الأحد 20 كانون الثاني 2019 الموافق لـ 10 جمادى الاولى 1440هـ

» نداءات الحوزة العلمية

حكومة الحقّ والعدالة في الإسلام


يتابع الإمام قدس سره هجومه على الذين يريدون حصر الإسلام ضمن مجموعةٍ من الطقوس التي تمارس بشكل دوري، ودفاعه عن فكرة أنّ الإسلام جاء ليحلّ كلّ المشكلات الجماعيّة والفرديّة التي تعيشها المجتمعات الإنسانية، وذلك في معرض توجيه الكلام إلى وسائل الإعلام ذات التأثير الكبير، والتي تصوّر أنّمهمّة الأنبياء الكرام هي عبارة عن تقديم المعنويّات للناس، حيث أثّرت هذه المسائل في نفسية الكثيرين من أبناء هذه الأمّة. وكان هذا سبباً إمّا في تحويل بعضهم إلى أدوات تردّد تلك الكلمات التي صاغها الآخرون، وإمّا في إصابة بعضهم الآخر بخيبةٍ جرّاء تصورهم عدم جدوائية الحركة الإسلاميّة الهادفة إلى الحكم بما أنزل اللّه. يجب التعاطي بإيجابية وحزم

مع هذين الصنفين من الناس، كلّ بحسب ما يستحق من التعاطي والمواجهة.

يقول الإمام قدس سره:
"إنّني في هذه الوصية أكتفي بالإشارة، ولكنّي آمل أن يتولّى الكتّاب وعلماء الاجتماع والمؤرخون إخراج المسلمين من هذا الخطأ. وأما ما قيل من أنّ الأنبياء عليهم السلام والأولياء العظام كانوا يهتمون بالمعنويّات ويجتنبون أمر الحكومة وما يتعلق بالدنيا الفانية، وأنّ علينا أنْ نقتفي أثرهم فهو خطأ مؤسف، ونتائجه جرّت على الشعوب الإسلاميّة الدمار، وفتحت الطريق للمستعمرين مصاصي الدماء، لأن المرفوضهو الحكومات الشيطانيّة والديكتاتورية والظالمة بهدف التسلط، وأما الدوافع المنحرفة والدنيوية التي حذروا منها (الأنبياء) فهي جمع الثروة والمال وحبّ السيطرة والطغيان، وبالنتيجة الدنيا التي تتسبّب بغفلة الإنسان عن الله. وأمّا حكومة الحق لصالح المستضعفين والحيلولة دون وقوع الظلم والجور، ولإقامة العدالة الاجتماعية كما فعل سليمان بن داود ونبي الإسلام العظيم الشأن صلى الله عليه وآله وسلم وأوصياؤه العظام فإنّها من أعظم الواجبات وإقامتها من أسمى العبادات، كما أن السياسة الصحيحة لدى هذه الحكومات هي من الأمور الواجبة.

يجب أن يجهض شعب إيران اليقظ والواعي هذه المؤامرات بالرؤية الإسلاميّة، ولينهض الخطباء والكتاب الملتزمون لمؤازرة الشعب ليقطعوا أيدي الشياطين المتآمرين".


أمام هذا النصّ نجد أنّ الإمام قدس سره يشير - في البداية - إلى نقاط ثلاث، ثمّ بعد ذلك يعالج القضيّة، أما النقاط فهي:
• الحكومات الشيطانيّة الظالمة
هناك واقع لا مفرّ منه، وهو وجود حكومات شيطانيّة تعيث في الأرض فساداً، فهي تمارس الظلم على الناس، وتبيح لنفسها الكذب والخداع لأفراد الأمم التي تسيطر عليها.

• الحكومات العادلة أمرٌ ممكن
ليس صحيحاً أنّ كلّ حكومة لا بدّ من أنْ تمارس هذه الممارسة الفاسدة، فإنّ الواقع يكذّب هذه المسألة، حيث إنّ التاريخ يشهد على وجود حكومات مارست العدالة بنسب متفاوتة، وكانت بعيدة بنسب متفاوتة أيضاً عن الغش والخداع.

