الثلاثاء 26 آذار 2019 الموافق لـ 20 رجب 1440هـ

» نداءات الحوزة العلمية

واجبات المؤسّسات الاجتماعيّة تجاه القرآن الكريم



تمهيد
ينبغي ضمن هذا الإطار، الدخول في البناء القرآنيّ والنهوض بالمهامّ الأساسيّة، وذلك من أجل أن يكون المحتوى قرآنيًّا بالمعنى الحقيقيّ للكلمة؛ سلوكنا الفرديّ، وسلوكنا الإداريّ، وسلوكيّاتنا المؤسّساتيّة، وسلوكنا في التربية والتعليم - أي أجهزة التربية والتعليم، بما في ذلك الجامعات ومراكز البحث والحوزات وغيرها - وسلوكنا داخل العائلة، وسلوكنا السياسيّ، وسلوكنا الدوليّ؛ يجب أن يكون كلّ هذا على أساس الإسلام. فمتى سيتحقّق ذلك؟ حينما نكون قد تعرّفنا إلى المفاهيم القرآنيّة بشكل صحيح. وهو العمل نفسه الذي يتحقّق بهذه الحركة البحثيّة القرآنيّة العظيمة، سواء في جانبها النسائيّ أو الرجاليّ. هذا هو الاتّجاه المنشود الذي ينبغي للدراسات والبحوث أن تسير فيه1.

دور الأسرة
لقد رأيت في برامج هذين اليومين أو الثلاثة التي بُثّت، أنّ أطفالنا الصغار قد حفظوا القرآن مع خصوصيّات الآية والسورة، صفحة صفحة، وسطرًا سطرًا. إنّه عمل لافت جدًّا، وجميل جدًّا. ينبغي في الواقع أن نُكرّم ونُقدّر آباء هؤلاء الأطفال وأمّهاتهم. فمن المهمّ جدًّا أن يتعامل الإنسان هكذا مع أبنائه، ويُربّيهم على هذا النحو؛ هذه أمور تبقى2.

نشكر الله على أن تحقّق في بلادنا يومٌ تتوجّه فيه هذه المجموعة العظيمة من سيّدات البلاد، وبدافع عميق ومنطقيّ وعلميّ، نحو القرآن، ونحو فهم القرآن، والترويج له والبحث فيه، فيُعطينَ رونقًا للجوّ القرآنيّ للبلد بهذا الشكل. لا شكّ في أنّ هذه موهبة كبرى منَّ الله بها على بلادنا.

أرجو أن يُعلّم الآباء والأمّهات أولادهم الصغار القرآن ويهتمّوا بذلك... يجب أن يستقرّ القرآن في الصدور حتّى ينفذ في القلوب، ويتجلّى في أجواء المجتمع3.

دور المرأة
إنّ مشاركتكنّ في مجال العمل القرآنيّ سوف تُلهم المجتمع النسائيّ في التوجّه نحو القرآن إن شاء الله. وإذا تحقّق الأنس بالقرآن لدى النساء فسيتمّ علاج الكثير من مشكلات المجتمع، لأنّ أفراد جيل المستقبل سيتربّون في أحضان النساء. وإنّ المرأة التي لديها المعرفة والأنس بالقرآن، والمتعلّمة لمفاهيم القرآن، يُمكنها أن تكون مؤثّرة جدًّا في تربية أبنائها. ونسأل الله ببركة حركتكنّ وأنشطتكنّ العظيمة هذه، أن يغدو مجتمعنا في المستقبل مجتمعًا قرآنيًّا أكثر بكثير ممّا هو عليه اليوم4.

إنّ السبب وراء تأكيد الإسلام بهذا القدر، دور المرأة داخل الأسرة، هو أنّ المرأة فيما لو التزمت بأسرتها واعتنت بها، وأولت تربية أبنائها الأهمّيّة اللّازمة، فكانت حاضرة معهم وأرضعتهم وأنشأتهم في حضنها وزوّدتهم بالمؤونة الثقافيّة - القصص والأحكام والحكايات القرآنيّة والأحداث الملهمة - وغذّتهم بها كلّما سنحت الفرصة كالأغذية الجسمانيّة، فإنّ أجيال ذلك المجتمع ستكون راشدة متسامية. هذا فنّ المرأة، وهو لا يتنافى مع الدرس والتدريس والعمل ودخول ميدان السياسة وأمثال هذه الأنشطة5.

