الجمعة 22 تشرين الثاني 2019 الموافق لـ 18 ربيع الاول 1441هـ

» نداءات الحوزة العلمية

بيان الإمام الخامنئي الموجّه للشباب: الخطوة الثانية للثورة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمین، والصلاة والسلام علی سیدنا محمد وآله الطاهرین وصحبه المنتجبین ومن تبعهم بإحسان إلی یوم الدین.

من بین کل الشعوب الخاضعة للجور قلما یعقد شعب عزیمته وهمته للقیام بثورة، ومن بین الشعوب التی ثارت ونهضت قلما شوهد شعب استطاع أن یبلغ بمهمته طور النهایة والتمام ویحافظ علی مبادئ الثورة بعد تغییره أنظمة الحکم. بید أن ثورة الشعب الإیرانی العظیمة وهی أکبر الثورات فی العصر الحدیث وأکثرها شعبیة، هی الثورة الوحیدة التی أمضت أربعین عاماً زاخرة بالمفاخر والأمجاد من دون خیانة لمبادئها، وصانت کرامتها وأصالة شعاراتها مقابل کل الوساوس والإغراءات التی بدت وکأنها عصیة علی المقاومة، ودخلت الآن فی المرحلة الثانیة من البناء الذاتی وبناء المجتمع وصناعة الحضارة. تحیة من أعماق الفؤاد لهذا الشعب وللجیل الذی بدأ هذا المشوار وواصله وللجیل الذی دخل الآن عملیة عالمیة کبری تتمثل بالأربعین عاماً الثانیة من عمر الثورة.

یوم کان العالم مقسماً بین الشرق والغرب المادیین ولم یکن أحد یتصور وقوع نهضة دینیة کبری، نزلت الثورة الإسلامیة الإیرانیة إلی الساحة باقتدار وعظمة وحطمت الأطر التقلیدیة وأثبتت للعالم تهرؤ الکلیشات، وطرحت الدین والدنیا إلی جانب بعضهما وأعلنت عن بدایة عصر جدید. وکان من الطبیعی أن یبدی زعماء الضلال والجور ردود أفعالهم غیر أن ردود الأفعال هذه کتب لها الإخفاق. کل ما قام به الیسار والیمین الحداثوی من التظاهر بسماع هذا الصوت الجدید والمختلف إلی السعی الواسع والمتنوع لإخماده، کلما اقتربا إلی أجلهما المحتوم أکثر فأکثر. والآن بعد مضی أربعین حفلاً سنویاً للثورة وأربعین من عشرات الفجر، زال أحد قطبی العداء المذکورین وراح الآخر یتخبط فی مشکلات تنم عن قرب احتضاره! أما الثورة الإسلامیة فلا تزال تواصل تقدمها إلی الأمام محافظةً علی شعاراتها والالتزام بها.

یمکن افتراض عمر مفید وتاریخ استهلاک لکل شیء إلا أن الشعارات العالمیة لهذه الثورة الدینیة استثناء لهذه القاعدة، فهی لن تبقی عدیمة الفائدة وعدیمة الاستخدام أبداً لأن فطرة الإنسان ممتزجة بها فی جمیع العصور. فالحریة والأخلاق والمعنویة والعدالة والاستقلال والعزة والعقلانیة والأخوة لا تختص أی منها بأی جیل أو مجتمع دون غیره حتی تتألق وتزدهر فی حقبة وتأفل فی حقبة أخری. لا یمکن أبداً تصور شعب یعرض عن هذه الآفاق المبارکة. ومتی ما حصلت حالة إعراض أو تبرم کان السبب إعراض المسؤولین عن هذه القیم الدینیة ولیس الالتزام بها والسعی لتحقیقها وتطبیقها.

الثورة الإسلامیة بوصفها ظاهرة حیة وذات إرادة کانت دوماً مرنة ومستعدة لتصحیح أخطائها لکنها لا تتقبل إعادة النظر ولا الانفعال. إنها تبدی الحساسیة الإیجابیة حیال النقد وتعتبره نعمة من الله وتحذیراً لأصحاب الکلام من دون عمل، لکنها لا تبتعد إطلاقاً وبأیة ذریعة عن قیمها الممتزجة والحمد لله بالإیمان الدینی للناس. لم تمنی الثورة الإسلامیة بعد بنائها للنظام بالرکود والخمول والانطفاء ولن تمنی، ولا تری تضاداً أو عدم انسجام بین الغلیان الثوری والنظام السیاسی والاجتماعی، بل تبقی تدافع إلی الأبد عن نظریة النظام الثوری.

