الإثنين 20 آب 2018 الموافق لـ 6 ذو الحجة 1439هـ

» مفاهيــــم إســـلامــية

معايير تحديد القيم والأفعال في تربية الطفل


تمهيد
تتركّب العمليّة التربويّة من عناصر رئيسة عدّة هي: المربّي، المتربّي، أهداف التربية، ميادين التربية وساحاتها. ومنها: القيم والسلوكات والآداب التي ينبغي تربية الطفل عليها، والأساليب والتقنيّات التي ينبغي استعمالها في عمليّة تربية الطفل، والجواب عن سؤال: علام ينبغي أن نُربّي الطفل؟ وكيف؟ مسبوق بالجواب عن السؤال: ما هي المصادر التي نُحدّد على ضوئها معالم تربية الطفل؟ وما هي المعايير التي على أساسها تُصنَّف القيم والأفعال إلى حسنة وجميلة، أو قبيحة وسيّئة، بحقّ الأطفال في الرؤية التربويّة الإسلاميّة، بحيث تُعتبر الأولى مرغوبة من الطفل، فنُربّيه ونؤدّبه عليها، وتكون الثانية غير مرغوبة، فنُربّيه على تركها.

وبعبارة أخرى نحتاج في عمليّة التربية إلى أمرين:
- الأول: تحديد منظومة القيم وجدول الأفعال التي ينبغي أو لا ينبغي تربية الطفل عليها، والأساليب والتقنيّات التي نُربّي الطفل بواسطتها. فإذا لم يكن لدى المربّي معرفة بذلك، فعلام يُربّي؟ وكيف يُربّي؟ حينها، أليس من الممكن أن يُربّي بنحو عكسيّ؟ بمعنى أنّه قد يكون السلوك الصادر عن الطفل غير مرغوب فيه من وجهة نظر تربويّة، في حين يدرّب المربّي الطفل ويعوّده عليه، وقد يكون الأمر بالعكس. وهذا يقتضي أن يكون لدى المربّي خلفيّة معرفيّة مسبقة ولو إجماليّة عمّا ينبغي أو لا ينبغي التربية عليه، وكيف. وهذا يؤكّد أهمّيّة أن يعمل المربّي نفسه على تأهيل ذاته ورفد نفسه وتطوير مهاراته العمليّة في التربية، كي يكون مؤهّلاً للاتصاف باسم المربّي.

- والثاني: بيان المعايير والمصادر التي نُحدّد من خلالها تلك المنظومة القيميّة والسلوكات والأساليب والتقنيّات المرغوب فيها أو غير المرغوب فيها. وبعبارة أخرى تعيين الميزان الذي على أساسه نُحدّد أنّ هذا ممّا ينبغي تربية الطفل عليه وبه، وذاك لا.

صفات المربّين وخصالهم
وقد يُقال إنّ البحث عن الجانب الثاني ليس بميسور كلّ مربٍّ أن يُحيط به علماً، لكونه أمراً تخصُّصياً، فيكفي أن يعرف المربّي لائحة القيم والأفعال والأساليب المرغوبة حتى يُربّي عليها أو بها، حتى لو لم يلمّ بالمعايير والمقاييس لتمييز تلك القيم والأفعال والأساليب. إلا أنّ الجواب عن ذلك بالقول: إنّ المربّي على نوعين:
النوع الأول: مربٍّ لا يمتلك الاستعدادات اللازمة للاطّلاع على المصادر والمعايير، لضعف قابليّاته الذّاتيّة، كأن لا يكون صاحب مستوى علميّ يؤهّله لذلك. فهذا يكفي أن يعرف في البداية بصورة إجماليّة لائحة القيم والأفعال والأساليب التي ينبغي استعمالها في التربية. ولكن عليه أن لا يكتفي بهذا المقدار، بل ينبغي له أن يسعى بالتدريج على قدر طاقته ووسعه، إلى تطوير ذاته تربويّاً من خلال سؤال أهل العلم والاختصاص واستشارتهم، أو من خلال المطالعة والقراءة بالاستنصاح عن الكتب التي ينبغي قراءتها في هذا المجال، أو من خلال متابعة بعض البرامج الإعلاميّة على المحطّات الموثوقة التي تُسلّط الضوء على القضايا التربويّة، أو من خلال حضور بعض الدروس والمحاضرات والدورات عن ذلك...إلخ، فإنّ المسؤوليّة التربويّة عن الأبناء أو التلامذة تقتضي العمل على تطوير الذّات تربويّاً، وعدم الاكتفاء بالمعارف التي يمتلكها الإنسان كمّاً وكيفاً عن التربية.

عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: "من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه شرّهما فهو ملعون، ومن لم يعرف الزيادة في نفسه كان إلى النقصان أقرب، ومن كان إلى النقصان أقرب فالموت خير له من الحياة"1.

فإذا كان معنى التربية إيصال المتربّي إلى الكمال، فكيف يُمكن لمن ينزل على سلّم النقصان ولا يعرف الزيادة بالتكامل في نفسه، أن يأخذ بيد المتربّي إلى الكمال؟!

النوع الثاني: المربّي المؤهَّل لأنْ يُحصّل المعرفة بالمعايير اللازمة للتمييز بين ما هو مرغوب أو غير مرغوب. وهذا الصنف الثاني من المربّين يشمل المتعلِّمين والمتدِّربين الذين سيدرسون هذا الكتاب، لذا عليهم أن يمتلكوا بين أيديهم الميزان الذي على أساسه يجري تحديد وقياس ما هو مطلوب في التربية. فإذا لم يمتلك المربّي معايير معرفة السلوكات الجميلة والحسنة المرغوب فيها، والتي تضع الطفل على خطّ السير على طريق الكمال، وتعتبر من مقتضياته أو شروطه، وتمييزها عن القيم والأفعال السلبيّة التي تُشكّل مانعاً وحاجزاً عن السلوك تجاه الكمال، فكيف له أنْ يُميّز تربوياً؟! إذ قد يشتبه الأمر ويختلط ويلتبس على المربّي، فيظنّ ما هو مطلوب ومرغوب فيه مرغوباً عنه، وبدل أن يسير بالطفل إلى كماله يأخذ بيده نحو النقص. وهذا يقتضي أن يكون المربّي، سواء أكان أباً أم أمّاً أم معلّماً أم قائداً كشفياً... إلخ، على وعي وبصيرة ليس بالخطأ والصواب والحسن والقبح وحسب، بل بالقدرة على التمييز بينها من خلال معايير واضحة أيضاً. وبمعنى آخر لا بدّ من تحديد مفهومنا عن الخطأ، فليس معيار الخطأ وميزانه هو الاستنساب والاستحسان الشخصيّ من قِبَل المربّي، وليس من حقّ المربّي أن يجعل من نفسه معياراً لمعرفة الخطأ، فإنّ "الحقّ لا يُعرف بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله"2، كما رُوي عن الإمام عليّ عليه السلام.

وبعبارة مختصرة: لا بدّ للمربّي من أن يكون على معرفة بمعايير تمييز الخطأ من الصواب، وعلى معرفة بانطباق المعيار المفهوميّ على المصداق الخارجيّ الذي هو سلوك الطفل (أ) أو (ب).

المصادر والمعايير
سنتعرّض في هذا الدرس إلى أربعة مصادر ومعايير، هي:
المعيار الأوّل: الحسن والقبح العقليّان أو العقلائيّان
إنّ المعيار الأوّل الذي على أساسه يقيس الإنسان حسن الفعل وقبحه، هو العقل العمليّ القطعيّ الفطريّ الصريح، الذي جعله الله تعالى حجّة باطنة على الإنسان، كما جعل نبيّه وأهل بيته صلوات الله عليهم حجّة ظاهرة. فـ "العقل السليم أيضاً حجّة من الحجج، فالحكم المستكشف به حكم بلغه الرسول الباطنيّ، الذي هو شرع من داخل، كما أنّ الشرع عقل من خارج"3.

عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، قال: "يا هشام، إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، وحجّة باطنة. فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة عليهم السلام، وأمّا الباطنة فالعقول"4.

وقد تحدّث فلاسفة الأخلاق المسلمون وعلماء الكلام وعلماء أصول الفقه، عن الحسن والقبح العقليّين أو العقلائيّين - على الاختلاف المبنائيّ في ذلك5 - كقاعدة لتصنيف القيم والأفعال الإيجابيّة والسلبيّة على أساسها، وبالتّالي التربية على فعل الحسن وعدم فعل القبيح.

