الإثنين 18 حزيران 2018 الموافق لـ 1 شوال 1439هـ

» مفاهيــــم إســـلامــية

ربيع الروح... أشهر العبادة


عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أَلَا فَاعْمَلُوا الْيَوْمَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَعِدُّوا الزَّادَ لِيَوْمِ الْجَمْعِ يَوْمِ التَّنَادِ، وَتَجَنَّبُوا الْمَعَاصِيَ، اللَّهِ يُرْجَى الْخَلَاصُ. فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ حُرْمَةَ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَوَصَلَهُمَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، شَهِدَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّهُورُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ شُهُودَهُ بِتَعْظِيمِهِ لَهَا.

وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا رَجَبُ وَيَا شَعْبَانُ وَيَا شَهْرَ رَمَضَانَ، كَيْفَ عَمَلُ هَذَا الْعَبْدِ فِيكُمْ؟ كَانَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ؟

فَيَقُولُ رَجَبُ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ: يَا رَبَّنَا، مَا تَزَوَّدَ مِنَّا إِلَّا اسْتِعَانَةً عَلَى طَاعَتِكَ وَاسْتِعْدَادًا لِمَوَادِّ فَضْلِكَ، وَلَقَدْ تَعَرَّضَ بِحَمْدِهِ لِرِضَاكَ، وَطَلَبَ لِطَاقَتِهِ مَحَبَّتَكَ.

فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَذِهِ الشُّهُورِ مَاذَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِهَذَا الْعَبْدِ؟

فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، صَدَقَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ. مَا عَرَفْنَاهُ إِلَّا مُقْبِلًا فِي طَاعَتِكَ، مُجْتَهِداً فِي طَلَبِ رِضَاكَ، صَائِراً فِيهِ إِلَى الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ.

وَلَقَدْ كَانَ بِوُصُولِهِ إِلَى هَذِهِ الشُّهُورِ فَرِحًا مُبْتَهِجًا، وَأَمَلَ فِيهَا رَحْمَتَكَ، وَرَجَا فِيهَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَك، وَكَانَ عَمَّا مَنَعْتَهُ فِيهَا مُمْتَنِعًا، وَإِلَى مَا نَدَبْتَهُ إِلَيْهِ فِيهَا مُسْرِعًا.

لَقَدْ صَامَ بِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَيَرْجُوَ دَرَجَةً، وَلَقَدْ ظَمِئَ فِي نَهَارِهَا، وَنَصَبَ فِي لَيْلِهَا، وَكَثُرَتْ نَفَقَاتُهُ فِيهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَعَظُمَ أَيَادِيهِ وَإِحْسَانُهُ إِلَى عِبَادِكَ.

صَحِبَهَا أَكْرَمَ صُحْبَةٍ، وَوَدَّعَهَا أَحْسَنَ تَوْدِيعٍ، أَقَامَ بَعْدَ انْسِلَاخِهَا عَنْهُ عَلَى طَاعَتِكَ، وَلَمْ يَهْتِكْ عِنْدَ إِدْبَارِهَا سُتُورَ حُرْمَتِكَ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ هَذَا.

فَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْمُرُ اللَّهُ بِهَذَا الْعَبْدِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَتَلَقَّاهُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِبَاءِ وَالْكَرَامَاتِ، وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى نُجُبِ النُّورِ وَخُيُولِ الْبُلْقِ، وَيَصِيرُ إِلَى نَعِيمٍ لَا يَنْفَدُ، وَدَارٍ لَا تَبِيدُ، وَلَا يَخْرُجُ سُكَّانُهَا، وَلَا يَهْرَمُ شُبَّانُهَا، وَلَا يَشِيبُ وِلْدَانُهَا، وَلَا يَنْفَدُ سُرُورُهَا وَحُبُورُهَا"1.

تمهيد الموعظة
في الرواية أعلاه ما يشير إلى درس عظيم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث عن أشهر النور المباركة، وقد جُمعت في رواية واحدة لتبين لنا ضرورةَ أن يتهيأ المؤمن لهذا الحدث الروحي والعبادي قبل أن يدخل فيه، لأن الكثير يتفاجأ بحلول الموسم العبادي2، من دون إعداد مسبَق له.

وقد يصل في نهاية المطاف وحصيلتُه في طريق القرب منه - عزّ وجلّ - تكون زهيدة، وهو من أبرز مصاديق الظلم للنفس وإيذائها من الناحية المعنوية، ولعلها من أشدّ أنواع الظلم كما شارت الآية الشريفة ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾3، من الغفلة4 عن الحق، وعدم التهذيب5 لهذه النفس.

ويظهر لك شدة ذلك ووضوحه في مشهد القيامة ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾6.

الحُسْن في الاستعداد للسفر
وجَعل صلى الله عليه وآله وسلم عنوان هذا الشهر هو الاستعداد ليوم القيامة، وتحصيل الزاد قبل الوصول إليه، ومعرفة أنّ هذه الشهور هي جزء من موسم عبادي حافل في هذه الزائلة.

