الأربعاء 21 تشرين الثاني 2018 الموافق لـ 11 ربيع الاول 1440هـ

» قراءات ومـــراجعــات

مكانة العلماء في الإسلام


روي عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "فضل العالم على غيره كفضل النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم على أمَّته"1!
وللعلماء مكانةٌ خاصّةٌ عند الإمام الخميني‏ قدس سره حيث قال: "أولئك العلماء هم مظهر الإسلام، إنّهم مبيِّنو القرآن، إنّهم مَظْهَرُ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ".

فالعلماء هم:
1- ورثة الأنبياء عليهم السلام: لم يرثوا منهم أموالهم وإنّما ورثوا علومهم ودورهم في الأمّة. وقد أشارت الروايات إلى هذه الحقيقة:
فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العلماءُ ورثةُ الأنبياءِ، يحبُّهُم أهلُ السماء، ويستغفرُ لهم الحيتانُ في البحرِ إذا ماتوا إلى يوم القيامة"2.

2- مظهرو الإسلام وأدلّاؤه: لا يمكن معرفة الإسلام الحقيقيّ إلّا بواسطة العلماء، فمن خلالهم يمكن الوصول إليه على المستويَيْن العلميّ والعمليّ، وقد ورد في الرواية عن أمير المؤمنين‏ عليه السلام: "...العلماءُ وَهُمُ الأدلّاء على الله"3.

ويؤكّد الإمام الخميني‏ قدس سره ذلك في بعض كلماته حيث يقول: "لمئاتِ السنين كان علماء الإسلام ملجأً للمحرومين، وقد ارتوى المستضعفونَ دوماً من كوثرِ زَلالِ معرفة الفقهاء العظام. فإلى جانب جهادهم العلميّ والثقافيّ الّذي هو حقّاً أفضل من دماء الشهداء في بعض جوانبه، فقد تحمّل أولئك في كلّ عصر من العصور المرارات من أجل الدفاع عن المقدّسات الدينيّة والوطنيّة، وتحمّلوا الأسر والنفي والسجون والأذى والمضايقات والكلام الجارح، وقدّموا في الحضرة المقدّسة شهداء عظاماً".

3- حـُرّاس الإسلام: هذا اللّقب العظيم الّذي يطلقه الإمام الخميني‏ قدس سره على العلماء، حيث يقول‏ قدس سره مخاطباً مجموعة من العلماء: "اقتحموا الأمور، تدخّلوا في الشؤون، لا يصحّ أن يقول أحدكم: أنا فقيه ولا شأن لي بغير ذلك، فأنت فقيه، ولكن يجب أن تتدخّل في الشؤون، يجب أن تتدخّل بمقدّرات الناس، فأنتم حرّاس الإسلام، ويجب أن تحرسوه".

وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا الدور في رواياتٍ عدّةٍ ففي بعضها: "إنّ مَثَلَ العلماءِ كَمَثَلِ النجومِ في السماءِ يُهتدى بها في ظُلمات البرِّ والبحر، فإذا انطمَسَت النجومُ أوشكَ أن تَضِلّ الهُداة"4.

ودورهم هذا يتأكّد في زمن غيبة الإمام صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، ففي الرواية عن الإمام الهادي عجل الله تعالى فرجه الشريف: "لولا من يبقى بعد غيبةِ قائِمنا عجل الله تعالى فرجه الشريف من العلماء الداعين إليه، والدالّينَ عليه، والذابّينَ عن دينهِ بحججِ اللهِ، والمنقذينَ لضعفاءِ عبادِ اللهِ من شِبَاك إبليسَ ومَرَدَتِه، ومن فِخاخِ النواصِبِ، لما بقِيَ أحدٌ إلّا ارتدَّ عن دين الله"5.

من حقّنا أن نسأل: من أين جاءت هذه المكانة المتميّزة للعلماء؟ وكيف حصلوا على هذه الامتيازات العظيمة في نظر الإسلام؟ وما سرّ تأكيد المعصومين عليهم السلام على دورهم في الروايات الّتي أوردناها؟ طبعاً إنّ ما قدّمه العلماء في التاريخ يوضّح لنا جانباً من سرِّ هذه المكانة.

حَمَلة علوم الإسلام وناشرو المعارف
يقول الإمام الخميني‏ قدس سره: "لا شكّ أنّ الحوزات العلميّة والعلماء الملتزمين كانوا يشكّلون طوال تاريخ الإسلام والتشيّع أهمّ قاعدةٍ حصينةٍ للإسلام في مواجهة الحملات والانحرافات".

