الأربعاء 23 تشرين الأول 2019 الموافق لـ 19 صفر 1441هـ

» إضـــــاءات قــــرآنــية

ثمرات تشكيل الحكومة القرآنيّة



تهيئة المجتمع للرشد الأخلاقيّ
أيّها الطلّاب الحاضرون في هذا المحفل، ويا كلّ الطلّاب في كلّ أنحاء البلاد، التفتوا إلى أنّ أحد أهمّ واجباتكم الكبرى هو بناء أنفسكم أخلاقيًّا. كمّلوا أخلاقكم؛ هذه الفرصة متاحة لكم أنتم الشباب. فالعصر عصركم. أنتم تعيشون في عصر جيّد؛ في ظلّ الحكومة القرآنيّة والثقافة الإسلاميّة. وعليه، فلديكم الفرصة من الناحية الروحيّة والمعنويّة أن تتكاملوا وتصلحوا، فاغتنموا هذه الفرصة. العلم يجب أن يكون إلى جانب الأخلاق، والتقدّم الصناعيّ والعلميّ والمادّيّ إلى جانب الرشد الأخلاقيّ. وإنّ الأصل الأساس في الرشد الأخلاقيّ هو التوجّه إلى الله1.

تطبيق القرآن ونشر الثقافة والمعارف القرآنيّة
علينا أن نوصل أنفسنا إلى منبع الإسلام حتّى نعيش الحياة الطيّبة بالتمام. يقول القرآن الكريم: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ﴾2 3.

واليوم، إذا كان المسؤولون في البلاد يحظون بحبّ الشعب الإيرانيّ الشديد لهم؛ فذلك لأجل عملهم بالقرآن، ولأجل إيمانهم وتديّنهم والتزامهم بالدين. فهذا المجتمع هو مجتمعٌ فيه القرآن حيّ وفعّال ومستحكم وغير مهجور، وهذه هي الجمهوريّة الإسلاميّة. ولهذا، فإنّ أيّ مسلم وفي أيّ مكان من العالم، بحكم حبّه للقرآن وللنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، يشعر بالمسؤوليّة تجاه الجمهوريّة الإسلاميّة التي تحمل راية القرآن والإسلام4.

بعض الناس ممّن يتّصفون بالسطحيّة والضحالة، يتخيّلون أنّه ما من شيء قد أُنجز. إنّهم يقولون: ما الفائدة من الذهاب إلى الجبهة؟ ويقول آخرون: لقد ذهبنا وتحمّلنا المشقّة وعملنا، ولكن أين هي نتائج الثورة؟ هؤلاء ظاهريّون وسطحيّون جدًّا. إنّهم لا يُدركون أيّ حال هي على وشك الحدوث في هذا البلد، وهي الآن تحدث باستمرار. لا تتوهّموا أنّ الثورة انتهت، كلّا؛ فالثورة كالبركان الذي لا ينطفئ، والجدول الذي إنْ لم يكن ينبع هناك فسيجفّ هنا. أنتم ترون أنّ الإسلام والقرآن في تدفّق وجريان، وكذلك فهو يُخيف ويُرجِف الأعداء، ويُقوّي ويُسرّ الأصدقاء5.
 
إنّ أساس اهتمام سيّدات بلادنا بالقرآن ومشاركتهنّ في الساحة القرآنيّة، ظاهرة يجب أن توضع أمام أنظار المشاهدين والباحثين والناقدين والأصدقاء والمعارضين، كتوفيق ونجاح كبير لنظام الجمهوريّة الإسلاميّة؛ ليراها الجميع.

لا أظنّ أنّه يوجد في أيّ مكانٍ من العالم الإسلاميّ هذا الكمّ الكبير من الأنشطة القرآنيّة، وبهذا الدافع والحماسة. طبعًا، ليست لديّ معلومات دقيقة، ولم أُحقّق في المسألة، ولكن كما يسمع المرء من الإعلام العامّ، لا يوجد مثل هذا الشيء، ولو كان لبان. ولا أظنّ أنّ له مثيلًا في العالم الإسلاميّ. هذه ميزة مختصّة بكنّ فقط. كلّ هذا العدد من السيّدات الباحثات في مختلف قضايا القرآن، من القضايا العلميّة المحضة إلى القضايا التبليغيّة، والقضايا التربويّة، والشؤون الفنّيّة، هذا كلّه برأيي له قيمته. وإذا تحقّق الاقتراح الذي طُرح - ويجب أن يُدرس ويُنظر في أبعاده المختلفة - بإقامة مسابقات دوليّة، عندئذ ستتجلّى للعيان قيمة جهود المرأة الإيرانيّة في مجال القرآن. وهذه مفخرة، سواء للمرأة الإيرانيّة أو للجمهوريّة الإسلاميّة؛ أن تستطيع ممارسة مثل هذا النشاط الملحوظ في المجال القرآنيّ6.

