الإثنين 06 نيسان 2020 الموافق لـ 13 شعبان 1441هـ

» قراءات ومـــراجعــات

فهم المستشرقين للقرآن بين القصور والتقصير

بحث مدرج في العدد 31 من مجلّة الكلم الطيّب الصادرة عن ممثّلية جامعة المصطفى (ص) العالميّة في لبنان

 

الشيخ حسن شحاذي[1]

مقدّمة:

  تنزّل الوحي السماويّ المقدّس طيلة عشرين عاماً ونيّف؛ فقدّم للبشريّة جمعاء دستوراً للحياة، وكتاباً >فيه منار الهدى ومصابيح الدجى، فليجل جال بصره ويفتح للضياء نظره، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور<[2].

    وهذا الوحي المتمثّل بالقرآن الكريم، بما فيه من نور وهدىً للتي هي أقوم، وما يحوي من عجائب تفوق الإعجاز البياني، والعلمي، والتشريعي، وما يتضمّن من آيات تحتّم على المنصت بخشوع إليه أن يسلك في هالة ربّانيّة رائعة؛ كان وما زال مبعثاً للشكوك لدى البعض، ومصدراً أساس لمحاربة الإسلام من خلال الطعن فيه.

والسؤال المطروح هنا: أليس القرآن منارة هدى، وسبيل صراط، وطريق حيارى؟إذاً لماذا ظلّ مغيّباً عن فهم أهل الاستشراق، فلم يفض بنوره عليهم؟ ولماذا لم يشعروا بأنّه نصٌ فوق حدود القلم البشري؟

    ولعلّ هذا الأمر مع ما أشرنا إليه في مقدّمة الكلام، ناتج عن عوائق كانت كفيلة بإيقاف شذرات النور التي يحملها ذلك الكتاب، فكان أن أنشأت جداراً صلداً يمنع ذلك الفيض من النزوح من ساحات القلوب القاسية، التي غرّدت على أغصانِ اليباس، فلم تعرف نضارة المعاني، وعمق البيان.

وقد أظهر بلاشير REGIS BLACHERE (المستشرق الفرنسي 1900 – 1973)  حقيقة ذلك التفاوت، حين وسم النصّ القرآنيّ بـالنصّ الذي يغلب عليه الغموض، وينتاب مطلعه القلق؛ وذلك في معرض مدحه لكتاب نولدكه[3]، فرسم لنا من خلال عباراته حقيقة فهم المستشرقين، ونظرتهم المتّسمة بالغموض إزاء القرآن الكريم؛ الأمر الذي دعاهم إلى كشف نقابه، وبيان مراده، فقصر أغلبهم عن إدراك كنهه، فما ازداد الغامض إلاّ غموضاً، حتى أمست بشريّته حلاً أمثل لجملة أسئلتهم التي لم تعرف جواباً.

    وللوقوف على تلك الأسباب العائقة، لا يسعنا إلا دخول القرآن الذي ينصبّ عليه موضوع البحث، بما يمثّله من تجسيد للوحي، ودراسة أهمّ عوامل عدم فهمهم للكتاب، ونتحدّث في هذا المختصر عن ثلاثة منها:

قصور فهم المعجزة البيانيّة.
قصور ترجمات القرآن وضعفها.
أسلوب القرآن المخالف لأساليب الكلام.


أولاً: قصور فهم المعجزة البيانيّة:

       خطّ المصطفى المختار (ص) حروف الخلاص، فبيّن أهمّيّة القرآن وسبيله الهادي إلى الرشاد، حيث قال: >فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع، و ماحلٌ مصدّق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيلٌ وبيانٌ وتحصيلٌ، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهرٌ وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخومٌ، وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة، ودليل على المغفرة لمن عرف الصفة<[4].

