السبت 18 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 27 صفر 1439هـ

» قراءات ومـــراجعــات

قراءة في كتاب "مناهج البحث في العلوم الإنسانية"


قراءة في كتاب "مناهج البحث في العلوم الإنسانية بين علماء الإسلام وفلاسفة الغرب"

بطاقة الكتاب:
- اسم الكتاب: مناهج البحث في العلوم الإنسانية بين علماء الإسلام وفلاسفة الغرب.
- اسم المؤلّف: د.مصطفى حلمي.
- بيانات النشر: ط1؛ بيروت، دار الكتب العلمية، 2005 م.

1. في بنية الكتاب ومحتواه:
الكتاب عبارة عن مجموعة محاضرات جامعية ألقاها المؤلّف ما بين عامي 1980-1981م، تمّ جمعها بعد إدراج إضافات وتعديلات عليها عام 1984م. ويقع الكتاب في مقدّمة وثلاثة أبواب. ويتجزّأ الباب الأوّل إلى تمهيد وثلاثة فصول، في ما ينبسط الثاني مباشرة إلى معالجات تطبيقية. وأمّا الثالث، فينقسم إلى مبحثين اثنين!.

الباب الأول:
التمهيد: نتمثّل الكاتب في هذا التمهيد كطائر الفينيق ناهضاً من رماد التأخّر الحضاري إلى فضاء التقدّم، مستعيداً تاريخاً حضارياً عربياً حافلاً بالإنجازات. ومبتنياً على كمال الحضارة الإسلامية؛ لكمال الدين الذي تعتنقه، والذي يحثّها حثّاً رفيقاً على "النظر في ملكوت السماوات والأرض... بحثاً... واكتساباً للعلوم والمعارف"(ص9).
ويعتزّ الكاتب بالجهود السابقة لعلماء المسلمين في الطبّ والفلك والرياضة، ويفتخر بفضل هذه الجهود على علماء الغرب؛ فلا بد أن "تُقدّر جهود هؤلاء حقّ قدرها"(ص9)، بعيداً عن النظرة التشاؤمية المجرّدة وغير الواقعية.
ويعتبر حلمي أنّ الإحياء المتجدّد، لا يكمن في تقليد الغرب؛ لأنّ الحضارات “ليست نسيجاً واحداً في مُثلها وقيمها"(ص13). ويرتبط هذا الإحياء بالتغيير في مناهج التعليم، وربط العلم بالحياة، و"اقتباس مخترعات العصر النافعة"!.
الفصل الأول: تولّى مصطفى حلمي في هذا الفصل التعريف بمناهج البحث. وهي عنده “الطرق المستخدمة في العلم للوصول إلى الحقيقة”. وقد عرض حلمي لسيرورة الهندسة المعرفية للمناهج: من الفلسفة؛ بصفتها أماً للعلوم، إلى الفلسفة أيضاً؛ لكن بوصفها مخطّطة لمناهج العلوم، إلى العلوم نفسها في فلسفتها الخاصة؛ "فلسفة العلم".
ثمّ تطرّق حلمي للنظرية العلمية: تعريفاً ودوراً وغاية ومراحل. لكن الذي قدّمه هو تعريف للعلم ودوره وغايته. وفرقٌ بين مفهوم العلم ومفهوم النظرية؛ لأنّ النظرية هي نسق متآصر من الموقف والسبب والتفسير والعلّة والمثال.
ورغم الخلط بين العلم والنظرية العلمية، إلا أنّ عرضه اتّسم بالدقّة والتمييز بين الظاهرة العلمية والحقيقة العلمية، بين التفسير الآليأ والحتمي وبين التفسير اللاحتمي(الذي لم يسمّه حلمي بذلك، وإنّما أطلق عليه تسميةَ “عدم قابلية التحديد"!).
الفصل الثاني: يسعى الفصل الثاني إلى عرضِ نقدِ أو نقضِ (استعملهما الكاتب على التعاقب) علماء المسلمين للمنطق الأرسطي، “باعتباره المنهج الذي قامت عليه فلسفة اليونان وحضارتهم"(ص20).
بدأ الكاتب بفتوى ابن الصلاح (643هـ) في شأن المنطق، حيث رأى فيه شراً؛ لأنّه مدخلٌ للفلسفة، ومدخل الشرّ شرٌّ. (والعجب أنّ هذه الفتوى هي بحدّ ذاتها  تطبيق واضح لشكلٍ من أشكال القياس الاقتراني الحملي عند أرسطو!).
ثمّ انتقل الكاتب إلى موقف ابن تيمية(1328م)، الذي يرى فيه أطروحةً “أكثر إيجابية وفعالية”!. فهو لم يحرّم المنطق الأرسطي فحسب، بل نقده نقداً منهجياً، يثبت مخالفته للمعقول فضلاً عن المنقول.
وفي نقلةٍ سريعة، يرى الدكتور حلمي أنّ معارضة المنطق الأرسطي، قد أفضت إلى قيام منهج بحثيٍ إسلامي على أساس تجريبي، على يد علماء أصول الفقه. ويتّضح هذا الأمر في نوعٍ من القياس هو قياس الغائب على الشاهد، الذي يرجع إلى الاستقراء العلمي. ويقوم الاستقراء على فكرة العلّية والاطّراد في الوقوع. بذلك يكون المنهج الأصولي تجريبياً!.
ثمّ عاد الكاتب تالياً  إلى ابن تيمية مفصّلاً في موقفه الهادم لمنطق أرسطو، مفنّداً في أهلية هذا المنطق في معرفة الدليل من عدمه. وإنّما “الميزان” في معرفة الأدلّة، هو الذي أنزله الله تعالى مع الكتاب؛ {الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان}1 . ويقوم هذا الميزان المنطقي الإلهي على “اعتبار الشيء بمثله وخلافه، فيُسوَّى بين المتماثلين ويُفرَّق بين المختلفين”(ص29).
ويرى حلمي أنّ ابن تيمية نجح في الردّ على معاصريه. وهو “يظلّ كذلك [ناجحاً] عندما نستخدمه الآن”(ص30).
الفصل الثالث: يحدّد الدكتور حلمي في هذا الفصل الأب الشرعي للمنهج التجريبي. ويعتبر أنّ علماء الإسلام هم الذين سبقوا الغرب إلى “اكتشاف المنهج التجريبي العلمي وقواعده وأصوله”(ص47).
ومن اللافت أن يقوم الكاتب بوصف الغزالي (505هـ-1111م) بالريادة في إدخال المنطق الأرسطي إلى بلاد الإسلام. وهو أمرٌ لافت؛ لأنّه في الوقت الذي يكون فيه الغزالي مروّجاً لعلمٍ بدعي دخيل، فهو يكفّر الفلاسفة ويبدّعهم. وفي الحقيقة، فقد سبقه في الإفادة من المنطق  أبو نصر الفارابيُّ (339هـ-950م) وابنُ سينا(428ھ -1037مـ) .2