فالعبد في دنياه كأنه في سفر، وهو سفر مصيري لا بدّ منه، ففي الراوية عنه صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: "مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا"7 وفي وصف ضرار بن ضمرة8 لحال أمير المؤمنين عليه السلام قال: "فَأَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَقَدْ أَرْخَى اَللَّيْلُ سُدُولَهُ، وَهُوَ قَائِمٌ فِي مِحْرَابِهِ، قَابِضٌ عَلَى لِحْيَتِهِ، يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ اَلسَّلِيمِ، وَيَبْكِي بُكَاءَ اَلْحَزِينِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا دُنْيَا، يَا دُنْيَا، إِلَيْكِ عَنِّي، أَبِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّفْتِ تَشَوَّقْتِ، لاَ حَانَ حِينُكِ، هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي، لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ، قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً لاَ رَجْعَةَ فِيهَا، فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ، وَخَطَرُكِ يَسِيرٌ، وَأَمَلُكِ حَقِيرٌ. آهِ مِنْ قِلَّةِ اَلزَّادِ وَطُولِ اَلطَّرِيقِ وَبُعْدِ اَلسَّفَرِ وَعَظِيمِ اَلْمَوْرِدِ"9.

واعلم بأن كلّ شيء زائل، كلّ شيء سيمضي، الدنيا بضعة أيام، كلما انقضى يوم منها نقص يومٌ من عمرك، الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، كل شيء ينتهي بالموت، وهذا السفر لا بدّ منه، سفر مصيري، تكويني، إجباري، يمتاز عن سفر الدنيا بأنّ الكلّ ذاهب إليه، ولا يعلم موعده، ويشترك فيه بالزاد والراحلة، ولكن أي زاد وأي راحلة!10.

كيف تحمل همّ قلبك باغتنام المواسم العبادية التي تفضّل بها رَب العالمين علينا، ومنها الأشهر الروحية الثلاثة: رجب وشعبان وشهر رمضان المُبارك11، فهي ربيع الأرواح، فكما كانت الأشهر في العام المادي ثلاثًا، كذلك في ربيع الروح، وكأنه يوجد تطابقٌ بينَ زراعة الأرض وبينَ زراعة القلوب، فكما أن الربيع هو موسم زراعة الأرض، كذلك هذه الأشهر العبادية، هي موسم زراعة القلوب، والذي يستفيد من هذه الفصول المُباركة هو الإنسان الذي يحمل همّ قلبه!

أما إن أهملت أمر قلبك، ولم يكن يهمك إلا الجوف الذي هو كناية عن البطنِ والفرج والشهوات، وما لَذّ وطاب من الطعام، وكان العالم كلّه بالنسبة إليك يدورُ على أساس ستر البدن وإشباع البطن وتلبية الرغبات الشهوية، هذهِ هيَّ الدُنيا بكُلِ تفاصيله، فهذا ليس بهمّ للمؤمن، فهو له هَمٌ آخر، همّه القلب السليم، وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾12.

وشهر رجب مقدمة للتهيّؤ والاستعداد لنيل الإفاضات الإلهية في شهر شعبان، فشهر رجب وشعبان ورمضان بينها ترتُّب على مستوى الكمال، فالحصول على الكمال المعنوي الخاص بشهر شعبان مشروط بالاستفادة من شهر رجب، والأمر كذلك بالنسبة إلى شهر رمضان، فالحصول على كمالاته بالاستفادة من شهر شعبان، عن الإمام الصادق عليه السلام: "أعطيت هذه الأمة ثلاثة أشهر لم يعطها أحد من الأمم: رجب وشعبان وشهر رمضان"13.

من محطات القلب في شهر رجب
حرمة ظلم النفس:
والمعلوم أن شهر رجب14 من الأشهر الحُرُم15، قال الله - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾16. من ميزات هذه الأشهر الأربعة هو حرمة الظلم والقتال، ليكون ذلك سبيلًا إلى حرمة الظلم بشكل عام والنفس بشكل خاص17.

والظلم للنفس هو هتك أي حرمة من حرمات الله، عبر اقتراف المعصية، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "ظلم نفسَه من عصى الله وأطاع الشيطان"18، وفي رواية أخرى "ظَلَم نفسَه مَن رضِيَ بدار الفَناء عِوَضاً عن دار البقاء"19. والإنسان عندما يصدر منه الذنب، يُنزِل نفسه منزلة الحيوانية، ويخرجها عن حياض الإنسانية20 - مهما كان مظهره الخارجي - فيتلبس بحقيقة أخرى قد تكون مساوية أو أقل من الأنعام؟!

ولا بدّ من الالتفات إلى أن باطن هذه الأشهر الرحمةُ، فكيف تقابَل الرحمة بالظلم؟! ومما يُدلل على هذه الرحمة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وَسُمِّيَ شَهْرُ رَجَبٍ‏ شَهْرَ اللَّهِ الْأَصَبَّ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ عَلَى أُمَّتِي تَصُبُّ صَبّاً فِيهِ"21، فالحريّ بنا أن نستفيد من هذه الرحمة النازلة لنكون عطرًا فواحًا، ينشر العبير فيفوح لك ولغيرك.