وتعدّ البلاغة القرآنيّة دليلاً واضحاً على ألوهيّة الذِكْر، وقد "جرت العادة من الحكيم في خلقه بأن لا يمنحهم من البلاغة ما يتفاوتون فيه كثيراً، فلما زادت بلاغة القرآن عليهم جداً وعجزوا عنه وعن ما يقاربه، عُلم أنّه ليس منه، فلهذا آمن فصحاؤهم مثل قيس وكعب، ومدحه الأعشى بقصيدة أولها:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا
نبيٌّ يرى ما لا ترون وذكره

 


وبتّ كما بات السليم مسهّدا
أغار لعمري في البلاد وأنجدا

 


  فلم يزالوا به حتى عدلوه عنه، وآمن به لبيد[5]، وترك الشعر تعظيماً للقرآن، وقيل له:« ما فعلت بقصيدتك "عفت الديار محلها ومقامها"؟» فقال لهم: «أبدلني الله بها البقرة وآل عمران»"[6].

وعليه، "فإذا تجاوزت بلاغة القرآن ذلك المقدار الذي جرت به العادة في بلاغة العبد، وبلغت حداً لا تبلغه بلاغة أبلغهم، ظهر كونه ناقضاً للعادة، وإنّما يبين كونه كذلك، إذا بيّنا أنّه تحدّاهم بمثل القرآن، فعجزوا عنه، وعمّا يقاربه"[7].

    وعلى أيّ حال، فإنّ بلاغة القرآن التي وصل بها الكتاب الكريم إلى ذروة إعجازه في أسلوبه ونظمه، أحدثت ثورة فكريّة واجتماعيّة لدى العرب، وأثّرت في نفوس المؤمنين والكافرين على حدّ سواء كلّ تأثير، فقد جاء كتابنا بسبكٍ غريبٍ، لا هو شعر ولا هو نثر، لا هدر سجع، ولا هذر كهانة، فكان له حلاوة، وعليه طلاوة، مثمر أعلاه، مغدق أسفله، يعلو ولا يُعلى عليه.

    وهذا الوليد بن المغيرة المخزومي يقول: "يا عجباً لما يقول ابن أبي كبشة، فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي جنون، وإنّ قوله لمِن كلام الله..."[8].

    والوليد بن المغيرة كان سيّد قريش وأحد فصحائهم، ولمّا سمع القرآن، >أخرس لسانه، وبلد جنانه، وأطفئ بيانه، وقطعت حجته، وقصم ظهره، وظهر عجزه، وذهل عقله، حتى قال:  قد عرفنا الشعر كله هزجه ورجزه، وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر <[9].

وقد ورد: >أنّ ابن أبي العوجاء، وثلاثة من الدهريّة، اتّفقوا على أن يعارض كلّ منهم ربع القرآن، وكانوا بمكّة، وعاهدوا على أن يجيئوا بمعارضته في العام القابل، فلما حال الحول اجتمعوا عند مقام إبراهيم (ع), فقال أحدهم: «إنّي لما رأيت قوله: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ}[10] كففت عن المعارضة». وقال الآخر: «وكذا أنا لمّا وجدت قوله: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا}[11] آيست عن المعارضة». وكانوا يسترون ذلك، إذ مرّ عليهم جعفر بن محمد الصادق (ع)، فالتفت إليهم، وقرأ عليهم: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ...}[12] الآية, فبهتوا< [13].

    وقد أردنا من هذا العرض إظهار وضوح كيفيّة تعامل أصحاب اللغة العربيّة الأقحاح مع القرآن، وتبيين فهمهم لكلمات الكتاب بشكل تنأى عنه فكرة بشريّته، وإلاّ فإنّ الشاعر العربي يتصدّر قرار التمييز، ويفرّق قبل غيره قول السماء عن قول البشر.

    وإذا ما خلصنا من هذا التقديم، وعرفنا قصورنا نحن المتأخرّين عن عصر اللغة الصحيحة، علمنا فحوى عدم فهم المستشرقين للقرآن، ومحاولتهم الدائمة لضربه، فهم يجهلون القرآن وبلاغته، ويبتعدون كلّ البعد عن حلاوة النص، الذي يشعر به فقط أرباب اللغة وأصحابها.