إنّ نشر القرآن الكريم الذي هو مصدر انتشار نور الوحي الإلهيّ وروحانيّته وترويجه، هو بحدّ ذاته واجب، وكذلك هو عمل محبوب، وهو أيضًا مصدر افتخار ورفعة أولئك الذين نالوا توفيقه. ينبغي في هذا العمل، وتوازيًا مع أهمّيّته، الدقّة والالتزام بالأصول والموازين اللّازمة، ولا يصحّ أيّ إهمال في هذا المجال7.

لقد كُنتُ أقول دائمًا للإخوة الذين يعيشون خارج البلد، أنتم هنا (داخل الجمهوريّة الإسلاميّة) تتنفّسون في فضاء ثوريّ ودينيّ وإسلاميّ، كلّ شيء دينيّ هنا. وما يُقال عن وجود المظاهر غير الدينيّة، فإنّه في عداد الصفر مقابل الفضاء الدينيّ العامّ للبلد. ليس لأنّني لا أعلم ماذا يوجد - مثلًا وضع لباس بعضهم في بعض المناطق - ولكن هذه الأمور لا يُعتدّ بها في مقابل ذلك الحراك العامّ في البلد، والذي هو حراك دينيّ وقرآنيّ وإسلاميّ؛ ولو أنّ له تأثيرات مدمّرة، لكنّها لا شيء في المسار العامّ، فالفضاء فضاء دينيّ. ويُمكن تشبيه وضعكم عندما تخرجون من هنا برائد الفضاء الذي يخرج من أجواء الأرض، فرئتاه لا تزالان بحاجة إلى الهواء والأوكسجين، ولكنّ الأوكسجين في ذلك المكان مفقود، وعليه أنْ يؤمّن بنفسه ذخيرة له هناك، وأنْ يحفظ ارتباطه الضروريّ بالأرض. أنتم كذلك في الخارج. انتبهوا إلى عدم انخفاض معدّل الأوكسجين؛ أوكسجين التديّن والتقوى والورع والإيمان والتوكّل. وعليكم أنْ تكونوا على ارتباط دائم مع الجمهوريّة الإسلاميّة، وأنْ تُحافظوا على ارتباط يؤمّن لكم بلحاظ هذه الخصوصيّات المعنويّة، أي الإيمان والتديّن والتقوى، التغذية اللّازمة8.
 
توفير العلم ورفاهة العيش إلى جانب العزّة والسكينة
لقد أثبتت المدارس الفلسفيّة والمعرفيّة في العالم اليوم عجزها عن شأن البشريّة، وهي لا تهتدي سبيلًا. فتلك الماركسيّة ذاقت طعم الهزيمة والفناء، وهكذا الأمر بالنسبة إلى المدارس الغربيّة؛ إنّهم عاجزون. والدليل على عجزهم أنّه برغم ما يتمتّع به الغرب من علم وثروة وقوّة عسكريّة، غير أنّه لا وجود فيه للسعادة والسكينة والاطمئنان والاستقرار المعنويّ.

تلك إذًا وصفة فاشلة؛ وصفة عاجزة؛ أمّا القرآن وأحكام الإسلام، فيمنحان الإنسان العلم والرفاه والعزّة والسكينة: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ﴾9، ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ﴾10؛ وإضافةً إلى ما فيه من لذّة دنيويّة ورفاه مادّيّ وقوةّ علميّة، فهو يمنح السكينة والاطمئنان والاستقرار، وهذا ما جُرِّب في التاريخ، وهو قابل للتجربة في عصرنا الراهن. ففي إيران الإسلاميّة تقدّمنا خطوة صغيرة على هذا الصعيد، وقد لمسنا آثارها وشاهدنا بركاتها، وستزداد كلّما تقدّمنا أكثر إلى الأمام. هذا هو علاج الأمّة الإسلاميّة اليوم؛ فبدايتها وصراطها المستقيم هو القرآن الكريم نفسه11.
 