التوبة والاستغفار:
التوبة إلى الله، والعودة إليه، بحيث يلقي الإنسان في شهر رجب الأصبّ ما علق به من أدران الذنوب والخطايا، الصغيرة منها والكبيرة. إنها لفرصة كبيرة وذهبية ربما لا تعوّض ولن تتكرر، فمن يدري، ربما يكون هذا الشهر هو الأخير في حياتنا! قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا الشهر العظيم إنه شهر الاستغفار: "رَجَبٌ شَهْرُ الِاسْتِغْفَارِ لِأُمَّتِي. أَكْثِرُوا فِيهِ الِاسْتِغْفَارَ، إِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏"22.

ومن الملاحَظ في هذا الشهر العظيم كثرة الاستغفار، بصيغ خاصة ومختلفة. وبالدخول إلى حقيقة الاستغفار يتمّ التغيير والانقلاب، فلا بدّ من أن يكون لنا مع الله تعالى وقفة، لنصلح ما أفسدنا معه، فنأوب إليه، ونعود إلى رضوانه، فنرجع إليه تائبين مستغفرين، وإن لم نعد فعلينا التنبُّه إلى ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: "تعطّروا بالاستغفار، لا تفضحكم روائح الذنوب"23.

شهر رجب هو شهر الإنابة إلى الله - عزّ وجلّ -، ويسمّى بالأصبّ، لأن الرّحمة على أمتي تصب صبّاً فيه، كما في الرواية، فليستكثر من قول "أَسْتَغْفِر اللهَ وَأَسْأَلُهُ التَّوْبَةَ". لذا فإنه يجب على الإنسان، خلال هذا الشهر، أن ينظف بيت الروح الذي أهمله لتسعة أشهر، وذلك باتّخاذ أول خطوة وهي الاستغفار.

والاستغفار هو حقيقة بالقلب، يكشف عنها اللسان، ولا يكتمل إلا بالندامة الباطنية، والأخيرة لا تتمّ إلا بالتعرف على حقيقة الحرام. ومع التعرف عليه، يعرف الإنسان عظيم ما فعل، وجليل ما اكتسب، وكثير ما فرّط في جنبه، فيتألم عندها لما صدر منه، ويحترق القلب بعظم المصاب، فيقوم ليغسله بماء الأواب، ويذوب خجلًا أمام عظم النعم، فالتائب حين استغفاره يكون بين الخشوع لعظمته - عزّ وجلّ -، والذلّ لحقارته، فيبقى في داخله هذا الشعور، فينبري بطلب التوبة بمعنى حقيقي: "إِلهِي لَمْ أَعْصِكَ حِيْنَ عَصَيْتُكَ وَأَنا بِرُبُوبِيَّتِكَ جاحِدٌ، وَلا بِأَمْرِكَ مُسْتَخِفٌ، وَلا لِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ، وَلا لِوَعِيدِكَ مُتَهاوِنٌ، لكِنْ خَطِيئَةٌ عَرَضَتْ، وَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، وَغَلَبَنِي هَوَايَ، وَأَعانَنِي عَلَيْها شِقْوَتِي، وَغَرَّنِي سِتْرُكَ المُرْخَى عَلَيَّ، فَقَدْ عَصَيْتُكَ وَخالَفْتُكَ بِجُهْدِي، فَالانَ مِنْ عَذابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي، وَمِنْ أَيْدِي الخُصَماءِ غَداً مَنْ يُخَلِّصُنِي، وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِنْ أَنْتَ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي"24، فتكون هذه الحركة الأولى في سبيل التطهير، ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾25.

التخلية26 من المعاصي والذنوب:
بعد الاستغفار والتوبة، والوصول إلى الطهارة، أفضل ما يلتزم به المؤمن هو المحافظة على عدم الوقوع في الذنب والمعصية، ليلتزم مع الله - عزّ وجلّ -، ويعاهده بلسان الحال: "وَخُذْ بِي سَبِيلَ الصَّالِحِينَ، وَأَعِنِّي عَلى نَفْسِي بِما تُعِينُ بِهِ الصَّالِحِينَ عَلى أّنْفُسِهِمْ"27، وبلسان العمل بعدم ارتكاب الذنب والمعصية، وفي الرواية العلوية: "اجتناب السيّئات أَولى من اكتساب الحسنات"28.

فيبدأ من أول رجب إلى منتصف شهر شعبان لمدة أربعين يومًا، على قاعدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أخلص لله أربعين يومًا فجّر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"29. فمن قدر على الأربعين قدر على غيرها، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما ضَعُفَ بَدَنٌ عَمّا قَوِيَتْ عليهِ النيّة"30.