    وإذا كان الفهم يعتمد على ملكة اللغة العمليّة، وملكة فلسفتها من فنون النحو والبيان، وقد فقدت الملكتان منذ قرون إلاّ عند أفرادٍ متفرّقين، فيما بقي الآخرون دون أن يعقلوا القرآن كما يجب، وكما ينبغي أن يدرك، فتعلّموا الكلمات بما هي كلمات، وغاب عنهم البيان، فوقعوا قصوراً وتقصيراً، أمام المعجزة البيانيّة التي يصعب على أمثالهم إدراكها. 

 

ثانياً: قصور ترجمات القرآن وضعفها:

العائق الثاني عائق أعظم؛ لأنّه بفعل فاعل، فالترجمات التي يعتمد عليها المستشرقون في فهمهم ودراساتهم وتحليلهم للقرآن الكريم، قاصرة كلّ قصور عن أداء معانيه التي لا مجال لتأديتها إلاّ من خلال لغته التي أُنزل بها بخصائص عباراتها العالية والسامية، وأسلوبها المعجز.

وعندما نعالج موضوع ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبيّة، شرقيّة كانت أم غربيّة، فإنّما نعالج موضوعاً ذات أهمية عالية؛ ذلك أنّ كتاب الله العزيز الكريم ليس كمثله كتاب، وهو لفظٌ ومعنى، فلا يمكن اعتبار المعنى وحده قرآن؛ بل هو بلفظه ومعناه قرآن عربي مبين.

والحقيقة أنّ ترجمة القرآن شيء، وترجمة المعاني القرآنيّة شيءٌ آخر، وهي التي توازي ترجمة تفسير القرآن، ويرجى من خلالها تفهيم الأجنبي محتوى الكتاب والنص، وإيصال مفاهيم القرآن وأهدافه إلى العقول بغية إظهار ذلك الفيض الإلهي، ونشر الرسالة السماويّة على العالمين.

    والسؤال: كيف يمكن ترجمة الوحي الإلهي بعبارات بشريّة عاديّة؟ وكيف يمكن لمترجم أن يحيط بعبارت القرآن الدقيقة، ومفاهيمه العالية، ومراتبه العظيمة، وقد عجز أرباب اللغة عن أن يأتوا بآية من مثله؟

    صحيحٌ أنّ الترجمة تؤدّي حقوق الفكرة، ولكنْ إنّما تكون بروح المعنى، لذا فإنّها تضرب أسس أهم عناصر القرآن، وهو عنصر البلاغة، فيصبح النصّ أسير أهواء المترجم، وتقديره الخاصّ لكلّ كلمة.

    علاوة على ذلك، فإنّ >أهمّ خصائص الترجمة، اتّسام معظمها بالتشويه المتحيّز، حيث جاءت بعيدة عن الموضوعيّة والأمانة العلميّة، مع تذييل معظم تلك الترجمات بمقدّمات وتعليقات نقديّة تشتمل جميعها على نقض للقرآن، ومحاولة سيّئة النيّة لتغيير أحكامه، وتأويل آياته تأويلاً خاطئاً لا يتّسق وما يفهم من عباراته وألفاظه، فاتّسمت هذه الترجمات بالتحريف، والتزوير والتشويه، الأمر الذي جعله هدفاً مناسباً للشبهات الأخرى الناجمة عنها<[14].

    فهل كان مترجمو القرآن الكريم يحسنون اللغة العربيّة؟ وهل كانوا يتقنونها إتّقاناً يخوّلهم ترجمة مثل ذلك النص المقدّس؟

    وكلّ ما يمكن قوله: إنّ الترجمة العلميّة الصحيحية تأخذ بعين الاعتبار معرفة المترجم للّغة الأصل ولغة الترجمة؛ بنحو كامل وتامّ؛ بلحاظ الأساليب، والخصائص، والقواعد، وأنْ تكون الترجمة وافية تستوفي كلّ المطالب، وتلمّ بجميع معاني النصّ المترجم بمقاصده كافّة.