ماذا كان هدف الثورة؟ لقد كان هدف الثورة بناء إيران بهذه المواصفات التي سأُبيّنها: مستقلّة، حرّة، تتمتّع بالثروة والأمن، متديّنة وتتحلّى بالمعنويّات والأخلاق، متقدّمة في سباق المجتمع البشريّ الكبير، في العلم وسائر المجالات، وتتمتّع بالحرّيّة بكلّ معاني الحرّيّة. ليست الحرّيّة هي الحرّيّة الاجتماعيّة وحسب، مع أنّ الحرّيّة الاجتماعيّة من مصاديق الحرّيّة المهمّة، فالمقصود هو الحرّيّة الاجتماعيّة، وكذلك الحرّية بمعنى تحرّر البلد وراحته واستقلاله عن الأجانب وهيمنتهم - فأحيانًا، قد يبدو البلد مستقلًّا في الظاهر، لكنّه يكون مخترقًا - وكذلك الحرّيّة المعنويّة المتمثّلة بفلاح الإنسان وتساميه الأخلاقيّ وعروجه المعنويّ، الذي يُعدّ الهدف الأعلى أيضًا. كلّ الأعمال مقدِّمة لتكامل الإنسان وعروجه. هذا ينبغي أن يفصح عن نفسه في المجتمع الإسلاميّ.

إنّ إيرانَ، بهذه السمات، هي ما أرادته الثورة. اسألوا: من أين تستلّ الثورة هذه السمات؟ أين دوّنت؟ وأنا أُبيّن لكم: من كلمة الإسلاميّة؛ الإسلام أساسًا هو هذه الأمور. ومن يتصوّر أنّ الإسلام غير هذا، فإنّه لم يعرف الإسلام. من يظنّ أنّ الإسلام يُعنى بالجوانب المعنويّة فقط، أو بجانبٍ خاصٍّ منقوصٍ من الجوانب المعنويّة - العبادة والصيام والزهد والذِكر وما إلى ذلك - ولا يهتمّ لدنيا الناس ولذاتهم وحاجاتهم، فهو لم يعرف الإسلام بنحو صائب. ليس الإسلام كذلك. كلّ هذه الأمور التي ذكرناها، سواء أمور المجتمع الدنيويّة - كالعدالة والأمن والرفاه والتمتّع بالثروة والحرّية والاستقلال - أو أمور الآخرة - كالفلاح والتقوى والورع والرشد الأخلاقيّ والتكامل المعنويّ للإنسان - تندرج كلّها في كلمة الإسلاميّة.

تقول لنا الآية القرآنيّة: ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾12، وبركات السماء هي الفتوحات المعنويّة والرحمة الإلهيّة والقرب إلى الله، واستغفار ملائكة السماء وحملة العرش لعباد الله على الأرض. وبركات الأرض هي كلّ ما يرتبط بحياة الإنسان على الأرض؛ أي الحرّيّة والرفاه والاستقلال والأمن وسعة الرزق وسلامة البدن وما إلى ذلك. إذا وُجد الإيمان والتقوى تحقّقت للبشر تلك البركات. هذا هو الإسلام، وحينما نقول الثورة الإسلاميّة، فمعناه هو ما ذكرناه13.

تحقیق الحرّيّة الواقعيّة
لاحظوا أولئك الأفراد الجالسين في بيوتهم ولا يتعرّض لهم أحد، يتّصلون بأعداء الجمهوريّة الإسلاميّة من على بعد مئات الفراسخ لينشروا أباطيلهم في العالم. يتحدّثون باطلًا، ولا يتعرّض لهم أحد. فليتحدّثوا بباطلهم ما شاؤوا! فعندما تكون الأجواء أجواء الحقّ، والحاكميّة للحقّ، والشعب يوالي الحقّ، وقلبه يميل إليه، فلا ضير في أن يتكلّم الأفّاك بباطله، فنحن لا نتحسّس من ذلك، فالأمن للجميع، حتّى لمن لا ينسجم مع نظام الحقّ وديدنه. فأين نحن الآن وأين تلك الأيّام [في النظام البائد] التي كان ينعدم فيها الأمن حتّى للسائرين في ركاب الباطل؟!

هذه هي حكومة الإسلام وحكومة الحقّ، وهذا هو فضاء القرآن وفضاء الصلاة، فضاء ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾14، هذا هو فضاء الدين. هذا الفضاء هو أيضًا فضاء امتحان مرحلة الرفاه بالنسبة إلى شعبنا.. فحينما لا يتمكّن شيطان الداخل من إلحاق الضرر بنا، فلن يتمكّن شيطان الخارج من أن يحكمنا أو يوجّه ضرباته إلينا بسهولة. هذه هي رسالة شهر رمضان المبارك15.