فما هو الحسن العقليّ؟ وما هو القبح العقليّ؟
ذكروا للحسن والقبح أربعة معانٍ:
المعنى الأوّل: الحسن بمعنى ما يُلائم طبع الطفل والإنسان، فكلّ ما يجلب اللذّة الشخصيّة للنفس هو حسن، ويُقابله القبح، بمعنى كلّ ما ينفر طبع الطفل والإنسان منه ولا يلتذّ به. وبعبارة مختصرة، الفعل الحسن هو ما يوجب التذاذ الشخص، والفعل القبيح ما يقتضي نفور الشخص. وهذا المعنى يختلف باختلاف الطبائع والأمزجة والأفراد والمراحل العمريّة والحالات النفسيّة...، وليس له معيار محدّد، فقد يكون طعام ما حسناً بالنسبة إلى طفل وقبيحاً بالنسبة إلى آخر، وكذلك قد يكون لون ثياب ما أو عطر أو... ينفر منه طبع الطفل ولا تلتذّ نفسه به في ظرف خاصّ أو مرحلة عمريّة معيّنة، أو بفعل التأثّر بشخص ما، أو نتيجة العادة أو بسبب اقترانه بإمراضه... إلخ من الأسباب. وفي هذا المجال، لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار أنّه إذا لم يكن مفعول سلبيّ على شخصيّة الطفل في ما لا يميل طبعه إليه أو ينفر منه، ينبغي عدم إرغامه عليه، كأن لا يميل إلى ارتداء ثياب من لون خاصّ، أو يكون نوع الطعام ممّا يُمكن استبدال طعام آخر به، له نفس القيمة الغذائيّة، حينها ينبغي عدم إجبار الطفل على تناول طعام خاصّ، أو لبس ثوب من لون خاصّ، إلّا إذا كان هذا سلوكاً نمطيّاً متكرّراً منه في مجالات مختلفة، يُعتبر هامش الرفض فيها أكبر بكثير من هامش القبول، ومضرّاً بالسلامة الجسديّة أو الصحّة النفسيّة أو النموّ العقليّ للطفل، فهنا لا بدّ من العمل على تغيير وتعديل سلوكه من خلال تعديل طبعه، ولكن بالتدرّج شيئاً فشيئاً، بالدربة والعادة من دون ضغط وقهر وإكراه مهما أمكن، وبأساليب تعزيزيّة تُرغّبه في الشيء، لا أن ترفع من منسوب النفور عنده من ذلك الشيء.

المعنى الثاني: الحسن بمعنى وجود مصلحة واقعيّة في فعلٍ ما، ويُقابله القبح بمعنى وجود مفسدة واقعيّة بالفعل ذاته بما هو هو. وعندما يعتبر علماء أصول الفقه أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها، أي في الأفعال الواجبة أو المحرّمة مثلاً، وأنّ العقل البشريّ "لا يُحيط بالمصالح الواقعيّة والمفاسد النفس أمريّة والجهات المزاحمة لها، ولذا ورد في الروايات: "إنّ دين الله لا يُصاب بالعقول"6"7، يقصدون هذا المعنى. وهذا النوع من المصالح والمفاسد يكشف عنه الوحي الإلهيّ للعقل الإنسانيّ، وبناءً عليه، فكلّ ما أوجبته الشريعة فيه مصلحة، وكلّ ما نهت عنه الشريعة فيه مفسدة للإنسان عموماً. أمّا فيما يتعلّق بالطفل فسيأتي البحث عن هذه النقطة في المعيار الثاني.

المعنى الثالث: الحسن بمعنى ما يوصل النفس إلى كمالها اللائق بها، والقبح بمعنى ما يجعل النفس تتسافل في مراتب النقص. فالقيم الموجِبة، كالعلم والعدل والشجاعة والكرم والصدق، توصف بالحسن، بمعنى أنّها كمال للنفس البشريّة. والقيم السالبة، كالجهل والبخل والكذب والجبن، توصف بالقبح، لأنّها نقص للنفس البشريّة. وقد أشرنا سابقاً إلى رأي الإمام الخمينيّ قدس سره في ما يتعلّق بأنّ الله جبل النفس البشريّة على فطرة عشق الكمال والنفور من النقص، فهذه القيم مطلوبة للنفس بأصل الخلقة، فالنفس تتحرّك بالفطرة نحو القيم الكماليّة، وتنفر بأصل الخلقة عن القيم السالبة.

المعنى الرابع: الحسن بمعنى ما يحكم العقل العمليّ بوجوب فعله ولزوم صدوره عن الإنسان المختار، بنحو يستحقّ الصادر عنه الفعل المدح والثواب من قِبَل الناس العقلاء. ويُقابله القبح بمعنى ما لا ينبغي فعله بحيث يستحقّ الفاعل المختار الذمّ من قِبَل العقلاء.