الشعراء والمنشدون
خذوا المعارف الإسلاميّة والقرآنيّة السامية من القرآن نفسه، ومن نهج البلاغة، ومن بعض روايات أهل البيت عليهم السلام، روايات أصول الكافي في بعض الأبواب، واسعوا للأُنس بهذه المصادر. فللشعر الملتزم نطاق واسع جدًّا، ويُمكنكم أن تؤثّروا في الوعي العامّ للمجتمع6.

فإنّ التعرّف إلى القرآن والحديث هو وصيّتنا للجميع. لكنّ مبلّغي الدين وشريحة المدّاحين هم بالطبع مختصّون بهذا الخطاب. يجب أن يأنسوا بالقرآن. فاحرصوا على قراءة القرآن، واقرأوه بالالتفات إلى الترجمة، واحفظوا هذه الترجمة. دوّنوا الآيات التي تنطوي على نصيحة وتتضمّن معرفة ما ويفهمها الإنسان، وسجّلوها واستفيدوا منها، واذكروها واعملوا بها، وهكذا الأمر بالنسبة إلى الحديث7.

الشاعر في هذا الزمان، المتميّز بخصائص، يحتاج إلى معرفة دينيّة عميقة. لقد أصبحت اليوم الكثير من الشعوب تعتبركم نموذجًا وأسوة لها، سواءٌ صدّقتم ذلك أو لم تُصدِّقوه. إنّ هذه الصحوة الإسلاميّة التي تُشاهدونها، سواءٌ قُلنا ذلك أو لم نقله، وسواءٌ أظهرنا ذلك أو لم نُظهره، وسواءٌ أظهره الآخرون أو لم يُظهروه، هي متأثّرة بالحركة العظيمة التي قام بها الشعب الإيرانيّ. إنّ هذه الثورة العظمى، هذه الثورة الكبرى، هذا التحوّل الهادم لأبنية السُّنن الطاغوتيّة والنظام الطاغوتيّ ونظام الاستبداد، قد حوّل الشعب الإيرانيّ إلى أسوة. إذا أردتم أن تعملوا بلوازم كونكم أسوة ونموذجًا، فيجب أن تُعمّقوا معرفتكم الدينيّة والإسلاميّة، وهذا ما كان موجودًا في ماضينا الشعريّ. انظروا إلى شعرائنا البارزين، لا أقول إنّهم جميعًا كذلك، ولكن أغلبهم، من فردوسي إلى مولوي وسعدي، إلى حافظ وجامي. ففردوسي هو الحكيم أبو القاسم فردوسي، إنّه شخص قصّاص، ولو كان قصّاصًا ومنشدًا للملاحم وحسب، لما قالوا "الحكيم". ولم نكن نحن من قال "الحكيم"، بل المفكّرون هم الذين أطلقوا عليه هذه التسمية على مدى التاريخ. إنّ كتاب "سيَر الملوك" للفردوسي2 مليءٌ بالحِكم. لقد كان إنسانًا صاحب معارف دينيّة أصيلة. لقد كانوا جميعًا حكماء، ودواوينهم من أوّلها إلى آخرها مليئة بالحكمة. لولا أنّ حافظًا كان يفتخر بكونه حافظًا للقرآن، لما كان اختار لقب "حافظ". لقد كان من حفظة القرآن، وهو القائل: "إنّي لأقرأ القرآن عن حفظ، برواياته الأربع عشرة". فقُرّاؤنا يقرأون بقراءات مختلفة، قد يقرأوا بروايتين أو ثلاث، لا أكثر، أمّا هو، فكان يقرأ القرآن بأربع عشرة رواية، وهذا أمر عظيم للغاية. هذه المعرفة بالقرآن هي أمرٌ مشهودٌ في قصائد حافظ الغنائيّة، لمن يفهمها. أمّا بالنسبة إلى سعدي، فالأمر واضح، ومولوي معروف، وكذلك جامي وصائب. عندما تقرأون ديوان صائب فستُشاهدون فيه معرفة دينيّة عميقة. وعندما يصل الإنسان إلى "بيدل"، سيُشاهد المعارف الدينيّة العميقة المعقّدة في شعره بشكل مدهش. هؤلاء هم عظماؤنا، وهؤلاء هم أئمّة الشعر. في الواقع يجب أن نقول إنّ هؤلاء هم أنبياء الشعر الفارسيّ. لقد كان هؤلاء من أصحاب المعارف. عليكم أنتم أيضًا أن تكونوا من أصحاب المعارف؛ ومن الطبيعيّ أنّ السبيل إلى ذلك هو التعرّف إلى القرآن، والأُنس بالقرآن، والأُنس بنهج البلاغة، والأُنس بالصحيفة السجّاديّة. إنّ الكثير من الشكوك والقلق والصدأ الذي يعتري قلب الإنسان في بعض الحالات، يتبدّل إلى شفافية وإشراق من خلال مراودة هذه [المتون والكنوز]، ويُصبح الإنسان صاحب فهم، يتعرّف إلى الطريق، يُحدِّد العمل، ويُشخّص الهدف8.