الباب الثاني:
يُظهر البابُ - مع كثيرٍ من الاقتباس الحرفي- أمثلةً تطبيقية لتوظيف علماء المسلمين للمنهج التجريبي في علوم الطبيعة والطب والفلك والرياضة؛ أي في الجانب المادّي من الحضارة الإسلامية.
وأمّا الجانب الروحي والأخلاقي فيها، فقد أحاله الكاتب إلى الباب الثالث.

الباب الثالث:
ينطلق الكاتب من أصلٍ - أشار له في تمهيد الباب الأوّل- هو كفاية الإسلام في تأمين “أفضل الطرق وأحسن المناهج” في مسائل الفكر الإسلامي. وقد عرض حلمي لهذه المناهج في علوم: النفس، والأخلاق، والاجتماع، والسياسة، والفلسفة (قديماً وحديثاً).
كما ألحق بهذا الباب قواعد منهج مَن يسمّيهم بالسلف، في دراسة العقيدة. ويعني بالسلف “الصحابة والتابعين”، و”الموقف الملتزم بموقف الأوائل”(ص85). لكنّه يضيف تحديداً آخر، فيقول: “الأوائل الذين وقفوا موقفاً حاسماً من الفتن... وكانت لهم آراؤهم... للردّ على الانشقاقات... الحادثة”!. لكن ترى أنّى يمكن منح الأصالة لهؤلاء الأوائل؟، وبأي تبريرٍ منهجي مقنعٍ؟ ومن هم حقّاً المنشقّون الأوائل؟.
تبدو هذه الأصالة المزعومة نوعاً من المصادرة على المطلوب. بل هي كذلك خُلف الفرض. فلقد أسّس الدكتور حلمي لمبدأ كفاية القرآن في رسم معالم الطريقة والمنهج. وهذا هو غاية الفرض. وأمّا قواعد السلف، فهي فهمٌ للقرآن (وتأويل له أحياناً)، وليست القرآن نفسه. فلا تشكّل بحدّ ذاتها قواعد كافية، وإنّما هي كذلك طالما أنّها مطابقة لواقع الوحي.
وإذا كان قد اكتفى بالإشارة في التحديد السابق، فإنّه لاحقاً يصرّح بوضوح أنّ المراد من السلف، هم “أصحاب السنن دون من وُصِفَ بالبدعة... كالخوراج والشيعة...”!(ص85).
وبرأي حلمي، إنّ قواعد السلف، هي:
1) الشرع قبل العقل: أي “اتّباع السلف الصالح في الفهم والتفسير”!.
2) رفض التأويل الكلامي.
3) الاستدلال بالأساليب العقلية في القرآن.
وأمّا مناهج علماء المسلمين في بعض العلوم الإنسانية، فهي وفق الآتي:

منهج علم النفس:
يسوّغ الدكتور حلمي البحث في النفس، رغم خفائها عن الملاحظة التجريبية الحسّيّة، يسوّغ ذلك بنتيجة الأبحاث النفسية المعاصرة، التي أقرّت بالاستبطان وبدراسة الظواهر الدينية نفسياً.
وقبل أن يبيّن معالم هذا المنهج، فصّل في فرادة علم النفس الإسلامي في بعض القضايا، من قبيل: التحوّل النفسي العجيب الذي أحدثته عقيدة الإسلام، والنقلة من البداوة إلى الحضارة. حال نفسية منبسطة نجدها لدى أهل الزمن الأوّل، تخلو من أمراض النفس كالاكتئاب، والعُصاب... وأكّد في البين على دور السنّة والتمثّل بها في تنميط المسلمين وتخليصهم من شوائب العفوية وأخطاء السلوك.