لقد أدّى علماؤنا العظام تكليفهم طوال التاريخ على أحسن وجه، كما يشير أيضاً الإمام الخميني‏ قدس سره، ويقول: "لولا وجود فقهاء الإسلام منذ صدر الإسلام وحتّى الآن لما كنّا نعرف شيئاً الآن عن الإسلام، فالفقهاء هم الّذين عرّفونا الإسلام وهم الّذين درّسوا الفقه الإسلاميّ وكتبوه، وهم الّذين عانوا وسلّمونا إيّاه".

الجانب الجهاديّ في تاريخ العلماء
لم يكتفِ العلماء بثقل المسؤوليّة العلميّة الملقاة على عاتقهم، فهم بالإضافة إلى ذلك حملوا عب‏ء مواجهة الطواغيت وحفظ المجتمع الإسلاميّ بكلّ الوسائل والإمكانات المتاحة لديهم. ويشير الإمام الخميني‏ قدس سره إلى أهميّة هذا الدور في بعض كلماته، حيث يقول: "إلى جانب جهادهم العلميّ والثقافيّ الّذي هو حقّاً أفضل من دماء الشهداء في بعض جوانبه، فقد تحمّل أولئك في كلّ عصر من العصور المرارات من أجل الدفاع عن المقدّسات الدينيّة والوطنيّة، وتحمّلوا الأسر والنفي والسجون والأذى والمضايقات والكلام الجارح، وقدّموا في الحضرة المقدّسة شهداء عظاماً. إنّ الشهداء العلماء لا يقتصرون على شهداء المواجهات والحروب في إيران، بل إنّ عدد الشهداء المجهولين للحوزات والعلماء ممّن قضوا غرباء خلال نشر المعارف والأحكام الإلهيّة على يد العملاء والجبناء كثير".

فهذا السيّد عبد الحسين شرف الدين، العالم المجاهد الّذي واجه الفرنسيّين أيّام احتلالهم للبلاد وسطوتهم، وهذا العلّامة مُدرّسي في إيران الّذي واجه الحكومات الظالمة حتّى استشهد، وهذا المرجع الكبير الشيرازي في العراق الّذي قام بثورة التنباك... وهكذا كان للعلماء حضورهم الدائم في ميادين الجهاد، حتّى قام الإمام الخميني قدس سره بثورته المباركة، وهو يقول: "أيّة ثورة شعبيّة إسلاميّة لا نجد فيها الحوزة والعلماء هم السبّاقين إلى الشهادة، واعتلوا المشانق، وعبَّدت أجسادهم المطهرة الطريق بالشهادة في الحوادث الدامية؟".

ويقول أيضاً: "إنّ كلّ من يعرف التاريخ يعلم أنّ من قام ضدّ التسلّط طوال التاريخ هم العلماء".


استهداف العلماء
دخل العلماء قديماً وحديثاً في دائرة الاستهداف من كلِّ حدبٍ وصوبٍ، وتعرّضوا لأبشع أنواع القتل وخضعوا لأفظع أنواع الاضطهاد، ولم يتوقّف الاستهداف على التصفية الجسديّة فحسب، بل كان للألسن نصيبٌ وافر للنيل من سمعتهم ومقامهم بين الناس.

يقول الإمام الخمينيّ قدس سره "عليّ أن أبيّن لجميع الحوزات العلميّة، من حوزة قم وحوزة مشهد وجميع الحوزات الّتي ترونها، وأقول: إنّكم اليوم على رأس لائحة المستهدفين للأهداف الخبيثة للدول الكبرى". لماذا هذا الاستهداف؟ وما هي العوامل الّتي جعَلَتهم مستهدفين؟

1- الخـُطط الاستعماريـّـة: إنّ هذا الدور التاريخيّ والفاعل للعلماء لم يكن لِيغفَل عنه المستكبرون والمستعمرون الطامعون بالسيطرة على الأمّة ومقدّراتها، لذلك كان هذا الصرح والحصن مستهدفاً على الدوام من قبلهم، وسيبقى مستهدفاً على الدوام كما تنبّأ الإمام الخمينيّ‏ قدس سره: "وسيشهد العالم الإسلاميّ من الآن فصاعداً كلّ فترة انفجاراً لحنق ناهبي العالم ضدّ عالمٍ مجاهد، فعلماء الإسلام الأصيلون لم يخضعوا أبداً للرأسماليين وعبدة المال والزعماء وصانوا شرفهم ومَنقبَتهم هذه دوماً".