الاعتماد على الله والارتباط به:
فالارتباط بالله يمنح الإنسان أمناً من كل مكروه، وتجاوزاً لكل عقبة، وإحرازاً لكل نجاح. والاعتماد على الحق تعالى يعطي الإنسان القوة والعزم، لارتباطه بأصل القدرة والقوة في عالم الوجود، وبالأخص في الأزمنة المباركة التي أبان الأئمة من أهل البيت عليهم السلام فضلها. ومع التأمّل في الأعمال والعبادات الواردة ككثرة التهليل والتسبيح، والدعاء كما ورد: "اَللّـهُمَّ يا مُذِلَّ كُلِّ جَبّار، وَيا مُعِزَّ الْمُؤْمِنينَ، أَنْتَ كَهْفي حينَ تُعْيينِى الْمَذاهِبُ، وَأَنْتَ بارِئُ خَلْقي رَحْمَةً بي، وَقَدْ كُنْتَ عَنْ خَلْقي غَنِيًّا، وَلَوْلا رَحْمَتُكَ لَكُنْتُ مِنَ الْهالِكينَ، وَأَنْتَ مُؤَيِّدي بِالنَّصْرِ عَلى أَعْدائي، وَلَوْلا نَصْرُكَ إِيّايَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَفْضُوحينَ. يا مُرْسِلَ الرَّحْمَةِ مِنْ مَعادِنِها، وَمُنْشِئَ الْبَرَكَةِ مِنْ مَواضِعِها. يا مَنْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالشُّمُوخِ وَالرِّفْعَةِ، فَأَوْلِياؤُهُ بِعِزِّهِ يَتَعَزَّزُونَ، وَيا مَنْ وَضَعَتْ لَهُ الْمُلُوكِ نيرَ الْمَذَلَّةِ عَلى أَعْناقِهِمْ، فَهُمْ مِنْ سَطَواتِهِ خائِفُونَ. أَسأَلُكَ بِكَيْنُونِيَّتِكَ الَّتِي اشْتَقَقْتَها مِنْ كِبْرِيائِكَ، وَأَسأَلُكَ بِكِبْرِيائِكَ الَّتِى اشْتَقَقْتَها مِنْ عِزَّتِكَ، وَأَسأَلُكَ بِعِزَّتِكَ الَّتِي اسْتَوَيْتَ بِها عَلى عَرْشِكَ فَخَلَقْتَ بِها جَميعَ خَلْقِكَ فَهُمْ لَكَ مُذْعِنُونَ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد وَأَهْلِ بَيْتِهِ"31.

فكم يعيش العبد الشعورَ بالطمأنينة والأمل وهو يناجي الله بهذه الكلمات!

المراقبة المستديمة:
إذا ارتبط العبد بالله - عزّ وجلّ -، وبدأ في رحلة التخلي عن المعاصي، فعليه أن يزيد في نفسه منزلة ذات أهمية كبيرة في الطريق إليه، وهي المراقبة، بأن يعيش حقيقة الأدعية والأذكار الواردة في شهر رجب، ويستعين بكتاب الله - عزّ وجلّ -، ويتدبّر في آياته، من قبيل ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾32، فإذا عَلِمتَ أنَّ الله يعلم، أخذتَ الحَذرَ من أن تعصيهُ، والآية الكريمة ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا﴾33 فلو شكَ أحدُنا في أنهُ مُراقَب، فإنهُ يُبالغُ في الانضباط، يُبالغُ في مراجعةِ نفسهِ، هذا والإنسان مراقبتهُ محدودة، فكيف لو علمَ أنَّ الواحدَ الديّان يُراقِبُه! أنَّ الله - عزّ وجلّ -، الذي يعلم السرَّ وأخفى، مُطّلعٌ عليه! ناظرٌ إليه! يعلمُ سِره وجهره! ما أخفى وما أعلن! ما أبطن وما أظهر! ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾34. والآية التي كان بعض العلماء يردّدها بشكل دائم ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾35, يعني مُطلّعٌ عليك، والكريمة المبشِّرة ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾36, يعني: الإنسان في عين الله، بمعنى أنه يراه، يحفظه، يحوطهُ بالرعاية والاهتمام، والآية ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾37، فما من مخلوقٍ على وجه الأرض يستطيع أن يكشفَ خيانةَ العين إلا الله، هو وحدهُ يعلم خائنة الأعين.

وليس الأمر بحضور هذا الشعور بشكل منقطع، بل بإدامَته، وشعروك أنَّ الله يُراقبك في كلِّ أحوالك، في حركاتك وسكناتك، في كلِّ نشاطاتك، في خلوتك، في جلوتك، في لهوِكَ، في جِدّك، في عملك، في بيتك، في الطريق. إذا سافرت إلى أماكن بعيدة، إذا استدامَ حالُ المُراقبة، إذا استدامَ شعورُكَ أنَّ الله يعلم، وأنَّ الله مُطلّعٌ عليك، وأنَّ الله يُراقِبك، فأنت في خير عظيم، وتأمل في هذا الدعاء "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَخْشَاكَ كَأَنِّي أَرَاكَ أَبَدًا حَتَّى أَلْقَاكَ، وَأَسْعِدْنِي بِتَقْوَاكَ، وَلا تُشْقِنِي بِمَعْصِيَتِكَ"38.