لیست الجمهوریة الإسلامیة متحجرة وعدیمة الإحساس والإدراک مقابل الظواهر والظروف المتجددة، لکنها ملتزمة أشد الالتزام بأصولها ومبادئها، وتتحسس بشدة لحدودها الفاصلة بینها وبین منافسیها وأعدائها. لیست عدیمة الاکتراث إطلاقاً لخطوطها الأصلیة، ومن المهم بالنسبة لها لماذا تبقی وکیف تبقی. ولا شک فی أن البون بین ما ینبغی وما هو واقع عذب ویعذب الضمائر المبدئیة الحرة دوماً، بید أن هذا البون ممکن الردم والطی وقد تم طیه فی بعض الحالات طوال الأعوام الأربعین الماضیة، ولا شک أنه سیطوی ویردم باقتدار أکبر بفضل تواجد ومشارکة الجیل المؤمن المتدین العالم المتحفز.

الثورة الإسلامیة للشعب الإیرانی مقتدرة لکنها عطوفة ومتسامحة بل حتی مظلومة. ولم ترتکب ممارسات متطرفة وانحرافیة سببت العار لکثیر من النهضات والحرکات. ولم تطلق الرصاصة الأولی فی أیة معرکة حتی مع أمریکا وصدام، وعملت فی کل الحالات علی الدفاع عن نفسها بعد هجوم العدو علیها، وبالطبع فقد سددت الضربات فی ردودها بقوة. لم تکن هذه الثورة منذ بدایاتها وإلی الیوم عدیمة الرحمة ولا سفاکة ولم تکن فی الوقت ذاته منفعلة ولا مترددة. وقفت بصراحة وشجاعة مقابل العتاة والمتعسفین ودافعت عن المظلومین والمستضعفین. هذه المروءة والفتوة الثوریة وهذا الصدق والصراحة والاقتدار وهذه المدیات من الفعل العالمی والإقلیمی إلی جوار مظلومی العالم لهو مبعث شموخ وفخر لإیران والإیرانیین، وسیبقی کذلک إلی الأبد.

والآن ونحن فی مطلع فصل جدید من حیاة الجمهوریة الإسلامیة أرغب أن أتحدث مع الشباب الأعزاء الجیل الفاعل فی ساحة العمل من أجل أن یبدأ جانباً آخر من الجهاد الکبیر لبناء إیران الإسلامیة الکبری. کلامی الأول حول الماضی.

أعزائی، لا یمکن معرفة المجهول إلا عن طریق التجربة أو الإصغاء لتجارب الآخرین. الکثیر مما شهدناه وجربناه لم یجربه جیلکم بعد ولم یشهده. لقد شهدنا وسوف تشهدون. عقود المستقبل هی عقودکم وأنتم من یجب أن تحموا ثورتکم بخبراتکم وتحفزکم وتقربوها أکثر ما یمکن من مبدئها الکبیر ألا وهو إیجاد حضارة إسلامیة حدیثة والاستعداد لبزوغ شمس الولایة العظمی (أرواحنا فداه). من أجل قطع خطوات راسخة فی المستقبل ینبغی معرفة الماضی بشکل صحیح واستلهام الدروس والعبر من التجارب. وإذا حصلت غفلة عن هذه الاستراتیجیة فستحل الأکاذیب محل الحقیقة، وسیتعرض المستقبل لتهدیدات مجهولة. یعمل أعداء الثورة بدوافع قویة علی تحریف الماضی وحتی الحاضر ونشر الأکاذیب، ویستخدمون لأجل ذلک الأموال وکل الأدوات والوسائل. وقطاع طریق الفکر والعقیدة والوعی کثار ولا یمکن سماع الحقیقة من العدو وجنوده.

لقد انطلقت الثورة الإسلامیة والنظام المنبثق منها من نقطة الصفر. أولاً کان کل شیء ضدنا سواء نظام الطاغوت الفاسد الذی کان بالإضافة إلی تبعیته وفساده واستبداده وانقلابیته أول نظام ملکی فی إیران یتولی الحکم فی إیران علی ید الأجانب ولیس بقوة سیوفه، أو الحکومة الأمریکیة وبعض الحکومات الغربیة الأخری، أو الوضع الداخلی الشدید الاضطراب وحالات التخلف المخجلة فی مجالات العلم والتقنیة والسیاسة والمعنویة وکل الفضائل الأخری.