التربية العامّة وتحقيق المجتمع القرآنيّ
نحن، في جمهوريّة إيران الإسلاميّة، قد سعينا أن نعمل بتعاليم القرآن، ولقد نجحنا بمقدارٍ ما. وبهذا المقدار نفسه أرانا الله تعالى آثار عملنا عيانًا؛ فالله تعالى لا يُخلف وعده: ﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا﴾16. إذا وعد الله تعالى المؤمنين بالنصر وباستخلافهم في الأرض وبالعزّة، فهذه وعود صادقة. والسبب في أنّنا لا نرى هذه الوعود [قد تحقّقت] في ميدان حياتنا، هو أنّنا لا نعمل بالشروط الإلهيّة، ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ﴾17. هكذا قال الله تعالى؛ هذا درس كبير لنا18.

نحن لا ندّعي أنّ ما لدينا اليوم هو الحياة الإسلاميّة بنحو كامل؛ ولكنّنا ندّعي أنّنا نسير باتّجاه تحقيق الحياة الإسلاميّة. منذ بداية الثورة إلى اليوم كانت الخطوط الأساسيّة لكلّ جهد مبذول وسعي حاصل إسلاميّة وقرآنيّة، ومجتمعنا بحمد الله، يتقدّم يوميًّا نحو صيرورته مجتمعًا إسلاميًّا، وهذه الحركة لم تتوقّف مطلقًا، وآمل أن لا تتوقّف أبدًا19.

لو تبدّل الناس لتبدّلت الدنيا. ولو تحقّق فيهم التبدّل العميق، فإنّ هذه الحركة ستستمرّ إلى الأبد. لو أنّ أخلاق الناس صارت أخلاقًا إسلاميّة وقرآنيّة لتحقّقت جميع الوعود القرآنيّة بشأن هذه الأمّة. نحن نُريد لهذا الطريق أن يستمرّ، ولهذه الحركة أن تدوم، حتّى بلوغ الأهداف النهائيّة؛ بأيّ واسطة؟ بالشعب المؤمن20.

تثمير الاستعدادات
نشكر الله على تفتّح البراعم اليافعة وازدهارها، في جميع أنحاء هذه الروضة الربّانيّة العظيمة والنامية بحجم إيران الإسلاميّة، بفضل القرآن والتعاليم الإسلاميّة. وهنا تكمن بركة النظام الإلهيّ والإسلاميّ والشعبيّ؛ حيث إنَّ القابليّات تتفجّر وتزدهر، ويطوي الناس مراحل غير معروفة وغير مسبوقة من الكمال البشريّ، فيتّجه المجتمع بالتدريج نحو الكمال. وكما أنّ البساتين تزدهر بفضل التربة الصالحة والغيث الذي يُنزله الله رحمةً منه، وعنايةِ الفلّاح الماهر، فتغدو مخضرّة ومليئة بالفاكهة والأزهار؛ كذلك هو الأمر بالنسبة إلى البساتين الإنسانيّة والبشريّة، فإنّها تُظهر هذا الازدهار والنضوج في بلدٍ حرٍّ ومستقلّ، وبفضل التربية القرآنيّة والإسلاميّة، وأمطار رحمة أحكام الإسلام النّورانيّة ومعارفه21.

إيجاد المعرفة القرآنيّة
إنّ الأنس بالقرآن يُعمّق المعرفة الإسلاميّة في أذهاننا ويُقوّيها. إنّ شقاء المجتمعات الإسلاميّة يعود إلى الابتعاد عن القرآن وحقائقه ومعارفه. إنّ وضع أولئك الأشخاص من المسلمين، الذين لا يفهمون معاني القرآن ولا يأنسون به، واضح؛ حتّى الذين ينطقون بلغة القرآن ويفهمونها، فإنّهم بسبب عدم التدبّر في آياته لا يُدركون حقائقه ولا يأنسون به. ترون أنّ آية: ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾22 تُقرأ في البلدان العربيّة وفي العالم أيضًا بواسطة الناطقين بالعربيّة، لكن لا يُعمل بها، إذ ليس هناك اهتمام أو تنبّه أو تدبّر في آيات القرآن، ولهذا، فإنّ الدول الإسلاميّة ما زالت متخلّفة.
 