وليست المراقبة مسألة مشاعرية أو نظرية، بل لا بدّ فيها من الإطار العملي، والأهم فيما مراقبة المنافذ الصادرة والواردة39 فيك, أي ما يصدر منك أو يرد إليك، فأنت مقبل على الله بكلّك، وفي الدعاء "إلهي، طالما نامت عيناي وقد حضرت أوقات صلواتك، وأنت مطّلع عليّ، تحلم بحلمك الكريم إلى أجل قريب، فويل لهاتين العينين، كيف تصبران غدًا على تحريق النار! إلهي، طالما مشت قدماي في طاعتك، وأنت مطلع علي، تحلم بحلمك الكريم إلى أجل قريب، فويل لهاتين القدمين، كيف تصبران غدًا على تحريق النار!"40.

أداء حق أمير المؤمنين عليه السلام:
وبما أن هذا الشهر الشريف والمبارك فيه الولادة المباركة لأمير المؤمنين عليه السلام، فلا بدّ من ملاحظة أداء حقه عليه السلام، من قبيل حقّ المودة والطاعة والاتباع الحقيقي، ولا يكون هذا الأمر إلا بالاتصال الحقيقي به (صلوات الله عليه) من خلال منهج محدَّد لا بدّ من اتّباعه، وهو محاولة التشبه أو القرب من بعض صفاته عليه السلام، ليصبح بينك وبين وليّك نوع مشابهة، وهذا الأمر إن تمّ ففيه فائدة عظيمة على سلوك الإنسان، ولك في قصص أصحابه عبرة، فإن مشوا بين الناس كانوا يذكّرون به عليه السلام، لماذا؟ أليس لأنهم شابهوه في عظيم خلقه ومنهجه عليه السلام! فهذا مالك الأشتر41 كان يعيش حياة متواضعة جدًّا، فكان أحيانًا لا يُعرف في الطريق لملابسه البسيطة جدًّا.

ومن هذه القصص حكي أن مالكًا بن الأشتر (رضي الله عنه) كان مجتازًا في سوق وعليه قميص خام وعمامة منه، فرآه بعض السوقة، فأزرى بزيه، فرماه ببابه تهاونًا به، فمضى ولم يلتفت، فقيل له: ويلك، تعرف لمن رميت؟ فقال: لا، فقيل له: هذا مالك صاحب أمير المؤمنين عليه السلام، فارتعد الرجل ومضى ليعتذر إليه، وقد دخل مسجدًا وهو قائم يصلي، فلما انفتل انكبّ الرجل على قدميه يقبلهما، فقال: ما هذا الأمر؟ فقال: أعتذر إليك مما صنعتُ، فقال: لا بأس عليك، فوالله ما دخلت المسجد إلا لأستغفرن لك42.

والتأمل في كيفية نعي الإمام عليه السلام حين شهادته وحزنه عليه الشديد، فجعل يتلهّف ويتأسف على فقدان الأشتر ويقول: "مَالِكٌ ومَا مَالِكٌ، واللَّه لَوْ كَانَ جَبَلًا لَكَانَ فِنْدًا، ولَوْ كَانَ حَجَرًا لَكَانَ صَلْدًا. لَا يَرْتَقِيه الْحَافِرُ، ولَا يُوفِي عَلَيْه الطَّائِرُ قال الرضي"43.

وفي قول آخر له عليه السلام: "رحم الله مالكًا، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"44.

من كتاب له إلى محمد بن أبي بكر "إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي كُنْتُ وَلَّيْتُهُ أَمْرَ مِصْرَ كَانَ رَجُلًا لَنَا نَاصِحًا، وَعَلَى عَدُوِّنَا شَدِيدًا نَاقِمًا، فَرَحِمَهُ اللهُ! فَلَقَدِ اسْتَكْمَلَ أَيَّامَهُ، وَلاَقَى حِمَامَهُ، وَنَحْنُ عَنْهُ رَاضونَ، أَوْلاَهُ اللهُ رِضْوَانَهُ، وَضَاعَفَ الثَّوَابَ لَهُ"45. فهل ينعانا كمثل هذا إن نُعيت أنفسنا إليه؟

ونختم بالرواية المباركة عن الإمام الصادق عليه السلام: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: أَيْنَ الرَّجَبِيُّونَ؟ فَيَقُومُ أُنَاسٌ يُضِي‏ءُ وُجُوهُهُمْ لِأَهْلِ الْجَمْعِ عَلَى رُؤوسِهِمْ تِيجَانُ الْمُلْكِ مُكَلَّلَةً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَلْفُ مَلَكٍ عَنْ يَمِينِهِ وَأَلْفُ مَلَكٍ عَنْ يَسَارِهِ، يَقُولُونَ هَنِيئًا لَكَ كَرَامَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَيَأْتِي النِّدَاءُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ: عِبَادِي وَإِمَائِي وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَاكُمْ، وَلَأُجْزِلَنَّ عَطَاكُمْ (عَطَايَاكُمْ‏)، وَلَأُوتِيَنَّكُمْ‏ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها، نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ‏. إِنَّكُمْ تَطَوَّعْتُمْ بِالصَّوْمِ لِي فِي شَهْرٍ عَظَّمْتُ حُرْمَتَهُ وَأَوْجَبْتُ حَقَّهُ. مَلَائِكَتِي، أَدْخِلُوا عِبَادِي وَإِمَائِي الْجَنَّةَ. ثُمَّ قَالَ عليه السلام: هَذَا لِمَنْ صَامَ مِنْ رَجَبٍ شَيْئًا وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا فِي (مِنْ‏) أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ"46.

