان بن سعد، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم 7، 4648، تحقيق، حسين بن عبد الله العمري و...، نشر، دار الفكر المعاصر، الطبعة الأولى 1420، بيروت.
16-البلد، 11.
17-تاج اللغة وصحاح العربية، باب (كأد).  وإلى هذا المعنى الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام في كلامٍ له يعدّ من أبلغ الكلمات, لقصر ألفاظه وغزارة معانيه، وهو قوله: "تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا"1.
18- نهج البلاغة، 29، مرجعٌ سابق.
19- السَّيِّد ابن طاووس، علي، الإقبال بالأعمال الحسنة فيما يعمل مرّة في السنةج 3، ص 134، تحقيق، جواد قيُّومي الإصفهاني، نشر، مكتب الإعلام الإسلامي التابع للحوزة العلمية، الطبعة الأولى 1415هـ، قم.
20- غافر، 39.
21-الكليني، أصول الكافي، ج2، ص258، باب محاسبة العمل،حديث20.
22- الزمر، 30.
23-نهج البلاغة، الخطبة 3.
24-الكهف، 49.
25-الإنسان، 10.
26- الإنسان، الآيتان، 11 - 12.
27-البقرة، 264.
28- التغابن، 4.
29- النمل، 25.

100 مشاهدة | 10-06-2019