القدرة على مواجهة عالم الكفر والطغيان
لو تأمّلنا في الآيات القرآنيّة، ستقوى إرادتنا وتزداد استقامتنا أكثر. إنّها الآيات القرآنيّة ذاتها التي استطاعت في يوم من الأيّام أن تُربّي أناسًا يُقارعون عالم الكفر والظلمات. إنّها تلك المعارف نفسها التي جعلت شعبنا العظيم قويًّا، وأعدّته لمواجهة عالم الجاهليّة الحديث المظلم - الجاهليّة الحديثة؛ جاهليّة القرن العشرين. وأنا آمل أن يقترب شعبنا أكثر من القرآن والحقائق القرآنيّة يومًا بعد يوم23.

إنّ السبب في تمكّننا، نحن شعب إيران، من الصمود والمقاومة في مواجهة هجمات العدوّ المختلفة بكلّ صعوباتها، على مدى السنوات العشر بعد الثورة، وإلحاقنا المزيد من الخسائر به، هو سيادة الروح الثوريّة والتقوى، ووحدة الكلمة بين أفراد شعبنا، ببركة الدين والإيمان والثورة والإسلام، والتربيةِ القرآنيّةِ والإسلاميّةِ للإمام العظيم الراحل، الذي كانت أقواله وكلماته وأفكاره انعكاسًا واضحًا لمفاد القرآن والإسلام ومضمونهما24.

تمتين البنية الدينيّة لمواجهة الغزو العقائديّ للعدوّ
إذا ما أنِس الشابّ المسلم بالقرآن، ومنح نفسه فرصة التدبّر فيه، فسيبطل أثر الكثير من الشبهات التي يُثيرها الأعداء. بالطبع، على جميع الأجهزة الثقافيّة في البلاد أن تُقدّم العون. فلا بدّ من تصنيف المفاهيم القرآنيّة من قِبَل ذوي الخبرة في هذا المجال ودمجها، حیث محلّها المناسب في الكتب الدراسيّة، سواء في المدارس أو في الجامعات. هذا الترابط يجب أن يكون مستمرًّا ودائمًا25.

محاربة الظلم والاستكبار
هناك أصل حاكم على فكرنا، نحن المسلمين، وهو النّفور من الظلم والظالم، ومحاربة الظلم والظالم أينما كان في هذا العالم. انظروا كم ارتكب الأمريكيّون من الظلم! وكم أنشأوا من الظالمين! وكم ظلموا الشعوب! ماذا فعلوا بشعب فلسطين! كيف أطلقوا العنان لإسرائيل! ماذا فعلوا باللّبنانيّين! وماذا فعلوا بالمسلمين في بلادهم وأينما وصلوا إليهم! ماذا فعلوا بالشعوب المستضعفة! فهل يُمكن غضّ الطرف عن كلّ هذه الجرائم؟ هذه هي القضيّة. إنّ محاربة الاستكبار مسألة مبدئيّة. ويوم محاربة الاستكبار، الذي يُعتبر يوم عداء لأمريكا، مبناه هو هذه الأمور التي ذكرت، وهذا النهج مستمرّ. فما دام نظام الجمهوريّة الإسلاميّة يسير في الخطّ الصحيح، وما دامت الأهداف القرآنيّة والإلهيّة والإسلاميّة حاكمة على هذا النظام، فسيظلّ هذا الرفض والمواجهة لقادة الاستكبار العالميّ، وعلى رأسه أمريكا، على أشدّه26.
 
هناك نوعان من الإسلام، وقد يتشابه بعض مظاهرهما، لكنّ روحهما ووجهتهما ليست واحدة: الأوّل هو الإسلام الواقعيّ والقرآنيّ والمحمّديّ الأصيل؛ إنّه الإسلام الذي يدعو أتباعه إلى وضعٍ جديدٍ في الحياة، ولا یرضخ لأصحاب السلطة ورؤساء الشرق والغرب. والنوع الآخر يحمل اسم الإسلام نفسه ومظاهره، لكنّه يخضع بسهولة لأمريكا والغرب والشرق، كإسلام هؤلاء المتغطرسين المسلَّطين على بعض الدول الإسلاميّة. إنّ هؤلاء يتكلّمون عن الإسلام أيضًا، لكنّ الإسلام بالنسبة إليهم كمثل دكّان أو وسيلة للحياة والقوّة؛ وإلّا لو كان الإسلام إسلام القرآن، لرفض صراحة هيمنة أمريكا على مخازن النفط ومصير المسلمين27.