إيقاظ
عن الإمام العسكري عليه السلام أنه قالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ مَنْ عَرَفَ حُرْمَةَ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَوَصَلَهُمَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ شَهِدَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّهُورُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ شُهُودَهُ بِتَعْظِيمِهِ لَهَا، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا رَجَبُ، يَا شَعْبَانُ، وَيَا شَهْرَ رَمَضَانَ، كَيْفَ عَمَلُ هَذَا الْعَبْدِ فِيكُمْ؟ وَكَيْفَ طَاعَتُهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَيَقُولُ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ: يَا رَبَّنَا مَا تَزَوَّدَ مِنَّا إِلَّا اسْتِعَانَةً عَلَى طَاعَتِكَ، وَاسْتِمْدَادًا لِمَوَادِّ فَضْلِكَ، وَلَقَدْ تَعَرَّضَ بِجُهْدِهِ لِرِضَاكَ، وَطَلَبَ بِطَاقَتِهِ مَحَبَّتَكَ. فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهَذِهِ الشُّهُورِ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِهَذَا الْعَبْدِ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا، صَدَقَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَشَهْرُ رَمَضَانَ. مَا عَرَفْنَاهُ إِلَّا مُتَقَلِّبًا فِي طَاعَتِكَ، مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ رِضَاكَ، صَائِرًا فِيهِ إِلَى الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ. وَلَقَدْ كَانَ يُوصِلُهُ إِلَى هَذِهِ الشُّهُورِ فَرِحًا مُبْتَهِجًا، أَمَّلَ فِيهَا رَحْمَتَكَ، وَرَجَا فِيهَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ، وَكَانَ مِمَّا مَنَعْتَهُ فِيهَا مُمْتَنِعًا، وَإِلَى مَا نَدَبْتَهُ إِلَيْهِ فِيهَا مُسْرِعاً. لَقَدْ صَامَ بِبَطْنِهِ وَفَرْجِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَسَائِرِ جَوَارِحِهِ، وَلَقَدْ ظَمِئَ فِي نَهَارِهَا وَنَصَبَ فِي لَيْلِهَا، وَكَثُرَتْ نَفَقَاتُهُ فِيهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَعَظُمَتْ أَيَادِيهِ وَإِحْسَانُهُ إِلَى عِبَادِكَ. صَحِبَهَا أَكْرَمَ صُحْبَةٍ، وَوَدَّعَهَا أَحْسَنَ تَوْدِيعٍ. أَقَامَ بَعْدَ انْسِلَاخِهَا عَنْهُ عَلَى طَاعَتِكَ، وَلَمْ يَهْتِكْ عِنْدَ إِدْبَارِهَا سُتُورَ حُرُمَاتِكَ، فَنِعْمَ الْعَبْدُ هَذَا! فَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا الْعَبْدِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَتَلَقَّاهُ مَلَائِكَةُ اللَّهِ بِالْحِبَاءِ وَالْكَرَامَاتِ، وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى نُجُبِ النُّورِ وَخُيُولِ النَّوَّاقِ (الْبُلْقِ‏)، وَيَصِيرُ إِلَى نَعِيمٍ لَا يَنْفَدُ، وَدَارٍ لَا تَبِيدُ، لَا يَخْرُجُ سُكَّانُهَا، وَلَا يَهْرَمُ شُبَّانُهَا، وَلَا يَشِيبُ وِلْدَانُهَا، وَلَا يَنْفَدُ سُرُورُهَا وَحُبُورُهَا، وَلَا يَبْلَى جَدِيدُهَا، وَلَا يَتَحَوَّلُ إِلَى الْغُمُومِ سُرُورُهَا، لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ، وَلَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا لُغُوبٌ، قَدْ أَمِنُوا الْعَذَابَ، وَكُفُّوا سُوءَ الْحِسَابِ، وَكَرُمَ مُنْقَلَبُهُمْ وَمَثْوَاهُم"‏47.