ثانیاً لم یکن أمامنا أیة تجربة سابقة وطریق تم سلوکه، ومن البدیهی أن الانتفاضات المارکسیة وأمثالها لا یمکنها أن تعد نموذجاً لثورة نبعت من صمیم الإیمان والمعرفة الإسلامیة. لقد بدأ الثوار الإسلامیون مشروعهم من دون نماذج وتجارب، ولم تتأتی الترکیبة بین الجمهوریة والإسلام وأدوات تشکیلها وتقدمها إلا بالهدایة الإلهیة وبفضل القلب النیر والأفکار الکبیرة للإمام الخمینی. وقد کان هذا أول تألق للثورة.

وعندها بدلت ثورة الشعب الإیرانی عالم القطبین آنذاک إلی عالم ثلاثی الأقطاب، ثم بسقوط الاتحاد السوفیتی وأقماره وغیابهم وظهور أقطاب قوة جدیدة أضحی التقابل الثنائی الجدید بین الإسلام والاستکبار الظاهرة البارزة فی العالم المعاصر ومحط اهتمام شعوب العالم. فقد تسمرت علیه من ناحیة الأنظار الآملة للشعوب الرازحة تحت نیر الجور والتیارات المطالبة بالتحرر فی العالم وبعض الحکومات التائقة للاستقلال، ومن ناحیة أخری تسمرت علیه الأنظار الحاقدة والسیئة الطویة للأنظمة التعسفیة والعتاة المبتزین فی العالم. وهکذا تغیر مسار العالم وأیقظ زلزال الثورة الفراعنة النائمین بارتیاح علی أسرّتهم، فانطلقت حالات العداء بکل قوة ولو لا قوة الإیمان العظیمة ودوافع هذا الشعب والقیادة السماویة المؤیدة للإمام الخمینی العظیم لما أمکن المقاومة حیال کل هذه الأمواج من الخصومة والشقاوة والمؤامرات والخبث.

علی الرغم من کل هذه المشکلات الاستنزافیة قطعت الجمهوریة الإسلامیة یوماً بعد یوم خطوات أوسع وأرسخ نحو الأمام. وقد کانت هذه الأعوام الأربعون حافلة بکثیر من حالات الجهاد الکبیر والمفاخر المتألقة والتقدم المذهل فی إیران الإسلامیة. ویمکن استکناه عظمة التقدم الذی حققه الشعب الإیرانی فی هذه الأعوام الأربعین بصورة صحیحة عندما تقارن هذه الحقبة بالأحقاب المشابهة لها فی ثورات کبری من قبیل الثورة الفرنسیة وثورة أکتوبر السوفیتیة وثورة الهند. لقد أوصلت الإدارة الجهادیة المستلهمة من الإیمان الإسلامی والإیمان بمبدأ «نحن قادرون» الذی علمه الإمام الخمینی الجلیل لنا جمیعاً، أوصلت إیران إلی العزة والتقدم علی جمیع الأصعدة.  

لقد أنهت الثورة إنحطاطاً تاریخیاً طویل الأمد وبدأت البلاد التی تعرضت خلال العهدین البهلوی والقاجاری لأشد درجات الهوان والتخلف بدأت تسیر فی طریق التقدم السریع، وفی الخطوة الأولی بدلت الثورة النظام الملکی الاستبدادی المخزی إلی حکم شعبی وسیادة شعبیة، وأدخلت عنصر الإرادة الوطنیة الذی یمثل روح التقدم الشامل والحقیقی إلی مرکز إدارة البلاد، ثم جعلت الشباب اللاعبین الأصلیین فی الأحداث وأخذت بأیدیهم إلی وسط الساحة، ونقلت روح وعقیدة «نحن قادرون» إلی الجمیع، وبفضل الحظر الذی فرضه الأعداء علمت الجمیع الاعتماد علی القدرات الداخلیة، فکان هذا مصدر خیرات وبرکات کبیرة:

أولاً: ضمنت استقرار البلاد وأمنها ووحدة أراضیها وصیانة حدودها التی تعرضت لتهدیدات جادة من قبل الأعداء، وخلقت معجزة الانتصار فی حرب الأعوام الثمانیة وهزیمة النظام البعث وحماته الأمریکان والأوربیین والشرقیین.