وعرّج حلمي على مفهوم الاستخلاف، مستطرداً في معناه والاختلاف في تصويره (خليفة من؟). ثمّ بيّن طبيعة النفس الإنسانية من خلال أصالة الفطرة وثباتها.
بعد ذلك، عقد مقارنةً بين ما أسماه “المنهجين: الإسلامي والغربي”، مؤكّداً على أنّ وجه “الاختلاف الجوهري”، هو الاستخلاف وما يستدعيه من دورٍ فعّالٍ في الحياة بطاعةٍ وعدل. لذلك يكون مرض النفس ناشئاً من الانحراف عن وظيفة الاستخلاف؛ بسبب مقارفة المعصية والخطيئة. ويكمن العلاج في الجوهر نفسه؛ أي تمثّل الخلافة في الأرض طاعةً وعدلاً.
وأمّا عند علماء الغرب، فقد طغت المادّية. وتقوم الرؤية المادّية على تقدير الجسد وإنكار دور الروح، أو على الأقلّ الإعراض عن دورها. وتقوم هذه الرؤية كذلك على تفسير الحياة النفسية تفسيراً غريزياً، كما عند داروين(1882م) وفرويد(1939م).
وهكذا ينتقل الكاتب من فكرةٍ إلى أخرى، دون أن يَلِجَ في المنهج  إلا لماماً. فكيف نقارن بين المنهجين الغربي والإسلامي، قبل أن نبيّن معالم المنهج الإسلامي من قبل؟! (العرش ثمّ النقش).
فلقد اكتفى بالإشارة إلى وجود منهجٍ تجريبي عند ابن القيّم الجوزية (1350م)، يقوم على الاستشارة والاستبصار(ص21). ولا ندري أين تكمن التجربة الحسّية في ذلك؟!.
فعملية الاستبصار تشبه إلى حدٍّ كبير عمليةَ الاستبطان، التي تنطوي على الذات مفارقةً الموضوع؛ أي العالم الخارجي. وهذا ما انقلبت عليه المدرسة التجريبية تماماً، من خلال الانفتاح على الموضوع، ودراسة السلوك المحفّز، أو المقرون بالاشتراط الحسّي (السلوكية).
غير أنّ الكاتب في ختام الحديث عن علم النفس، يتعرّض للمنهج الغربي القائم على التجريب، ولا سيما الملاحِظ للسلوك. ويرى الكاتب قصور هذا التوجّه، فينبغي كذلك العمل على الروح وتوثيق صلتها بالله تعالى. ويعطي أمثلة علاجية لأمراض نفسية، من قبيل: الحسد، والحقد، والغضب، والخوف، والكسل، والعشق.
لكن، هل هذه الأمراض نفسية حقّاً، أم هي خُلقية ذات آثار نفسية قد تكون مرضية؟
وإذا كانت خُلقية، فلن تكون مقاربة الكاتب صحيحة على مستوى علم النفس الإسلامي. فكان ينبغي تسليط الضوء على علاج الآثار النفسية لهذه الأمراض من الكبت، والعُصاب، والذهان، والعدوانية...
مضافاً إلى أنّ كثيراً من الملاحظات العلاجية التي نقلها الكاتب عن جماعة من علماء “السلف”، تتّصل بالعلاج المعرفي، لا السلوكي التجريبي. والعلاج المعرفي هو أحد الاتّجاهات القائمة في العلاج النفسي، ولا سيّما عند جان بياجيه.