وقفة تأملية

لا أزال على منهاج أبويّ

شاهدت عمّتُه فاطمة بنت علي بن أبي طالب عليه السلام ما ناء به من الجهد في العبادة، خافت عليه من أذية نفسه وهلاكها، وهو بقية السلف، وحمى الأمن، ومعقد الآمال، ومفزع المستجير، فأتت جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو خاصّتهم وصاحب جدّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلعلّه يستطيع أن يخفف العناء والجهد عن الإمام السجاد، فقالت له: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إن لنا عليكم حقوقًا، ومن حقنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يُهلِك نفسه اجتهاداً تذكّرونه الله تعالى وتدعونه إلى البُقْيا على نفسه. وهذا علي بن الحسين قد انخرم أنفه، وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه، لم أجدها منه لنفسه في العبادة.

فأتى جابر باب علي بن الحسين، فرأى على الباب أبا جعفر الباقر عليه السلام، فاستأذنه في الدخول على أبيه، فدخل جابر على الإمام السجاد عليه السلام وهو في محرابه، قد أنضته العبادة، فنهض إليه الإمام وسأله عن حاله، وأجلسه إلى جنبه، فقال له جابر: يا بن رسول الله، أما علمت أن الله خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم؟ فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك؟ فقال علي بن الحسين: يا صاحب رسول الله، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلم يدع الاجتهاد له، وتعبد - بأبي هو وأمي - حتى انتفخ الساق وورم القدم. فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر!

فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أفلا أكون عبدًا شكورًا! فلما نظر جابر إلى علي بن الحسين لا يقبل قول من يستميله عن الجهد في القصد، قال له: يا بن رسول الله، البقيا على نفسك، فإنك لَمِن أسرة بهم يُستدفَع البلاء ويُستكشَف اللأواء، وبهم تستمطر السماء.

فقال عليه السلام: يا جابر، لا أزال على منهاج أبويّ متأسيًا بهما (صلوات الله عليهما) حتى ألقاهما. فأقبل جابر على من حضر وقال: والله، ما رؤي في أولاد الأنبياء مثل علي بن الحسين إلا يوسف بن يعقوب. والله، لذرية الحسين عليه السلام أفضل من ذرية يوسف بن يعقوب، وإن منهم لمَن يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا48.