لذلك بعد أن يئس المستعمر من تطويع العلماء لمصلحته، لم يعد أمامه إلّا استهداف موقعيّة العلماء بين الناس لإبعادهم عنهم ومنع تأثيرهم بهم.

2- دسّ عناصر مشبوهةٍ في الحوزات: يقول الإمام الخميني‏ قدس سره: "من الطرق الهامّة الّتي سلكوها لتحقيق أهدافهم المشؤومة والخطرة ضدّ الإسلام والحوزات الإسلاميّة دسّ أفرادٍ منحرفين وفاسدين في الحوزات العلميّة، والخطر الكبير لذلك في المدى القصير هو الإساءة إلى اسم الحوزات العلميّة بأعمالهم غير اللائقة وأخلاقهم وأساليبهم المنحرفة. والخطر العظيم جدّاً لذلك في المدى البعيد هو أن يصل شخصٌ أو عدّة أشخاصٍ إلى المراتب العليا مرائين ختّالين يطّلعون على العلوم الإسلاميّة...".

3- روّاد الأزقّة: هناك طبقة من الناس تستهوي الكلام السيّى‏ء وقصص الغيبة والبهتان، لا لشي‏ءٍ محدّدٍ سوى أنّهم يعانون من مشكلةٍ أخلاقيّةٍ تربويّةٍ تجعلهم يتفاعلون مع كلّ دعايةٍ أو شائعةٍ بدون تعقّل أو هدفٍ محدّدٍ. يقول الإمام الخميني‏ قدس سره: "كلّ من يرى كتاب جواهرِ الكلام يدركُ مدى جهود المجتهدين الّذين يتطاول اليوم عليهم عددٌ من روّاد الأزقَّة ليحدِّدوا لهم تكليفهم!".

التكليف تجاه العلماء
إنّ التكليف تجاه العلماء يتلخّص بتفعيل دورهم وتسهيل مهامّهم بالشكل الّذي يضمن تطبيق تعاليم الدين وأحكامه وحفظ الرسالة. وقد أشارت الروايات إلى بعض المفردات التفصيليّة، كمجالستهم وضرورة الاستفادة منهم، كما في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنِ اسْتَقْبَلَ العلماءَ فَقَدْ استقبَلَني، ومن زارَ العلماءَ فقد زارَني، ومن جالس العلماء فقد جالسني، ومن جالسني فكأنّما جالس ربّي"6.

وعن أمير المؤمنين‏ عليه السلام: "عجِبْت لمَنْ يرغبُ في التكثيرِ من الأصحابِ كيفَ لا يصحبُ العلماءَ الألبّاءَ والأتقياءَ الّذينَ يغنمُ فضائلهم، وتهديه علومهم وتزيِّنه صحبَتُهم؟!"7.

وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين‏ عليه السلام: "جالِسِ العلماءَ يزْدَدْ علِمُك، ويحسُنْ أدبك"8.

فهذه الروايات تشير بشكلٍ واضح إلى فائدتين يستفيدهما الإنسان من مجالسة العلماء:
الفائدة الأولى: هي العلم، الّذي يمتلكه هذا العالم. وقد أكّد الكثير من آيات القرآن الكريم على أهميّة العلماء، كقوله تعالى: ﴿قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ﴾9.

الفائدة الثانية: هي الأدب، فدور العالم لا ينحصر بالتّعليم، وإنّما يتعدّاه إلى التربية والتأديب بآداب الإسلام والتخلّق بأخلاق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وآله أيضاً.

إنّ رواية النبي صلى الله عليه وآله وسلم الّتي تقول: "من جالسَ العلماءَ فقد جالسَني، ومن جالسَني فكأنَّما جالسَ ربِّي"10، يُستفاد منها أنّ الخير المستفاد من مجالسة العلماء أوسع من أن يُحصر ويشمل كلّ فائدةٍ ممكنةٍ. والرواية شبّهت مجالسة العلماء بمجالسة الله تعالى، وهذا يعني أنّ كلّ خيرٍ متوقّعٌ من هذه الجلسة.

وقد أوصى لقمان عليه السلام ابنه قائلاً: "يا بنيَّ! جالسِ العلماءَ وزاحِمْهم بِرُكْبَتيك، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يُحيي القلوبَ بنورِ الحكمةِ، كما يُحيي الأرضَ بوابلِ السّماءِ"11.