التعليم والتربية
نشكر الله أنّ قرآننا ما زال سليمًا ولم يُحرّف، علينا الاستفادة من هذا الأمر. وإذا لم يفهم الشباب معاني القرآن - لأنّهم لا يعرفون العربيّة - فليتناولوا تلك المصاحف التي تحتوي على ترجمة، وهي بحمد الله اليوم كثيرة ومتنوّعة ومتعدّدة، وليتابعوا مع القارئ سطرًا بسطر، ولينظروا إلى الترجمة فيما القارئ يقرأ، فسوف يستفيدون ويفهمون. اسمعوا من الله مباشرة، وتعرّفوا بقلوبكم إلى كلام الله، دعوا القلوب تأنس. نحن نُعاني النقص في هذه المجالات. في (مؤسّسات) التربية والتعليم هكذا ينبغي أن تُعلّم تلاوة القرآن - ولو آيات منتخبة ومختارة - بحيث إنّ شبابنا الذين تعلّموا هذه الآيات في صغرهم، تبقى هذه الآيات كلوحة بارزة معلّقة أمام أعينهم حتّى آخر العمر9.

الحقيقة المرّة هي أنّ القرآن لم يُصبح شأنًا عامًّا في مجتمعنا بعد. الكلّ يُحبّون القرآن ويحترمونه، لكنّ عدّة قليلة تتلوه على الدوام، وعدّة أقلّ تتدبّر في آياته. ورفع هذا النقص ممكن، وجدير أن يُرفع. في الخطوة الأولى يجب أن يتعرّف الناشئة والشباب إلى نصّ القرآن وترجمته، وأن يتذوّقوا شيئًا من حلاوة طعمه وعذب إحيائه.. وهذا هو العمل نفسه الذي ستكونون من يفتتحه10.

تجب متابعة تعليم القرآن في ثلاثة مقاطع: مقطع قراءة القرآن، ومقطع الطلاقة في قراءة القرآن، ومقطع فهم مفاهيم القرآن. في مقطع قراءة القرآن، حتّى يتعلّم الطفل القراءة، لا داعي لأن تذكروا له القصص القرآنيّة. دعوا هذه القصص لكتب التاريخ والكتب الدينيّة، وليُركّز الطالب في تعلّم القراءة.

المقطع الثاني هو مقطع قراءة القرآن بطلاقة، يعني قدرة الطالب على القراءة بسهولة وراحة. وعلى هذا المنوال، ينبغي لكلّ أفراد الشعب الإيرانيّ خلال السنوات العشر المقبلة على سبيل الفرض، أن يتمكّنوا بهمّتكم من قراءة القرآن بطلاقة ومن دون خطأ.

والمقطع الثالث هو مقطع إدراك المفاهيم القرآنيّة. يُمكن أن يكون المقطع الثاني في المرحلة المتوسّطة، ويقع المقطع الثالث في المرحلة الثانويّة، ويُمكن أن تُقسّم المقاطع بصورة أخرى. قبل الثورة، كانت لديّ جلسات متعدّدة في مشهد، من جملتها جلسة القرآن في مسجد "كرامت" (الكرامة). كنتُ في بعض الأوقات أشرح للشباب مفردات قرآنيّة، فأقرأ آية وأسألهم إن كانوا قد فهموا معناها أم لا. مثلًا بخصوص آية: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾11؛ كنتُ أقول: أنا سأشرح لكم معنى كلمة "لنبلونّكم" فقط، لأنّكم لا تعرفون معناها، وأنتم تعرفون معاني الكلمات الأخرى، لأنّها بسيطة جدًّا. لو تمكّنّا من القيام بعمل بحيث يتعلّم الطلّاب معاني الكلمات المتكرّرة في القرآن، فأيّ مساعدة عظيمة في إدراك المفاهيم تكون قد قُدّمت لهم!12.