منهج علم الأخلاق:
وصولاً إلى عرض “المنهج الإسلامي” في الأخلاق عند الراغب الأصفهاني(1108م)، مهّد حلمي لذلك بإبراز الأفكار الأخلاقية الغربية، لجهة انبثاقها عن فلسفات وضعية، “انفصلت عن العقيدة الدينية والوحي الإلهي”.
وأمّا في الإسلام، فيتأسّس “المنهج” الأخلاقي على الطبيعة الإنسانية ذات ثنائية الروح والجسد. ويتأسّس هذا المنهج كذلك على امتداد حياة الإنسان واستطالتها إلى الآخرة، فلا تقف عند حدود الدنيا.
انطلاقاً من هذين الأساسين، يقدّم الكاتب منهج الراغب الأصفهاني، الذي يعدّه “أصيلاً وجديداً في الوقت نفسه”(ص155)، من خلال كتابه: “الذريعة إلى مكارم الشريعة”.
يعتبر الراغب أنّ “عمارة الأرض” هي أحد أهداف الخلق الإلهي للإنسان. وإنّ هذه العمارة عبادةٌ لله تعالى، إذا كانت مراعية “لأمر الله في جميع الأمور؛ دقيقها وجليلها...”(ص157).
وخليفة الله عمّار الأرض؛ هو “الإنسان المؤمن”، الذي يأخذ بـ”مكارم الشريعة”؛ وهي الحكمة، والجود، والشجاعة، والحلم، والقيام بالعدالة. وكلّ ذلك يتحصّل بالعلم والعبادة.
تقوم هذه الرؤية الأخلاقية على الجمع والتوفيق بين “العقل والنقل، ومزجهما عن دقةٍ وفهمٍ وإحاطة”(ص157). غير أنّ هذه الإشارة توحي بأنّ اعتماد الأصفهاني على العقل هو اعتمادٌ على مسالك ومبادئ عقلية لتكوين الرؤية والموقف. لكنّ طيات عرض الدكتور حلمي، لا تضمّ  سوى معنى بسيطٍ  أوليٍّ للعقل، هو “التفكّر والنظر”.
أمّا كيف يتمّ هذا التفكّر؟ ما هي طبيعته؟ ما هي ألوانه؟ وضروبه؟ وما هي رتبته بالنسبة للنقل؟.
أسئلة مثقَلة “مجرّدة” عن أي إجابة في ما يسمّيه الكاتب بـ”منهج الراغب الأصفهاني”؟.
فمجرّد التأكيد على دور العقل في تأنيس الإنسان - ؛ “بسبب العقل صار إنساناً”،- لا يكفي للقول بكون الأصفهاني توفيقياً!.
ثمّ إنّ الكاتب يستعمل مفهومين على نحو الترادف، هما “النقل” و”الشرع”، في قبالة مفهوم “العقل”، رغم غموض الأخير في أطروحة الكاتب. بينما هذان المفهومان مختلفان بالحمل الأولي. فالنقل هو النصّ عينه من الكتاب والسنّة. وأمّا الشرع، فهو مدلول النصّ من الأحكام والمكارم. كما أنّه قد يكون طبق مفاد حكم العقل القطعي؛ “كلُّ ما حكم به العقل، حكَم به الشرع”.