ثانیاً: أضحت الداینمو المحرک للبلاد فی میادین العلم والتقانة وتوفیر البنی التحتیة الحیویة والاقتصادیة والعمرانیة التی راحت ثمارها الیانعة تزداد وتتضاعف یوماً بعد آخر. وقد کانت آلاف الشرکات العلمیة المحور، وآلاف المشاریع الخاصة بالبنی التحتیة والضروریة للبلاد فی مجالات العمران والنقل والمواصلات والصناعة والطاقة والمعادن والصحة والزراعة والمیاه وغیرذلک، وملایین التخریجین الجامعیین أو الدارسین الحالیین، وآلاف الوحدات الجامعیة فی شتی أرجاء البلاد، وعشرات المشاریع الکبیرة من قبیل دورة الوقود النووی، والخلایا الجذعیة، وتقنیات النانو، وتقنیات الأحیاء، وغیر ذلک، وبرتب أولی علی مستوی العالم کله، وازدیاد الصادرات غیر النفطیة إلی ستین ضعفاً، وزیادة الوحدات الصناعیة إلی ما یقارب العشرة أضعاف، وارتفاع درجة جودة الصناعات إلی عشرات الأضعاف، وتبدیل الصناعات التجمیعیة إلی تقنیات محلیة، والتمیز المحسوس فی الحقول الهندسیة المتنوعة بما فی ذلک الصناعات الدفاعیة، والتألق فی الفروع الطبیة المهمة والحساسة واکتساب موقع مرجعی فیها، وعشرات النماذج الأخری من التقدم، کانت کلها حصیلة تلک الروح وتلک المشارکة وذلک الشعور الجمعی الذی حققته الثورة للبلاد. لقد کان إیران قبل الثورة فی درجة الصفر من حیث إنتاج العلم والتقانة، ولم یکن لها فی الصناعة من میزة سوی التجمیع والمونتاج وفی العلوم سوی الترجمة.

ثالثاً: ارتفعت بالمشارکة الشعبیة فی القضایا السیاسیة من قبیل الانتخابات ومواجهة الفتن الداخلیة والتواجد فی الساحات الوطنیة ومقارعة الاستکبار إلی الذروة، وزادت بنحو ملحوظ من النشاط فی الشؤون الاجتماعیة من قبیل المساعدات والنشاطات الخیریة التی کانت قد انطلقت منذ ما قبل الثورة. وبعد الثورة صار الناس یشارکون بشوق فیما یشبه السباق لتقدیم الخدمات فی الأحداث الطبیعیة والنواقص الاجتماعیة.

رابعاً: رفعت الثورة مستوی الرؤیة السیاسیة لأبناء الشعب ونظرتهم للقضایا الدولیة بنحو مذهل. وأخرجت عملیات التحلیل السیاسی وفهم القضایا الدولیة فی موضوعات من قبیل جرائم الغرب وخصوصاً أمریکا وقضیة فلسطین والظلم التاریخی الذی حل بهذا الشعب وقضیة إثارة القوی التعسفیة للحروب وممارساتها الرذیلة وتدخلاتها فی شؤون الشعوب وما إلی ذلک، أخرجتها من حصریة شریحة محدودة ومعزولة اسمها المستنیرون، فانتشرت مثل هذه الاستنارة بین عموم الشعب وفی کل البلاد وعلی کل مستویات الحیاة، وأضحت مثل هذه القضایا واضحة ممکنة الفهم حتی من قبل الأحداث والیافعین.