فإذا ما طبّقنا هذه الشروط؛ فأين محلّها من الواقع؟

    إنّ ترجمة القرآن ناقصة لن تؤدّي أبداً إلى معرفة النصّ الإلهي؛ لفظاً ومعنىً في الأعم الأغلب. وللوقوف على هذه الحقيقة، يمكننا إيراد بعض الأمثلة والنماذج التي تكشف عيوب ترجمات القرآن الكريم:

1- الأنموذج الأوّل:

قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا .حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}[15].

فقد ترجمها سافاري Savary:

«Népousez pas les femmes qui ont été les épouses de vos pères. C‘est un crime! C‘est le chemin de la perdition, mais si le mal est fait, gardez-les<.

>أي لا تتزوّجوا النساء اللاتي كنّ زوجات لآبائكم.  تلك جريمة! لأنّها طريق الضياع، ولكن إذا كان الشر قد حدث فاحتفظوا بهنّ<!

ويقول بشان {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ}

«Si le crime est commis, le seigneur est indulgent et miséricordieux»

>أي إذا كانت الجريمة قد ارتكبت فالمولى متسامحٌ كريم<.

2- الأنموذج الثاني:

قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}[16].

فقد ترجموها بالفرنسية  et t‘a enriché

وترجموها باللغة الإنجليزيّة: and enrich thee

أي إنّ الله تعالى قد أغدق عليك المال فأغناك.

ولكنّ الصحيح أنّ المقصود من الآية خلاف ذلك، فلا تقصد الغنى المادي الذي ذهبت إليه الترجمة الفرنسيّة والإنجليزيّة، بل بمعنى أنّ الله -عزّ وجل- حرّر النبي الكريم | من الحاجة، فأين مراد القرآن من النصّ المترجم؟!

3- الأنموذج الثالث:

قوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}[17].

فقد ترجموها بالفرنسيّة هكذا:

>Ho les gens! Craignez votre seigneur. Oui, c‘est une chose enorme que le tremblement de I‘Heure. Le jour où vous le verrez toute femme que allaite oubliera ce qu‘elle allaitait, et toute femelle engrossée avortera sa rossesse. Et tu verras ivres les gens, qlors qu‘ils ne sont pas ivres!<

فهل تعبّر كلمة Heure بالفرنسية أو the hour بالإنجليزيّة عن المفهوم القرآني ليوم الهول الأعظم والجزاء الأوفق؟ وهل تعبّر ترجمة هذه الآية عن مشاهد ذهول كلّ مرضعة عمّا أرضعت، وسقوط حمل كلّ ذات حمل، ورؤية الناس سكارى وما هم بسكارى؟.

4- الأنموذج الرابع:

قوله تعالى: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ }[18]

فقد ترجمها ماسينيون بما نصّه:

Nous avons porté Noé sur un assemblage de planches et de fibres de palmérs.

وترجمتها بالعربيّة:

حملنا نوحاً على مجموعة من الألواح وخيوط (أو شعر) النخيل.

أمّا سافاري فترجمها وفق الآتي:

Nous sauvàmes Noé dans l‘arche formée de planches jointes.

وتعني بالعربيّة:

وأنقذنا نوحاً في سفينة مصنوعة من ألواح مجمعة.

واختلف كازيميرسكي في ترجمتها، فقال:

Nous le (noé) potames dans un vaisseau fait de planches et le clous.

وتعني:  وحملنا نوحاً على باخرة (مركب) صنعت من ألواح ومسامير.

وبعرض هذه الترجمات الثلاثة، يبصر القارئ حجم الاختلاف بين المترجمين في خصوص هذا المقطع الصغير من القرآن الكريم والذي لا يتعدّى بضع كلمات، فما حال ترجمته الكاملة؟! وهل يمكن لنصّ واحد أن يتعدّد في مقام الترجمة؟!

ومن الواضح أنّ كلّ مترجم نزح ناحية ما انصبّ عليه عقله في خصوص الألواح، فمنهم من جمّعها بمسامير!  وآخر تعهّد ربطها بخيوطِ النّخيل، في حين توقّف أحدهم عن الأدوات؛ فاعتبرها مجمّعة بتحصيلٍ حاصل!