منهج علم الاجتماع:
يميّز حلمي بين منطلقات علم الاجتماع الغربي وعلم الاجتماع الإسلامي. يقوم الغربي على تصورٍ وجودي آلي للعالم، ومنقطعٍ عن الإله. فيكون العقل وحده - أو هو متروك لوحده!- قادراً على دراسة الظاهرة الاجتماعية، مستعيناً بوسائل الإحصاء.
وكما العلمان السابقان، لا يفصّل حلمي في المنهج المتّبع. وهو في الحقيقة، يقوم على الفهم أو على التفسير. يتأسّس الأوّل على الوصف، في ما يتأسّس الأخير على إحدى النظريات الفلسفية والاجتماعية: العضوية، والمطلق، والاقتصاد...
وأمّا علم الاجتماع الإسلامي، فيقوم - أو ينبغي أن يقوم - على عقيدة التوحيد، التي تؤثّر في الجماعة كما في الفرد. وفي خصوص المنهج، يؤكّد من جديد على ضرورة استناد النظرية الاجتماعية إلى القرآن والسنّة. وبرأي حلمي، إنّ ابن خلدون(1406م) قد تدبّر القرآن تدبُّراً اجتماعياً لرسم قوانين علم العمران. من ذلك القانون الاجتماعي القرآني: قانون التغير والتبدّل الاجتماعي، الذي وظّفه في تفسير التحوّلات الاجتماعية عند "العرب والعجم والبربر". كما لا يرى حلمي مانعاً من “الاستفادة ممّا استخدمه علم الاجتماع... في طرق البحث... من حيث طرق الإحصاء والتبويب...”(ص181).
ويطبّق حلمي هذا المنهج النقلي على مسألة الفطرة الاجتماعية المشتركة والسنن الاجتماعية. وعلى المستوى الاجتماعي العملي، يشير إلى ضرورة وجود الرادع الشرعي (القصاص) والوازع النفسي لصيانة المجتمع.

منهج علم السياسة:
نصل إلى السياسة لتغيبَ لازمةُ السلف. نقرأ  هنا صفحات مهمّة في محاولة للدكتور حامد ربيع في تأصيل الفكر السياسي الإسلامي. اعتكف الدكتور ربيع لعشرة أعوام في دير الفرنسيسكان بروما منقطعاً إلى التراث السياسي اليوناني والروماني، والأوروبي... والإسلامي؛ ليبلور رؤيةً ترتكز على رصد المفاهيم السياسية الأساسية ووصْف أصالة الإسلام فيها، نحو: مفهوم العقد، والبيعة، والأمّة، والعالمية. ويميّز ربيع مفاهيم الإسلام عن سواه: التشريع، والسياسة(وتعني عنده عدالة الله ورسوله(ص)) والعدالة. ويحدّد المفاهيم المحورية في سياسة الإسلام: الخلافة، والإمامة...
إلا أنّ هذه المحاولة هي نوعٌ من المفهمة: رصداً، وصياغةً، وتمييزاً، وترتيباً.  والمفهمة ملكةٌ عقليةٌ عامّة نجدها في كافّة العلوم، ولا سيّما النظرية. وليست منهجاً قائماً نجعله لعلم السياسة أو لغيره.