وينبغي تربية الطفل على ما يحكم العقل العمليّ بوجوبه من قيم وأفعال، ومدح الطفل وإثابته على ذلك، وتربيته على ترك ما يحكم العقل بعدم وجوبه، وذمّ الطفل ومعاقبته على ذلك.

المعيار الثاني: الحسن والقبح الشرعيّان
ذكر الفقهاء أنّ موضوع علم الفقه هو فعل المكلّف، وقسّموا الأفعال بلحاظ الأحكام إلى خمسة: الواجب، والحرام، والمكروه، والمستحبّ، والمباح.

والأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّة، فمثلاً الأمر والطلب الوجوبيّ هما إرادة الله تعالى للشيء إرادة أكيدة شديدة، بنحو تكون منبعثة عن مصلحة واقعيّة ملزِمة في الفعل، وظيفتها جعل الداعي في نفس المكلّف وتحريكه إلى إتيان الشيء.

وهذه العناوين أصلاً متعلّقة بأفعال المكلّفين، لأنّ رفع قلم التكليف أسقط الإلزام عن الطفل. ففعل الطفل لا يوصف بأيّ عنوان إلزاميّ منها - الوجوب والحرمة - بالإجماع، إلا أنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ رفع قلم التكليف عن الطفل المميّز ليس بسبب عدم القابليّة والاستعداد للتكليف، بل للامتنان واللطف والرأفة بهذا الطفل، وإلّا فإنّه بسبب قدرة تمييزه يستحقّ أن يتوجّه إليه الخطاب الإلهيّ أمراً ونهياً. لذا يمكن القول إنّ دائرة استحقاق الخطاب أوسع من دائرة فعليّة الخطاب، بمعنى أنّ الخطاب الإلهيّ وإن كان مختصّاً بالمكلّفين من ناحية الإلزام الفعليّ بالوجوب والحرمة وغيرهما من الأحكام التكليفيّة، إلا أنّ الطفل المميّز فيه من القابلية والمؤهّليّة ما يجعله صالحاً لإمكانيّة توجيه الخطاب الإلهيّ الإلزاميّ له. ومستحقّاً له، ولكن الله تعالى بقاعدة الامتنان، منّ على الطفل المميّز ورفع عنه قلم التكليف. فرفع قلم التكليف عن الطفل المميّز ليس لعدم القابليّة، بل للامتنان. فالطفل المميّز يُمكنه أن يعرف الحسن من القبح، وإلّا لما وقع توجيه الأمر إليه من قِبَل الأب بالصلاة والصيام والصدقة إذا كان عمره سبع أو تسع سنوات لتدريبه وتمرينه، بل حكم الكثير من الفقهاء بمشروعيّة عباداته، بمعنى أنّها ليست مجرّد تمرين وتدريب، بل إضافةً إلى كونها تحمل هذا العنصر، هي تتّصف بالمشروعيّة، بمعنى أنّ الطفل يستحقّ الثواب الأخرويّ عليها، ويكتب في سجلّه الحسنات8.

فاتّضح أنّ الطفل المميّز عند بعض الفقهاء يوصف فعله بالاستحباب أو الكراهة، فالواجبات في حقّ الطفل مستحبّات، والمحرّمات مكروهات. أي إنّ الأحكام التكليفيّة في حقّ الطفل ثلاثة: المستحبّ والمكروه والمباح9.

وبناءً عليه، فإنّه من المرغوب فيه أن يُربّى الطفل المميّز على إتيان الواجبات بعنوان المستحبّات، والابتعاد عن المحرّمات بعنوان المكروهات، فإنّه يُثاب على ذلك مع نيّة القربة. وعلى كلّ حال، سواء أكان الطفل مميّزاً أم غير مميّز (في مراحل معيّنة وحسب طبيعة الفعل)، لا ينبغي إعطاؤه حرّية في ما يتعلّق بفعل الكبائر من المحرّمات، كالسرقة

والكذب والاعتداء بالضرب وتحطيم الأشياء و...، لذا نرى أنّ المشرّع الإسلاميّ اهتمّ بهذه المسألة اهتماماً شديداً، إلى درجة منع فيها الوالدين من المعاشرة الجنسيّة في غرفة فيها طفل في المهد، لأنّ ذلك ممّا يورث الزنا في الطفل الناظر10. وهذا يظهر أهمّيّة بدء عمليّة التربية في إبعاده عن الحرام - الكبائر المستقبحة - من المرحلة العمريّة الأولى للطفولة، فلا يُعطى الطفل خمراً ليشربه، أو يُترك ليُشاهد الأفلام الجنسيّة بذريعة كونه لا يُدرك ولا يفهم...