الحوزات العلميّة
إنّ الحوزات العلميّة وأساتذتها ذوي المقام العالي، لهم بلا شكّ دور بارز وفريد في ترسيخ أسس الإسلام وتبيين ثقافة القرآن المنجية13.

في بداية الثورة، كان لجيل الشباب في مثل سنّكم اليوم أدوار كثيرة. في تلك السنوات الحافلة بالأحداث، كان طلّاب العلوم الدينيّة الشباب، والمخفّون والمستعدّون للخدمة، والعاشقون الصادقون، كالنحل الذي أشار إليه القرآن: ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ﴾14. كانوا يجولون في بساتين الحوزات العلميّة الصافية، فيحطّون على أعطر الزهور، وأنضر الأغصان، وأورق الجذوع، وأخصب الجذور، ويشربون من العسل الحلو للعلوم الإسلاميّة ﴿فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ﴾15؛ ثمّ يوصلونها إلى الأشخاص المستعدّين والمتشوّقين في أنحاء هذا البلد، في القرى والمدن والطرق البعيدة، نحو الجنوب والشمال، حتّى خارج البلاد. وهكذا كان حتّى دارت عجلة الثورة ونالت هذه البركات. هذا لم يكن ليحصل لولا ذلك المحور والقلب والمركز والعقل الفعّال للحوزات؛ يعني الروح المقدّسة (للإمام الخمينيّ) نفسها التي نُقيم عزاءها اليوم16.

إنّ العلوم القرآنيّة والمعرفة بالتفسير العلميّ للقرآن، من الضروريّات لعالم الدين، ولو أنّه تمتّع بهذا الامتياز، فإنّ كثيرًا من الإشكالات والعقد الفكريّة ستحلّ؛ لأنّ القرآن عميق جدًّا وجامع. نحن نُكرّر هذا الموضوع مرّات ومرّات، لكنّنا لا نُحسن الاستفادة في مقام العمل من هذه الجامعيّة وهذا العمق. كثير من التساؤلات يحلّ في إشارة قرآنيّة واحدة، بحيث إذا كان الشخص مهتمًّا ومنتبهًا، فإنّه يستطيع أن يرفع تساؤلًا بأفضل بيان وأبلغه، ويحلّ العقد الذهنيّة، لكن على أثر عدم الأنس وعدم المعرفة بالقرآن، فإنّ هذه الفجوة موجودة لدى كثير من علمائنا17.

وكما أنّنا خلال أبحاثنا التفسيريّة نورد كلامًا ضعيفًا، فيستقرّ في قلب مخاطبنا في الوقت الراهن ويقبله، غير أنّه في المستقبل حين يُطالع الكتب المختلفة الفلسفيّة والسياسيّة والاجتماعيّة، ويصل بنظره إلى نتيجة أنّ هذا الاستدلال غير صحيح، فبأيّ شيء سيكفر؟ سيكفر بنا، بل يا ليته يكفر بنا ويقول: "هذا السيّد لا يستطيع تفسير القرآن" ولكن لا، سيكفر بالقرآن. هذا من جملة الأمور التي باعتقادي كلّما تعمّقنا فيها كان أفضل18.

نسأل الله تعالى أن يهدينا ببركة سيّد الشهداء، وأن يحفظ هذه النهضة وأن يعزّ يومًا بعد يوم علماء الدين في مجتمعنا، الذين بهم قوام هذا الجهاز وهذا النظام. وأن يوفّقنا جميعًا، نحن رجال الدين، لتبيين الإسلام والدين والمعارف الإسلاميّة والقرآنيّة والحسينيّة لأذهان الناس على أفضل وجه19.