    وعلى هذا الأساس، يستحيل ترجمة ذلك الإعجاز اللفظيّ الموجود في الآيات، وبذلك تُفقد الترجمة روعة القرآن ونظمه، وبلاغة أسلوبه، وحلاوته وطلاوته التي تؤثّر في النفوس أبلغ تأثير، كما يلاحظ اشتمال الترجمة على تأويلات وتفسيرات لبعض العبارات والألفاظ بعيدة عن المعنى المراد؛ فتأتي مناقضة للمقصود.

    ويستنتج من هذا التقديم؛ قصور الترجمة وضعفها، وبالتالي قصور رؤى المستشرقين وضعف  عدّتهم المنهجيّة التي انطلقوا منها في دراسة الإسلام، وتهجّموا على لبّه الموحى المتمثّل بالكتاب الكريم.

 

ثالثاً: أسلوب القرآن المخالف لأساليب الكلام:

          مثّل هذا العائق الثالث بدوره حجاباً هامّاً في فهم المستشرقين للقرآن الكريم.  وحين نقول: إنّ القرآن يخالف أساليب الكلام؛ فإنّا لا ننكر عربيّته؛ وهو الذي نزل بلسانٍ عربي مبين.

قال القرطبي: >أجمعوا على أنّ القرآن ليس فيه شيء من التراكيب الأعجميّة، وأجمعوا أنّ فيه أعلاماً من الأعجميّة مثل "إبراهيم" و"نوح" و"لوط"، واختلفوا هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجميّة ؟ فأنكر ذلك الباقلاني والطبري وقالا ما وقع فيه مما يوافق الأعجميّة فهو من باب ما توافقت فيه اللغات<[19].

فالقرآن الكريم >كلّه عربي<[20]، نزل بلسان العرب، وما من لفظ فيه إلاّ وهو عربي الأصل، أو معرّب خاضع لموازين اللغة العربيّة وقوالبها ومقاييسها، وجهل العرب ببعض القرآن ليس دليلاً على أعجميّة بعضه، فالعربيّة أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها لفظاً، ولا يحيط بعلمها أحدٌ إلاّ النبي(ص).

ثمّ إنّ بعض الكلمات الظاهرة في العجمة؛ من قبيل >سندس<، و>قسورة<، لا تدلّ على أعجميّة بعض الألفاظ؛ فقد تعلّم بعض الأعاجم ألفاظاً من العربيّة، وسرت بذلك إلى لغاتهم، فيحتمل بذلك أن يوافق لسان العجم، أو بعض الألسنة القليلة من ألسنة العرب.

نعم، هناك القليل النادر من أصل غير عربي ولكنّه سرى قديماً إلى العرب، فعرّبوه وأنزلوه على طبيعة لغتهم، وجعلوه مستعملاً وصادراً من لسانهم بحسب حروفهم، ومخارجها، وصفاتها عند العرب، لذا صحّ بعد هذا الكلام القول: إنّ القرآن الكريم عربي بكلّ ما فيه، فكان {قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ }[21] ، صرّح به الباري؛ فقال: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }[22].

وإذا ما رجعنا إلى مقولة مخالفة القرآن لأساليب الكلام؛ فإنّ هذا الأمر ملاحظ وبيّن، حيث يرى الناظر أسلوباً مخالف لجميع أساليب الكلام العربيّ وغيره، وطريقة مغايرة في مزج العقائد والمواعظ والحكم والأحكام والآداب ضمن آيات متفرّقات في السور، وهذا ما كان حائلاً دون جمع كبار علماء المسلمين من المفسّرين وغيرهم لكلّ نوع من أنواع علومه ومقاصده في باب خاص به.

وإذا صعب هذا الأمر على المسلمين أنفسهم، وهم الأدرى ببعض الخصائص والجزئيّات؛ فما بالكم بالمستشرقين الذين وضعوا كتباً جمعوا فيها آيات القرآن بحسب معانيها، ووضعوا كلاً منها في باب أو أبواب خاصّة بقدر فهمهم.  ولكنّ الحال أنّهم أخطؤوا في كثير من هذه المعاني، وقصّروا في البعض الآخر؛ وذلك لأنّ أخذ القواعد والأصول العامّة من الآيات يتوقّف على العلم بسيرة النبي (ص) وسنّته في بيان القرآن وتنفيذه لشرعه.