منهج الفلسفة:
يستغرق البحث في منهج الفلسفة ثلث الكتاب تقريباً، ونصف الباب الثالث الدائر حول مناهج العلوم الإنسانية. وقد  انقسم العرض إلى قسمين: الفلسفة القديمة (اليونانية)، والفلسفة الحديثة. يقف الكاتب تبعاً لابن تيمية موقفاً نابذاً للفلسفة اليونانية، معتبراً  أنّها “تتعارض مع عقيدة التوحيد، والحقائق التي أتى بها الوحي”(ص207).
موقف يضعنا - كما وضعه هو. ربما- أمام تساؤلٍ قلق: كيف يمكن النظر والاستدلال دون فلسفة؟
صعوبة هذا السؤال بمثابة  صعوبة سؤالنا عن إمكان إجراء التحاليل الطبّيّة دون معدّات أو سوائل كيميائية.
استعرض الكاتب منهج الصحابة في التفكير، قبل حصول حركة الترجمة والنقل إلى العربية: كان الصحابة يعتمدون على القرآن والحكمة (أي السنّة). ويتضمّن القرآن ميزان العقل، الذي يزيل “محارات العقول”، لا “محالاتها”؛ أي يزيل ما حارت به العقول في شأن الغيب، فليس لها أن تحكم باستحالة وقوع شيء، كما يرى ابن تيمية.
بذلك يتضمّن الدين معقوله الخاصّ، كما منقوله الخاصّ. ولا حاجة إلى استيراد منظومة عقلية تنتمي إلى حضارة أخرى لا تدين بالإسلام.
ثمّ كانت حركة الترجمة للعلوم والفلسفات، حيث بدأت خجولة مع الأمويين، غير أنّها ازدهرت وبلغت أوجّها مع المأمون العباسي. ويرى حلمي أنّ القصد من الترجمة كان نقل العلم، لكن بما أنّ الفلسفة مرتبطة  ولصيقة بالعلم عند اليونان، فقد تمّ نقلها عرضاً.
ثمّ يتساءل الكاتب: “ما الأثر الذي أحدثته الفلسفة في العالم الإسلامي؟”.
ويشرع بالإجابة: انشقت صفوف المسلمين إلى صفٍ مؤيّدٍ للفلسفة المنقولة، مع تعديلها وتقريبها من الإسلام. كما فعل الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد. وإلى صفٍّ معارضٍ للفلسفة متّهماً مؤيديها بالبدعة والكفر؛ لأنّها تتأسّس على مسائل تتعارض جوهرياً مع تعاليم الإسلام.
ويعرض حلمي مقاربةً معاصرة للتعارض بين الفلسفة اليونانية وبين الإسلام، استقاها من محمد إقبال (1938م). يعتبر إقبال أنّ الفلسفة اليونانية تتمحور حول الإنسان، بينما محور الإسلام هو “ملكوت السماوات والأرض”. وقد نقد بعض فلاسفة  اليونان المعرفة الحسّيّة-، مثل أفلاطون وبرمنيدس-؛ لأنّها منبعٌ للخطأ والوهم. بينما يشيد القرآن بمعرفة الحواس ويدعو للنظر إلى الآفاق وآثار السالفين للاعتبار والافتكار. كما أنّ نظرة الإسلام واقعية مشخّصة ومعيّنة. وأمّا فلسفة اليونان، فتقوم على المجرّد وإغفال المحسوس.
بعد ذلك عكف  الكاتب على دراسة موقف ابن تيمية من هذه الفلسفة.
يتمحور موقف ابن تيمية حول النقل والعقل النقلي. ويمكن تكثيف ذلك بعبارة: “إنّ أدلّة الشرع أدلّة عقلية. واستخدامها أولى وأفضل من غيرها من الطرق التي اشتهرت بأنّها عقلية، سواء الفلسفية منها أم الكلامية”(ص219).
ورفضُ الأدلّة العقلية غير الإسلامية، لا يعني عند ابن تيمية رفضَ العقل، بل العقل بما هو جنس تفكّرٍ ونظر واستدلال، قد حثّ عليه الكتاب والسنّة.