خامساً: رجحت کفة العدالة فی توزیع خیرات البلاد العامة. ینبغی أن لا یفهم من عدم رضای عن فاعلیة العدالة فی البلاد لأن هذه القیمة السامیة (العدالة) یجب أن تتألق کجوهرة فذة علی جبهة نظام الجمهوریة الإسلامیة، وهو ما لم یحصل بعد، ینبغی أن لا یفهم منه عدم حصول شیء من أجل تکریس العدالة. والواقع أن مکتسبات الکفاح ضد اللاعدالة خلال هذه العقود الأربعة لا یمکن مقارنته بأی حقبة أخری فی الماضی. فی نظام الطاغوت کانت أکثر الخدمات والدخول فی البلاد تختص بفئة صغیرة من سکان العاصمة أو أمثالهم فی مناطق أخری من البلاد. وکان أهالی معظم المدن وخصوصاً المناطق النائیة والقری والأریاف فی نهایة القائمة وغالباً ما کانوا محرومین من احتیاجاتهم الأولیة والأساسیة والخدمیة. وتعد الجمهوریة الإسلامیة من أنجح الحکومات والدول فی العالم فی نقل الخدمات والثروة من المرکز إلی کل أنحاء البلاد ومن مناطق المرفهین فی المدن إلی مناطق المحرومین. وإن الإحصائیات والأرقام الکبری لمد الطرق وبناء البیوت وتشیید المراکز الصناعیة وإصلاح الشؤون الزراعیة وإیصال الکهرباء والماء والمراکز العلاجیة والوحدات الجامعیة وبناء السدود ومحطات الطاقة وما إلی ذلک فی أقصی مناطق البلاد لهی أرقام تبعث علی الفخر والاعتزاز حقاً. ولا شک أن کل هذا لم ینعکس فی الإعلام الناقص للمسؤولین ولم تعترف به ألسنة الخصوم الخارجیین والداخلیین، إلا أنه واقع قائم وموجود وهو حسنة للمدراء الجهادیین المخلصین عند الله وعند الناس. طبعاً العدالة المتوقعة فی الجمهوریة الإسلامیة التی ترغب أن تعرف باتباعها للحکومة العلویة أکثر من هذا بکثیر، وأعین الأمل فی تحقیقها مسمرة علیکم أیها الشباب، وهو ما سوف أتطرق له فی تتمة الکلام.

سادساً: رفعت من مستوی المعنویة والأخلاق فی أجواء المجتمع العامة بشکل ملحوظ. سلوک حضرة الإمام الخمینی وطباعه طوال فترة الکفاح وبعد انتصار الثورة کان له السهم الأوفر فی إشاعة هذه الظاهرة المبارکة. لقد تولی ذلک الإنسان المعنوی العارف الورع المنزه عن الزخارف الدنیویة رئاسة بلاد أرصدة إیمان شعبها ذات جذور عمیقة للغایة. مع أن ید تطاول الدعایات المروجة للفساد والتحلل طوال العهد البهلوی وجه لهذه الأرصدة ضربات شدیدة وجلب مستنقعاً من الأدران الأخلاقیة الغربیة إلی داخل حیاة الناس المتوسطین وخصوصاً الشباب، إلا أن المنحی الدینی والأخلاقی فی الجمهوریة الإسلامیة اجتذب القلوب الموهوبة والنورانیة ولا سیما الشباب فتغیرت الأجواء لصالح الدین والأخلاق. وقد ترافق جهاد الشباب فی المیادین الصعبة بما فی ذلک ساحة الدفاع المقدس مع ذکر الله والدعاء وروح الأخوة والإیثار، وأحیی أحداث صدر الإسلام ووضعها نصب أعین الجمیع. وقد ضحی الآباء والأمهات والزوجات بفعل شعورهم بالواجب الدینی عن أحبائهم الذین سارعوا لجبهات الجهاد المتنوعة، وبعد ذلک عندما واجهوا جثامینهم الدامیة أو أجسامهم المعاقة أرفقوا المصیبة بالشکر. واکتسبت المساجد والأجواء الدینیة ازدهاراً غیر مسبوق. وامتلأت طوابیر الاعتکاف من آلاف الشباب والأساتذة والطلبة الجامعیین والنساء والرجال کما امتلأت طوابیر المخیمات الجهادیة وجهاد البناء وتعبئة البناء من آلاف الشباب المتطوعین المضحین. وازدهرت أعمال الصلاة والحج والصیام والمشی للزیارة والمراسم الدینیة المختلفة والإنفاقات والصدقات الواجبة والمستحبة فی کل مکان وخصوصاً بین الشباب، وهی إلی الیوم فی ازدیاد وازدهار مطرد من حیث العدد والنوعیة. وقد حدث هذا کله فی زمن حشر فیه السقوط الأخلاقی المتزاید للغرب وأتباعه ودعایاتهم الهائلة لجر الرجال والنساء إلی مستنقعات الفساد، حشر الأخلاق والمعنویة فی زوایا العزلة فی مناطق کثیرة من العالم، فکانت هذه معجزة أخری للثورة ونظامها الإسلامی الناشط الریادی.


521 مشاهدة | 13-02-2019