آثار التخلّي عن العلماء
إنّ مجالسة العلماء طريقٌ من الطرق إلى الله تعالى، وهي الحصن الّذي يحمي الإنسان عند الامتحانات والمصاعب، كما يشير إلى ذلك الإمام زين العابدين‏ عليه السلام في أدعيته الّتي تشكّل مدرسةً كاملةً لتربية الإنسان على جميع المستويات، حيث يقول عليه السلام: "أو لعلّك فقدتني من مجالس العلماء فخذلتني". فالإمام زين العابدين عليه السلام يشير إلى كلّ تلك الآثار السيّئة المترتّبة على الابتعاد عن العلماء وترك الاستفادة منهم بكلمةٍ واحدةٍ تختصر كلّ شي‏ءٍ، هي كلمة "الخذلان"، فإن خذلنا الله سبحانه وتعالى فأيّ شي‏ءٍ سيبقى لنا؟ "اللّهمّ لا تَكِلْنيإلى نفسي طرفةَ عينٍ أبداً".

وهناك روايةٌ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يجب التوقّف عندها والتأمّل بها مليّاً، لأنّها تدقّ ناقوس الخطر للمسلمين، خصوصاً في هذه الأزمنة، حيث يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "سَيأتي زمانٌ على أمَّتي يفِرّون من العلماءِ كما يفرُّ الغنمُ من الذئبِ، ابتلاهم الله تعالى بثلاثة أشياء:

الأوّل: يرفعُ البركةَ من أموالهم.
والثاني: يسلِّط اللهُ عليهم سلطاناً جائراً.
والثالث: يخرجون من الدنيا بلا إيمان"12.

وصايا تربوية
- احترام العلماء الربّانيّين - الذين يرشدونك إلى طريق الخير وحسن ثواب الآخرة - أدبٌ إلهيٌّ فلا تهمله أبداً.
- بادر إلى إلقاء التحيّة عليهم وصافحهم بكلتا يديك تحبّباً.
- ليكن جلوسك أمام العالم غايةً في الأدب فتجلس جامعاً رجليك ولا تمدّهما أو تحرّكهما بطريقةٍ عبثيّةٍ.
- كن منصتاً لكلامه بأذنك وقلبك، ومنتبهاً لما يقول، فاستماع العلم والعمل به من كمال العقل والإيمان والفطنة.
-لا تصرف انتباهك عنه أو تكثر الالتفات ولا تتحدّث في الهاتف أو مع من بجانبك أثناء حديثه، أمّا إذا اضطررت فاطلب الإذن منه صراحةً أو بإشارةٍ من يدك.
- لا تسأله تعنّتاً أو تحدّياً لمعلوماته بل اسأله تفهّماً بنيّة الاستزادة والمعرفة والتوضيح.
- من الأفضل تذييل سؤالك بدعاء، خاصّة في الجلسات العامّة مثل: "جزاكم الله خيراً" أو "لكم الأجر" أو "أفتونا مأجورين".
- قدِّمه عليك دوماً إذا ترافقتما مشياً فإنّ في ذلك تعظيماً للدِّين وأهله، أمّا الأماكن الخطرة أو المزدحمة أو المجهولة فتقدّم عليه للاستئذان له أو لحمايته، وقدّمه عليك في أيّ معاملة، كما لو كنت بانتظار طبيبٍ، أو في معاملةٍ رسمّيةٍ
- لا تذهب إلى زيارته دون تحديد موعدٍ مسبقٍ منه ولو عبر الاتّصال الهاتفيّ.



هوامش
1 جلال الدين السيوطي، الجامع الصغير، مصدر سابق،ج2، ص214.
2 المتقي الهندي،كنز العمال، مصدر سابق، ج10، ص135.
3 التميمي الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، مصدر سابق، ص 504.
4 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج2، ص25.
5 الطبرسي، الشيخ أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب، الاحتجاج، تعليق وملاحظات السيد محمد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، العراق - النجف الأشرف، 1386هـ - 1966م، لا.ط، ج1، ص9.
6 المتقي الهندي، كنز العمال، مصدر سابق،ج10، ص171.
7 الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، مصدر سابق، ص330.
8 المصدر نفسه، ص323.
9 سورة الزمر، الآية 9.
10 المتقي الهندي، كنز العمال، مصدر سابق،ج10، ص171.
11 العلامة المجلسي، بحار الانوار، مصدر سابق،ج1، ص204.
12 المصدر نفسه، ج22، ص454.
128 مشاهدة | 24-08-2018