بل انطلاقاً من قاعدة فقهيّة مهمّة أسّسها بعض الفقهاء، كالسيد محمّد كاظم اليزديّ وغيره، يُمكن الاستفادة منها في تربية الطفل بمنعه عن بعض الأفعال المحرّمة التي قد تصدر عنه، والقاعدة هي: إنّ حرمة الفعل إذا كانت مشدّدة بحيث عُلم كراهية ومبغوضيّة وقوعه في الخارج من الشارع المقدّس على كلّ تقدير، حتى من الأطفال والقاصرين، كالزنا واللواط والقتل وشرب الخمر، وجب على المكلّفين المنع من تحقّقه وسدّ طريق حصوله في الخارج قولاً وفعلاً11. فكيف إذا كان المكلَّف هو المربّي والوليّ الشرعيّ للطفل؟!

أمّا الواجبات فهي على قسمين: منها ما هي واجبات أخلاقيّة، أي ملكات نفسانيّة فاضلة، فهذه يُربّى الطفل عليها مطلقاً، كالصدق والكرم والشجاعة و...، كما ذكرنا في فقرة الحسن والقبح العقليّين، ومنها ما هي واجبات عبادية شرعية، كالصلاة والصوم والحج و...، وهذه يُربّى الطفل عليها في سنّ معيّنة، سيأتي بحثها بالتفصيل في درس التربية العباديّة للطفل.

المعيار الثالث: القيم الاجتماعيّة والآداب الإنسانيّة
من المعايير التي يستند إليها الفقهاء في الحكم على فعل الطفل بالحسن أو القبح، هو القيم الاجتماعيّة العامّة والآداب الإنسانيّة التي يلتزم بها المجتمع الذي يعيش فيه الطفل12، فإنّ كلّ مجتمع من المجتمعات له آدابه العامّة ولياقاته الخاصّة به، التي تُشكّل ثقافة ذلك المجتمع، ونمط حياته وأسلوب عيشه، والتي قد تتغيّر من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. فما يراه مجتمع ما قيماً وآداباً ينبغي الالتزام بها، قد لا يراها مجتمع آخر كذلك، بشرط أن لا تكون تلك الآداب والعادات والتقاليد الاجتماعيّة العامّة، مخالفة لكتاب الله ومنهاج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

فعلينا أن نؤدّب الأطفال بآداب المجتمع الذي يعيشون فيه، ما لم يتعارض ذلك مع المعيار العقلائيّ والشرعيّ.

المعيار الرابع: تراكم الخبرة والتجربة الإنسانيّة
إنّ التجربة بمعنى تراكم الخبرات البشريّة عبر تتبّع الجزئيّات في الخارج، ودراسة آثارها ونتائجها التي تتركها على شخصيّة الطفل، تُساعدنا على استكشاف تقنيّات وأساليب عامّة تصلح للاعتماد في العمليّات التربويّة، وما أكثرها في حياتنا اليوميّة: (في الحضانات والمدارس والجمعيّات الكشفيّة والأنديّة الرياضيّة ووسائل الإعلام والمراكز الصحّيّة و...)، والدين الإسلاميّ لا يقف على الطرف المعارض لحاصل التجارب البشريّة، ولم يرمِ منجزات التجربة البشريّة بعرض الحائط. نعم، لم يكتفِ الدين الإسلاميّ بمنجزات تجارب الإنسان كوسيلة حصريّة ووحيدة لتحصيل المعارف والعلوم، لذا، لا يُمكن أن يستغني الإنسان بالتجربة أو العقل عن نور الوحي والشرع.

المفاهيم الرئيسة

- تحتاج عملية التربية إلى أمرين: الأوّل: تحديد منظومة القيم وجدول الأفعال التي ينبغي أو لا ينبغي تربية الطفل عليها. والثاني: بيان المعايير والمصادر التي نُحدّد من خلالها تلك المنظومة القيميّة والسلوكات والأساليب والتقنيّات المرغوب فيها أو غير المرغوب فيها.

- إنّ المربّي على نوعين: الأوّل: مربّ لا يمتلك الاستعدادات اللازمة للاطّلاع على المصادر والمعايير، لضعف قابليّاته الذّاتيّة. والنوع الثاني: المربّي المؤهّل لأن يُحصّل المعرفة بالمعايير اللازمة، لذا عليه أن يمتلك بين يديه الميزان الذي على أساسه يجري تحديد ما هو مطلوب في التربية وقياسه.