• ليس قدر الحكومات أنْ تكون ظالمة
إنّ الهدف من الادعاء أنّ الحكومات لا تكون إلّا مخادعة وممارسة للغشّ والقهر والتسلط هو فتح الطريق أمام قوى الاستكبار ليكون لها السلطة، وذلك بعد أنْ يتم استبعاد المنتسبين إلى الإسلام من الوصول إلى ذلك، إمّا من خلال إظهار أنّ هؤلاء هم كغيرهم ممّن يريد الوصول إلى السلطة، ويحملون شهوة التسلُّط، وإمّا من خلال اقتناع الآخرين بأنّ هؤلاء يجب أنْ لا يصلوا إلى السلطة، لأنّهم ينبغي أنْ لا يتلوّثوا بمفاسدها. وفي كلتا الحالتين يبقى حملة الإسلام تصوراً في منأى عن الحكم والإدارة، ويبقى لغيرهم ممّن يمتلك الكثير من المقوّمات المادّيّة فرصةٌ أكبر للوصول إلى ذلك.

إنّ الإمام قدس سره عندما يستعرض هذه الوقائع، فإنّه يخلص من خلال ذلك إلى معالجة الواقع، إذ ليس قدر الحكومات أنْ تكون ظالمة، خلافاً لما يدعيه المدعون، وحيث إنّ الأمر كذلك فينبغي تسليط الضوء على الأهداف الشيطانية التي تقف وراء ذلك.

• الحكومات في نظر الإسلام
وانطلاقاً من هنا، فإنّ الإسلام يصنف الحكومات إلى صنفين:

الأوّل: حكومات تهدف إلى التسلُّط الشيطانيّ وأخذ خيرات الناس من خلال الاستيلاء على مقدرات الأمّة. وهذه الحكومات تمارس الغش والخداع للوصول إلى الأهداف.
الثاني: حكومات تهدف إلى إقامة العدل وإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه بقدر المستطاع، من خلال إيصال الأكفّاء إلى السلطة. وهذه الحكومات تتعاطى مع شعوبها بواقعيّة وموضوعيّة، لتجعلها معها في الطريق إلى الهدف.

وهذا الصنف الثاني من الحكومات هو المقبول، بل هو المطلوب، بلإنّه الهدف من إرسال الأنبياء عليهم السلام.

• إقامة حكم اللّه أسمى العبادات
وإذا كان هناك مَن يتصور أنّ الأنبياء عليهم السلام جاؤوا من أجل العبادات، ثمّ يصنّفون العبادات تصنيفاً خاصّاً، فإنّ الإمام قدس سره من خلال فهمه لكتاب اللّه وما ورد عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام يجعل من إقامةحكم اللّه في الأرض أسمى العبادات، لأنّ ذلك هو السبيل ليتحوّل الكون بكلّ من فيه وما فيه إلى عابد لله تعالى.

فإنّ حركة المجتمع وسيره التشريعيّ نحو اللّه سبحانه وتعالى ينبغي أنْ يكونا جنباً إلى جنب مع السير التكوينيّ لهذا الكون إليه عزّ وجلّ، وإلّا فإنّ حركة المجتمع إذا لم تكن كذلك، فإنّنا نصل إلى مرحلة نشعر معها بالتضارب وعدم الانسجام في حركة المجتمع ككلّ من جهة، وبعدم الفائدة من الخلق من جهةٍ أخرى. وهذا مخالف لأبسط القواعد التي يعرفها أيّ إنسان مسلم.

• وضِّحوا مفاهيم حاكميّة الإسلام
وهذه المعرفة يجب أن تصل إلى كلّ الأفراد في أيّ مجتمع من المجتمعات كانوا. ويجب على الجميع أن يتحمّلوا المسؤوليّة في التواصي بذلك الأمر، لأنّه جزءٌ من رسالة الإسلام الكبرى، بل هو الأصل الذي تُحفظ من خلاله رسالة الإسلام المحمّديّ الأصيل.

وبتعبير آخر، فإنّ الحرب التي يشنّها المغرضون على الإسلام لا تقف عند حدود تأثير وسائل الإعلام عند الآخرين، فإنّها تتجاوز ذلك من خلال أفكار منحرفة زرعتها في أذهان بعض الناس، ولا بدّ للمخلصين من القيام بدور إعلاميّ مضادّ تتوضّح من خلاله كلّ مفاهيم حاكميّة الإسلام.


16 مشاهدة | 07-01-2019