هوامش
1- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج7، ص545.
2- ضرورة الاستعداد للموسم العبادي، فلو أراد الإنسان أن يذهب إلى الحج، فعليه أن يتهيأ لذلك قبل الذهاب بفترة، يقرأ أسرار الحجّ الباطنية، فضلَ الحجّ، فقهَ الحجّ، حتى لا يصل ويرجع ولا يعلم ما معنى المستجار، ولماذا سمي الحطيم حطيمًا، وما فلسفة السعي، وما فلسفة الرمي!
والتزوّد لا بدّ مِن أن يكون روحيًّا وفكريًّا، من قبيل الاطّلاع على أسرار ذلك الموسم، كأن يقرأ الأعمال قبل حلولها، ويكتب لنفسه برنامجًا كي يُوفَّق للمحطات العبادية. وكذا عند الذهاب إلى زيارة مشهدٍ من مشاهد أهل البيت عليهم السلام، والأهم بعد ذلك معرفةُ كيفية المحافظة على الموسم العبادي، لا تسليمه قبل الرجوع منه.
3- سورة البقرة، الآية 57.
4- قال الشيخ النراقي الغفلة هي: فتور النفس عن الالتفات والتوجه إلى ما فيه غرضها ومطلبها، إما عاجلًا أو آجلًا. وضدها النيّة، وترادفها الإرادة والقصد، وهي: انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها حالًا أو مآلًا -.
5- التهذيب في اللغة بمعنى التنقية والتطهير، وهذّب الشيء بمعنى نقّاه وأخلصه، وهذّب النخلة، أي نقّى عنها الليف، والرجل المهذّب هو مطهّر النفس والباطن من الأخلاق الرذيلة والصفات الذّميمة.
6- سورة الزمر، الآية 47.
7- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج16، ص239.
8- من الصادقين الموالين لرسول الله وأهل بيته، والمناصرين لهم قولًا وفعلًا، وهو في الطبقة الأولى من التابعين، درس عند العديد من الصحابة وعاصر الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه-.
9- نهج البلاغة، ج4، ص17.
10- زاد الانسان في هذا السفر هو خصال النفس وفضائلها وملكاتها، والراحلة في هذا السفر المرعب هو الهمة البطولية التي تدفع الانسان للتغيير والاستيقاظ والعمل وبذل الجهد لا الأماني.
11- الإمام الخميني قدس سره: "هذه الأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، وشهر رمضان، لها بركات كثيرة، يُمكن أن يَستفيد منها كلّ مَن يَستطيع. طبعاً نقطة البداية، المَبعث. ومنه تتفرَّع كلُّ الخيرات الأخرى.. شَرَف هذه الأشهر الثلاثة لا يُحيط به البيان، ولا الألسِنة، ولا العقول.. ومِن بركات هذه الأشهر الأدعية الواردة فيها".
12- سورة الشعراء، الآيتان 88 - 89.
13- الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، ج8، ص25.
14- رجب من الترجيب، أي التعظيم، والمرجَب يعني المعظَّم.
15- الأشهر الحُرُمْ هي أربعة أشهر من الأشهر القمرية، حُرِّمَ فيها القتال منذ عهد إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان هذا التحريم نافذًا حتى زمن الجاهلية قبل الإسلام، وعندما جاء الإسلام أقرَّ حرمته، ولذلك تُسَمَّى بالأشهر الحُرُمْ. وقد أشار القرآن الكريم إلى حرمة ابتداء قتال الأعداء في هذه الأشهر، كما أشار إلى لزوم مقاتلتهم إذا إنتقضوا حرمة هذه الأشهر وبدؤوا القتال.
16- سورة التوبة، الآية 36.
17- معني "حرم" أنه يعظم انتهاك المحارم فيها أكثر مما يعظم في غيرها، وكانت العرب تعظمها حتى أن الرجل لو لقي قاتل أبيه لم يهجه لحرمته. وإنما جعل اللّه تعالى بعض الشهور أعظم حرمة من بعض لما علم في ذلك من المصلحة في الكفّ عن الظلم فيها، فعظّم منزلتها، وإنه ربما أدّ ذلك إلي ترك الظلم أصلًا، لانطفاء النائرة تلك المدة، وانكسار الحمية، فإن الأشياء تجرّ إلى أشكالها. الشيخ الطوسي، التبيان، ج5، ص214.
18- كافي الدين، ش أبي الحسن علي بن محمد الواسطي الليثي، عيون الحكم والمواعظ ، ص324.
19- م.ن، ص324.
20- عن أمير المؤمنين عليه السلام: "إن الله - عزّ وجلّ -: ركّب في الملائكة عقلًا بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كليهما. فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، من غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم. علل ‏الشرائع، ج1، ص 5.
21- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج94، ص39.
22- المصدر نفسه.
23- الشيخ الطوسي، الآمالي، ص372.
24- من دعاء أبي حمزة الثمالي.
25- سورة البقرة، الآية 222.
26- التخلية: هي تطهير النفس من رذائل الأخلاق، كالحسد والرياء والكبر والعجب وحبّ الدنيا وغيرها من الرذائل التي يذكرها علماء الأخلاق. يعتبر علماء الأخلاق أن التخلية هي الخطوة الأولى، وبدونها لا تحصل الفائدة الكاملة، لأن النفس تكون غير مستعدة للفيوضات القدسية إذا لم تكن النفس صافية قابلة لانعكاس الفيوضات فيها. ويمثلون لذلك بالمرآة التي ما لم تذهب الكدورات عنها لا تستعدّ لارتسام الصور فيها، وكالبدن الذي ما لم تزل عنه العلة لم تتصور له إضافة الصحة، وكالثوب الذي ما لم يـنـقَ عن الأوساخ لم يقبل لوناً من الألوان. فالمواظبة على الطاعات الظاهرة لا تنفع بصورة كاملة ما لم تتطهّر النفس من الصفات المذمومة.
27- من دعاء أبي حمزة.
28- اليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص126.
29- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 67، ص249.
30- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص400.
31- الشيخ عباس القمّي، مفاتيح الجنان، من أدعية النصف في شهر رجب.
32- سورة البقرة الآية 235.
33- سورة الأحزاب، الآية 52.
34- سورة الحديد، الآية 4.
35- سورة العلق، الآية 14.
36- سورة الطور، الآية 48.
37- سورة غافر، الآية 19.
38- من دعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام.
39- تشبيه الأمر بالصادر أو الوارد، أي ما ينفذ للإنسان منه أو يرد عليه للخارج، مثل الكلام أو اللسان، فهو يصدر من منفذ وهو الفم، أو الأذن يرد عليها الغيبة أو النيميمة، أو العين يرد عليها الحرام أو ينفذ منها النظرة المخيفة للمؤمن، أو القدم أو اليد أو البطن وغيرها.
40- الصحيفة السجادية الجامعة ، ص486.
41- مالك بن الحارث المعروف بـالأشتر توفى 39هـ-، من وجوه العراق وشجعانه، ومن أبرز قادة جيش الإمام علي عليه السلام، خطيب مفوّه، شاعر فصيح، جواد حليم، فارس شجاع شديد البأس، وكان يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في موضع السطوة، ويرفق في موضع الرفق. يعدّ الأشتر من خاصّة أمير المؤمنين عليه السلام، ومن أبرز قادة جيشه في معركتي الجمل وصفين، وقد أوكل إليه عليه السلام ولاية مصر التي استُشهد في طريقه إليها، وهو صاحب العهد المشهور الذي كتبه له عليه السلام حينما عيّنه والياً عليها.
42- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج42، ص157.
43- نهج البلاغة، ص554.
44- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج42، ص176.
45- نهج البلاغة، ص408.
46- الشيخ الصدوق، ش محمد بن علي بن حسين بن بابويه القمي، فضائل الأشهر الثلاثة، طبعة مكتبة الداوري، إيران - قم، 1396 ه، ط1، ص31.
47- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 94، ص 38.
48- الشيخ الطوسي، الأمالي، ص636.
212 مشاهدة | 12-03-2018