- إنّ المعيار الأوّل الذي على أساسه يقيس الإنسان حسن الفعل وقبحه، هو العقل العمليّ القطعيّ الفطريّ الصريح، الذي جعله الله تعالى حجّة باطنة على الإنسان، كما جعل نبيّه وأهل بيته صلوات الله عليهم حجّة ظاهرة.

- ينبغي تربية الطفل على ما يحكم العقل العمليّ بوجوبه من قيم وأفعال، ومدح الطفل وإثابته على ذلك، وتربيته على ترك ما يحكم العقل بعدم وجوبه، وذمّ الطفل ومعاقبته على ذلك.

- المعيار الثاني الذي على أساسه يُقاس حسن فعل أو قبحه هو المعيار الشرعيّ، أي ما حكم الشارع بحسنه أو قبحه. فمن المرغوب فيه أن يُربّى الطفل المميّز على إتيان الواجبات بعنوان المستحبّات، والابتعاد عن المحرّمات بعنوان المكروهات. أمّا الطفل غير المميّز، فلا ينبغي إعطاؤه حرّيّة في ما يتعلّق بفعل الكبائر من المحرّمات، كالسرقة والكذب...

- المعيار الثالث لقياس الفعل المرغوب في تربية الطفل عليه، هو القيم الاجتماعيّة والآداب الإنسانيّة العامّة التي يلتزم بها المجتمع الذي يعيش فيه الطفل، لأنّ التنشئة الاجتماعيّة تعني جعل الطفل يكتسب صفات خاصّة يكون بها عضواً نافعاً في الهيئة الاجتماعيّة العامّة التي يتحرّك في محيطها.

- المعيار الرابع: هو تراكم الخبرات البشريّة عبر تتبّع الجزئيّات في الخارج، ودراسة آثارها ونتائجها التي تتركها على شخصيّة الطفل، حيث تُساعدنا على استكشاف تقنيّات وأساليب عامّة تصلح للاعتماد في العمليّات التربويّة، بشرط أن تكون منسجمة مع الرؤية الإسلاميّة أو لا تُعارضها.


هوامش
1- الشيخ الصدوق، الأمالي ، ص766، ح1030.
2- ابن طاووس، السيد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد الحسني الحسيني، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، لا.م، لا.ن، 1399ه، ط1،ص136.
3- الأنصاري، الشيخ الأعظم مرتضى بن محمد أمين، فرائد الأصول، تحقيق لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، قم، مجمع الفكر الإسلامي، 1419ه، ط1،ج1، ص59.
4- الشيخ الكليني،الكافي، ج1، ص16.
5- يراجع: عجمي، سامر توفيق، حجيّة العلم قراءة على ضوء النظريّة التعليقيّة_ قراءة في المباني الأصوليّة للسيّد عليّ حجازي، ص55 وما بعد.
6- الرواية واردة عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام. انظر: الصدوق، الشيخ محمد بن علي بن بابويه، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، محرم الحرام 1405 -1363 ش، لا.ط،ص324.
7- الواعظ الحسينيّ البهسودي، تقرير بحث السيد الخوئي ، مصباح الأصول (موسوعة الإمام الخوئي)، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، مؤسسة إحياء آثار الأمام الخويي قدس سره، 1422، لا.ط،ج2، ص26.
8- السيد محمد الصدر، ما وراء الفقه، المحبين للطباعة والنشر، 1427 - 2007م، ط3،ج2، ص174.
9- يراجع: السيد البجنوردي، القواعد الفقهية، مهدي المهريزي - محمد حسين الدرايتي، نشر الهادي - قم - إيران، 1419 - 1377 ش، ط1،ج4، ص109 وما بعد.
10- يراجع: عجمي، سامر توفيق، حياتنا الجنسيّة كيف نعيشها؟ على هدى القرآن ومنهاج النبيّ وأهل البيت، ص641.
11- يراجع: السيد اليزدي، حاشية المكاسب (ط.ق)، مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع - قم - إيران، 1378، لا.ط،ج1، ص8. والروحانيّ، محمّد صادق، فقه الصادق، ج13، ص271.
12- الجهرميّ، الدّرّ المنضود في أحكام الحدود، ج2، ص282.
93 مشاهدة | 14-05-2018