المؤسّسات والمنظّمات المعنيّة بالقرآن
ينبغي للجميع في المراكز الرسميّة والإدارات والجامعات، أن يجعلوا القرآن واتّباع تعاليمه النورانيّة، وتعلّمه والتدبّر والتعمّق فيه، أمرًا رائجًا ومنتشرًا بين الجميع، بخاصّة بين الشباب والناشئة. ومسؤوليّة العلماء والمطّلعين والكتّاب والخطباء والوسائل الإعلاميّة مهمّة وخطيرة جدًّا في هذا المورد.
والمطلب الآخر الذي أودّ طرحه، هو الاهتمام بالقرآن. لقد بدأ الاهتمام بالقرآن بحمد الله بالازدياد بعد انتصار الثورة. وعليّ أن أشكر من صميم قلبي الإخوة الأعزّاء الذين يوفّرون هذه المراسم والدعوات والمسابقات لشعبنا، ويُشجّعون الناس عليها. وأشكر كذلك إخوتنا الأعزّاء في الحجّ والأوقاف الذين أولوا هذه المسألة اهتمامهم. هذا الاهتمام هو محلّ شكر وتقدير، ولكن يجب علينا أن نهتمّ بشأن القرآن أكثر من هذا وأوسع؛ لأنّ القرآن هو كلّ شيء بالنسبة إلينا20.

الإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام العامّة
على الهيئة العامّة للإذاعة والتّلفاز، أن تُروّج للاستقلال الفكريّ والعمليّ لشعب إيران ونظام الجمهوريّة الإسلاميّة، وتُرسّخ بقوّة مبدأ "لا شرقيّة ولا غربية"، من خلال عرض ثقافتها وفكرها وفنّها الأصيل والغنيّ، وتقف في موقع الهجوم على الثقافة والفنّ والفكر الأجنبيّ المفروض قهرًا. وعليها من خلال اختيار أفضل الأساليب وأبلغ اللّغات، أن تُزيل غبار الغربة والانزواء عن وجه المفاهيم العميقة للإسلام، والحقائق المشرقة للقرآن، وتضع في أيدي الشعوب الإسلاميّة في أنحاء العالم، تلك الهديّة التي يتوقّعونها وينتظرونها من نظام الجمهوريّة الإسلاميّة21.
 
ترويج المفاهيم والقيم القرآنيّة بواسطة الفنّ
اغتنموا طاقة الفنّ واستعملوه في الاتّجاه الإسلاميّ. تعلّموا الفنّ بالمعايير الإسلاميّة وعلّموه واستعملوه كي تتمكّنوا من إظهار المفاهيم والقيم الإلهيّة والإسلاميّة للناس. العالم اليوم محتاج إلى الحقائق الإسلاميّة. هذه الشمس الساطعة لمفاهيم القرآن والمعرفة القرآنيّة، هي اليوم مورد حاجة الشعوب في العالم22.

إذا كان المقصود من تصدير الثورة تصدير الثقافة القرآنيّة والإسلام الذي يصنع الإنسان، فهذا أمر سليم ونفتخر به. نحن نعرف تكليفنا، وهو أن ننشر بكلّ طاقتنا وبأعلى صوتنا المفاهيم والقيم والأحكام والمعارف الإسلاميّة، التي هي مصدر نجاة الشعوب والمستضعفين والمظلومين. ونشعر أنّنا إذا لم نعمل بهذه المسؤوليّة، فسنكون مقصِّرين23.

كلّما تقدّمنا إلى الأمام تجلّى دور التواصل بالفنّ أكثر؛ التواصل مع أذهان متلقّينا وأناسنا وقلوبهم بوسائل الفنّ المؤثّرة بامتياز. إنّ خير وسيلة يستخدمها اليوم من لديهم رسالة للناس، سواء كانت رسالة رحمانيّة أو رسالة شيطانيّة - لا فرق في ذلك - هي وسيلة الفنّ. لذلك ترون في العالم اليوم أنّهم يُبدّلون، بمعونة الفنّ، أشدّ الأفكار بطلانًا في أذهان جماعة عظيمة من الناس إلى صورة الحقّ، وهذا غير ممكن من دون الفنّ، لكنّهم يفعلون ذلك بواسطة الفنّ وبمساعدة الأدوات الفنّيّة. السينما هذه هي فنّ، والتلفاز هذا فنّ؛ يستخدمون شتّى أنواع الفنّ وأساليبه من أجل نقل رسالة باطلة إلى الأذهان على أنّها الحقّ. وعلى هذا الأساس فقد اكتسب الفنّ كلّ هذه الأهمّيّة. لكن لنا نحن المسلمين، وخصوصًا نحن الشيعة، ميزة ليست لسائر الشعوب والأديان بالدرجة نفسها، وهي التجمّعات الدِينية التي تُقام وجهًا لوجه وبحضور الناس بعضهم مع بعض، وهذا ما يُمكن ملاحظته بمقدار أقلّ في مناطق العالم الأخرى والأديان الأخرى. فهذه الظاهرة موجودة، ولكن ليست بهذه السعة والتأثير والمضامين الراقية. وعلى فرض أنّ آيات القرآن الكريمة تُليت بصوت حسن وجهًا لوجه لأشخاص يُجيدون لغة القرآن؛ فإنّ لهذا تأثيرًا كبيرًا جدًّا، وفي السياق نفسه تأتي ظاهرة قراءة المدائح وإنشادها لدى مدّاحينا. استخدام الفنّ لنقل المفاهيم السامية القيّمة التي تنفذ إلى أعماق روح المتلقّي. هذه وسيلة، وهي وسيلة قيّمة جدًّا. إنّها مجرّد أداة، لكنّ هذه الأداة تكتسب من الأهمّيّة ما يجعلها ترتقي أحيانًا إلى درجة المضمون نفسها؛ لأنّها لو لم تكن، لما أمكن نقل المضمون ونفوذه إلى القلوب24.