وعليه، >فإنّ فهم القصد الإلهي وما يرمي إليه كلام الله في آيات القرآن يستلزم تفكيراً سامياً وذهناً صافياً خالياً من كلّ الشوائب، وشخصيّة تقيّة من الزلل، تجعل صاحبها في مأمن من كلّ الوساوس؛ ذلك أنّ آيات القرآن الكريم نابعة من الربّ والذات المقدّسة؛ وهي بلا شك فوق كلّ العقول. ومن هنا، فإنّ فهم الكلام الإلهي وإدراكه يتطلّبان حكمة عالية وعقولاً سامية...<[23].


[1]  دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن، جامعة المصطفى (ص) العالميّة في لبنان.

[2] الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، ط4، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1365هـ .ش., ج2، ص600.

[3] بلاشير، ريجي: القرآن: نزوله، تدوينه وترجمته، ترجمة: رضا سعادة, ط1, دار الكتاب اللبناني، بيروت, 1974م، ص21.

[4] الحويزي، عبد علي بن جمعة: تفسير نور الثقلين، ط4،  مؤسسة إسماعيليان، قم المقدّسة، 1412هـ،  ج4, ص13.

 

[5] لبيد بن ربيعة بن مالك أبو عقيل العامِري من هوازن بطن عامر بن صعصعة (توفي 41 هـ/661 م)، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية، عمه ملاعب الأسنة وأبوه ربيعة بن مالك والمكنى (بربيعة المقترن) لكرمه. من أهل عالية نجد. أدرك الإسلام، ووفد على النبي ‘ مسلماً، وترك الشعر فلم يقل في الإسلام إلا بيتاً واحداً. وسكن الكوفة وعاش عمراً طويلاً. وهو أحد أصحاب المعلقات.

[6] العاملي، علي بن يونس: الصراط المستقيم، ط1، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، 1384هـ .ش.،  ج1،  ص47 – 48.

[7]  المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار، ط2،  مؤسّسة الوفاء , بيروت، 1983م، ج89, ص125 – 126.

[8] الطبري، محمد بن جرير: جامع البيان عن تأويل القرآن، لا ط., دار الفكر, بيروت, 1995م، ج29، ص195.

[9] الزركشي، محمد بن عبد الله: البرهان في علوم القرآن، ط1، دار إحياء الكتب العربية، بيروت, 1376هـ/ 1957م، ج2،  ص110– 111.

[10]  سورة هود، الآية 44

[11] سورة يوسف، الآية 80

[12] سورة الإسراء، الآية 88

[13] الكاشاني، محمد بن محسن: التفسير الأصفى، ط1،  مركز النشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي، قم المقدّسة، 1418هـ، ج1،  ص696.

[14] الحاج، ساسي سالم: نقد الخطاب الاستشراقي، ط1، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2002م, ج1، ص265.

[15] سورة النساء: الآيات 22-23.

[16] سورة الضحى: الآية 8.

[17]سورة الحج: الآيات 1-2.

[18] سورة القمر: الآية 13.

 

[19] ابن كثير، إسماعيل القرشي: تفسير القرآن العظيم، ط1, تحقيق: يوسف عبد الرحمن المرعشلي, دار المعرفة، بيروت، 2003م، ج1، ص9.

[20]  الطبري، جامع البيان، م.س.، ج1، ص21.

[21] سورة الزمر: الآية 28.

[22] سورة الزخرف: الآية 3.

[23]  اللاري، مجتبى الموسوي: رحلة في أعماق الوحي، ط2, ترجمة: كمال السيد، مركز الثقافة الإسلامي في العالم، قم المقدّسة، 1426هـ.ق., ص9.

93 مشاهدة | 12-03-2020