رواج الفكر القرآنيّ يغلب على كلّ ما سواه
نحن لم نصل إلى أهدافنا بعد. إنّنا لا نزال بعيدين جدًّا عن ذلك المشهد العظيم الذي سيظهر جرّاء انتشار الفكر الإسلاميّ الذي رسمه الله لنا في آيات قرآنيّة: ﴿لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾28. والطريق هو هذا؛ طريق الجهاد والسعي والعلم والعمل، طريق الإخلاص والصفاء والذكر والتوجّه إلى الله، طريق التوسّل بأهل البيت، وطريق الإبقاء على القيم والتراث الإسلاميّ حيًّا؛ لا في القلب والذهن وحسب، بل في العمل أيضًا؛ فإنّ هذا ما يوصلنا إلى تلك النتائج والأهداف29.


هوامش
1- من خطابه في لقاء جمع من أهالي الشهداء والجرحى ومختلف شرائح المجتمع وجمع من مسؤولي الإدارات والمؤسّسات في مدن طهران، شهداء كرمان، قمّ، ومسؤولي جامعة هنر الفنّ- وطلّابها 23/10/1391هـ.ش.
2- سورة الحجّ، الآية 41.
3- من خطابه في لقاء جمع غفير من مختلف شرائح أهل قمّ بمناسبة حلول يوم 19 دي يوم قيام أهل قمّ- 9/1/1390هـ.ش.
4- من خطابه في لقاء وكلاء النظام ومسؤوليه وضيوف مؤتمر الوحدة الإسلاميّة 26/8/1394هـ.ش.
5- من خطابه في لقاء فئة من مجاهدي التعبئة النّخبة على صعيد البلد 26/11/1389هـ.ش.
6- من خطابه في لقاء جمع من سيّدات البلد الباحثات في القرآن 20/10/2009هـ.ش.
7- من كلامه في تكريم المعنيّين بإقامة معرض القرآن في متحف الفنون المعاصرة 5/2/1397هـ.ش.
8- من خطابه في لقاء مسؤولي وزارة الخارجيّة والسفراء والقائمين بالأعمال للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة 9/7/1391هـ.ش.
9- سورة الفتح، الآية 4.
10- سورة الفتح، الآية 26.
11- من خطابه في المراسم الاختتاميّة لمسابقات حفظ القرآن الكريم وتلاوته 30/10/2000م.
12- سورة الأعراف، الآية 96.
13- من خطابه في لقاء أساتذة جامعات شيراز وطلّابها 3/5/2008م.
14- سورة الحجّ، الآية 41.
15- من خطابه في خطبة صلاة الجمعة في جامعة طهران 18/2/1394هـ.ش.
16- سورة النساء، الآية 122.
17- سورة البقرة، الآية 40.
18- من خطابه في لقاء المشتركين في المسابقات القرآنيّة 25/7/2009م.
19- من خطابه في لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة 2/3/1392هـ.ش.
20- من خطابه في لقاء جمع من علماء الدين وأئمّة الجماعات ووعّاظ المناطق المختلفة في البلد على عتبة حلول شهر رمضان المبارك 13/3/1391هـ.ش.
21- من خطابه في مراسم تخريج طلّاب جامعة الضباط افسري- 27/10/1396هـ.ش.
22- سورة النساء، الآية 141.
23- من خطابه في مراسم تخريج طلاب جامعة الضباط 27/10/1396هـ.ش.
24- من خطابه في لقاء جمع من التعبئة وعلماء الدين في طهران وطلّاب أهل السنّة في محافظة خراسان ومختلف شرائح الشعب في كردستان ومسؤولي الجمرك والعاملين فيه، ووفد من أعضاء حزب الله- لبنان 27/9/1389هـ.ش.
25- من خطابه في لقاء جمع من حفّاظ القرآن وقارئيه اليافعين والناشئة 19/9/2001م.
26- من خطابه على عتبة ذكرى اقتحام وكر التجسّس الأمريكيّ واليوم الوطنيّ لمحاربة الاستكبار 2/11/1394هـ.ش.
27- من خطابه في لقاء أئمّة الجمعة وعلماء الدين والمسؤولين ومختلف شرائح المجتمع والمعنيّين بأحداث حسينيّة الإمام الخمينيّ 22/11/1389هـ.ش.
28- سورة التوبة، الآية 33.
29- من خطابه في اجتماع طلبة الحوزة العلميّة في قمّ وفضلائها 20/2/1392هـ.ش.


239 مشاهدة | 25-03-2019