 
هوامش
1- من خطابه في لقاء جمع من سيّدات البلد الباحثات في القرآن 20/10/2009م.
2- من بيانه في المراسم الاختتاميّة لمسابقات قراءة القرآن 17/3/1992هـ.ش.
3- من بيانه في اختتام مراسم قراءة القرآن 8/3/1993هـ.ش.
4- من خطابه في لقاء جمع من سيّدات البلد الباحثات في القرآن 20/10/2009م.
5- من بيانه في اجتماع نساء خوزستان 10/3/1997هـ.ش.
6- من خطابه في لقاء جمع من الشعراء، 25/ 03/ 1390هـ.ش.
7- من خطابه في لقاء جمع من الشعراء ومدّاحي أهل البيت R 30/ 30/ 0931هـ.ش.
8- من خطابه في لقاء جمع من الشعراء 24/ 05/ 1390هـ.ش.
9- من كلامه في لقاء قرّاء القرآن في اليوم الأوّل من شهر رمضان المبارك 2/9/2008هـ.ش.
10- من ندائه في تجمّع مسؤولي درس القرآن للسنة الأولى في الثانويّات 12/10/1989م.
11- سورة البقرة، الآية 155.
12- من بيانه في لقاء قرّاء القرآن الكريم 6/10/2005م.
13- من ردّه على برقيّة تعزية آية الله العظمى المرعشي النجفي 20/6/1989م.
14- سورة النحل، الآية 68.
15- سورة النحل، الآية 69.
16- من خطابه في مراسم بيعة آلاف الطلّاب والفضلاء والأساتذة في حوزة قمّ العلميّة، وعلماء دين من عشرين دولة 12/6/1989م.
17- من بيانه في مراسم توديع قارئي القرآن الأستاذ شحّات والأستاذ بسيوني 20/2/1991م.
18- من بيانه في لقاء قرّاء القرآن في حسينيّة الإمام الخمينيّ 7/2/1995م.
19- من خطابه في لقاء أعضاء مجتمع الروحانيّة المقاومة وتجمّع علماء الدين المقاومين في طهران وأئمّة الجماعة وتجمّع وعّاظ طهران وأعضاء شورى التنسيق في مؤسّسة الإعلام الإسلاميّ على أعتاب شهر محرّم الحرام 2/8/1989م.
20- من خطابه في لقاء قرّاء أربعين دولة من العالم وجمع من العلماء في ذكرى البعثة النبويّة 23/2/1990م.
21- من بيانه في تعيين السيّد محمّد هاشمي في منصب رئاسة مؤسّسة الإذاعة والتلفزيون 24/8/1989م.
22- من خطابه في لقائه وفدًا من عوائل الشهداء والجرحى وشرائح مختلفة من الناس وجمع من مسؤولي الإدارات والمؤسّسات لمدن طهران وشهداء كرمان وقمّ ومسؤولي وطلّاب جامعة الفنون 23/10/1991 م.
23- من خطابه في مراسم بيعة الضيوف الخارجيّين المشاركين في مراسم ذكرى الأربعين لارتحال قائد الثورة الإسلاميّة الكبير، وجمع من الشرائح المختلفة لأهل مشهد ووفد من عشائر محافظة خوزستان 13/7/1989م.
24- من كلامه في لقائه جمع من المدّاحين لأهل البيت عليهم السلام 24/6/2008م.
72 مشاهدة | 24-12-2018