الثلاثاء 21 آب 2018 الموافق لـ 7 ذو الحجة 1439هـ

» قراءات ومـــراجعــات

في زواج النبي (ص) من زينب طليقة زيد

سؤال وارد:
يقولون إنّ النبي (ص) عشق زينب زوجة زيد فطلّقها منه وتزوّجها، فما صحّة ذلك؟

الجواب:
أولاً: القصّة لا تستقيم مع صاحب النفس الساميّة الذي وصل مقام العُلى، عند سدرة المنتهى، فكيف له أن يشتهي امرأة محصنة!!، ليخالف فطرته السويّة، ويعاند أمراً صرّحت بحرمته الشرائع، كما جاء في الوصيّة اليهوديّة العاشرة: لا تشتهِ زوجة جارك".

ثانياً: إنّ وقوع الكذب والتدليس في الحديث أمرٌ ثابتٌ عند جمهور المسلمين، حتّى إنّ ابن تيمية يعترف بذلك فيقول: " وهذه الكتب التي يسمّيها كثير من الناس "كتبَ التفسير" فيها كثير من التفسير منقولات عن السلف مكذوبة عليهم"1.

ثالثاً: القصّة باطلة عند كبار علماء أهل السنّة، ومنهم العلامة القرطبي الذي قال: "فأَمَّا مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ (ص) هَوِيَ زَيْنَبَ امْرَأَةَ زَيْدٍ وَرُبَّمَا أَطْلَقَ بَعْضُ الْمُجَّانِ لَفْظَ عَشِقَ فَهَذَا إِنَّمَا يَصْدُرُ عَنْ جَاهِلٍ بِعِصْمَةِ النَّبِيُّ (ص) عَنْ مِثْلِ هَذَا، أَوْ مُسْتَخِفٍّ بِحُرْمَتِهِ"2.
كذلك علّق ابن كثير على ما نقلوه فقال: "ذَكَرَ ابنُ جرير (الطبري)، وابنُ أبي حاتم هَا هُنَا آثاراً عن بعض السلف، أحببنا أنْ نَضْرِبَ عنها صَفْحاً لعدم صحتها فلا نُورِدُهَا"3.
وكذلك ابن حجر الذي رفض المنقول واعتمد على المقبول قائلاً: " وَرَدَتْ آَثَارٌ أُخْرَى أَخْرَجَهَا ابْنُ أبي حَاتِم والطبريُّ وَنَقَلَهَا كثيرٌ مِن الـمُفَسِّرِينَ لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردتُه مِنْهَا هو المعتمد، والحاصل أنَّ الذي كان يـُخْفِيهِ النبيُّ (ص) هو إِخْبَار الله إياه أَنَّهَا سَتَصِيرُ زَوْجَتَهُ"4.
وحين تحدّث الذهبي في كتابه عن الإسرائيليّات، عدّ الروايّة من الأباطيل التي يرويها ابنُ جريرٍ في تفسيره قائلاً: "وهي كما نَبَّهْنًا عليه سابقاً دَسِيسَةٌ دسَّهَا على الإسلام يوحنا الدمشقيُّ في عَصْرِ بني أميّة" 5.

رابعاً: إنّ الرواية مرسلة ضعيفة موضوعة كما بيّن ذلك الشيخ محمّد أبو زهرة، فقال: "وهذه الرواية إنّما هي مِنْ وَضْعِ أعداءِ الدِّين، وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم –الراوي لها- متّهم بالكذب، والتحديثِ بالغرائب، وروايةِ الموضوعات، ولم يذكر هذا إلا المفسّرون والإخباريّون المولعون بنقل كل ما وقع تحت أيديهم من غَثٍّ أو سَمِينٍ، ولم يوجد شيء من ذلك في كتب الحديث المعتمدة التي عليها الـمُعَوَّلُ عند الاختلاف، والذي جاء في الصحيح يخالف ذلك ، وليس فيه هذه الرواية المنكرة"6.

خامساً: القصة باطلة بصريح القرآن الكريم، فإنّ النبي (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وصاحب (الخلق العظيم)، والتأسّي إنّما يكون في كلّ حركات النبي (ص) وسكناته، وفي كامل شمائله وخصائصه، فكيف له أن يعشق امرأة محصنة، ثمّ يقوم بتطليقها لرغبة في نفسه! حاشاه.

سادساً: ما الذي كان يخفيه إذاً: إنّ الذي كان النبي (ص) يخفيه في نفسه هو ما فرضه الله له من زواج، إذ كان الحكم كسراً للعادات والتقاليد التي تمنع الزواج بطليقة الابن المتبنّى، وفي ذلك محاربة للاعتقادات الراسخة والمتجذّرة في نفوسهم.

(اللهمّ اجعل محياي محيا محمّد وآل محمّد ومماتي ممات محمّد وآل محمّد)
الشيخ حسن علي شحاذي *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
* أستاذ في جامعة المصطفى (ص) العالمية - عضو لجنة التاريخ الإسلامي
1- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج6 ص388 ط مُجَمَّع الملك فهد ، ت: عبد الرحمن ابن محمد ابن قاسم 1425هـ، 2004م.
2- الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي ج17 ص157 ط مؤسسة الرسالة – بيروت، ت: عبد المحسن التركي، الطبعة الأولى 1427هـ ،2006 م.
3- تفسير القرآن العظيم للإمام عماد الدين ابن كثير ج6 ص424 ط دار طيبة – الرياض، ت: سامي بن محمد السلامة، الطبعة الثانية 1420هـ، 1999م.
4- فتح الباري بشرح صحيح البخاري للإمام ابن حجر العسقلاني ج12 ص503 ط دار طيبة – الرياض، الطبعة الأولى 1426هـ ـ 2005م.
5- الإسرائيليات في التفسير والحديث للدكتور/محمد حسين الذهبي ص103 ط مكتبة وهبة – القاهرة، الطبعة الرابعة 1411هـ، 1990م.
6- الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير للشيخ محمد ابن محمد أبو شهبة ص323 ط مكتبة السنة – القاهرة، الطبعة الرابعة 1408هـ.

309 مشاهدة | 08-11-2017