ويضيء الكاتب على قاعدة تعبيرية مهمّة، تتمثّل بضرورة التعبير عن الحقائق بعبارات القرآن، فهي “تنزيلٌ من حكيم... وفيها من الحكم والمعاني ما لا تنقضي...”(ص226). وذلك بدلاً من المصطلحات المنقولة، فضلاً عن المعرّبة تعريباً لفظياً.
غير أنّ هذه القاعدة -برأينا- لا تتّصل بالمنهج المنتج للأفكار والمواقف، وإنّما ترتبط بالتعبير واللسان.
بعد ذلك، بيّن الكاتبُ معقولَ القرآن الذي يقصر عليه ابن تيمية الاستدلالَ. هذا المعقول هو: اللزوم المتضمَّن في قياس الأَولى، وقياس الطرد، وقياس العكس.
وأمّا الفلسفة الحديثة، فيضعها الكاتب على ميزان المادّة والروح، ليؤكّد على غرق الماركسية في المادّية المتّصلة بإرث فلسفي إغريقي(يوناني)، يقوم على ردّ مبدأ الطبيعة إلى عنصرٍ مادّي أو ذرّي، بل ردّ الروح إلى ذلك أيضاً.
وتتّصل بالفلسفة اليونانية مدارس أخرى حديثة، مثل: الوجودية، التي “ظهرت نواتها عند سقراط وأفلاطون”(ص264)، والبراجماتية المتّصلة بالرواقية القديمة(ص295).
ورغم اتّصال هذه الفلسفة بفكر اليونان، إلا أنّها اتّخذت محوراً جديداً لمسائلها؛ هو الإنسان، بعد أن كان “الوجود بما هو موجود”. حتى الوجودية، فهي تدعو إلى اهتداء الإنسان لوجوده بنفسه لا بمساعدة أحدٍ آخر.
ثمّ شرع ببيان “مناهج” هذه الفلسفات الثلاث(الماركسية، والوجودية، والبراجماتية)، والتي سادت أو تسود أجزاء كبيرة من عالم اليوم.
يرى الكاتب أنّ الماركسية تقع مضافاً إلى المادّية المفرطة على حساب الروح والكائن، تقع في الحتمية السببيّة في علوم الطبيعة ثمّ الإنسان. بينما أثبت تطوّر العلم أنّ اللاحتمية والاحتمالية هي الروح الحقيقة للعلم المنتج.
بعدها، يفصّل حلمي في الوجودية بين مؤمنة بائدة وملحدة سائدة. ويكمن مقتلها برأيه - نقلاً عن فلاسفة أمثال: روجيه جارودي (2012م)- في تضحيتها بالموضوعية والصرامة والنظم، وفي غربتها في الذاتية، وفي تمزّقها في العبثي واللامتناهي.
غير أنّ هذا هو الزبد في الردّ الاتّجاهي للوجودية. فقد نجد صفحات مطوّلة في الردّ عليها، من خلال إثبات هدفيّة الحياة الدنيا وغائيّتها، ومحفوفيّتها بالمكاره والبلاءات. وكلّ ذلك مستخلص بالطبع من “الكتاب والسنّة”، كما هو الشأن من بداية المقارنة مع فلاسفة الغرب وعلمائه.
وأخيراً، يصل بنا الكاتب إلى ضفاف كتابه، إلى البراجماتية النابعة من الوضعية. وبعد بيان مغزاها، انبرى لنقدها منهجياً - لكنّه نقَدها اتّجاهياً في الواقع- انطلاقاً من ضرورة الثبات في المبادئ، وخطأ التغيّر فيها؛ بسبب ربطها براجماتياً بالمنفعة العملية، وضرورة الجمع بين العلم وبين العمل.
بعدها استغرق من جديد في غمار نقدٍ وعظيٍّ، استمدّ عناصره من المأصول الديني، الإسلامي حصراً.
واللافت أنّ الكاتب رغم رفضه للبراغماتية، فهو يعتمد التعريف الوظيفي (أو الوظائفي) عند تحديده للأمور. وهذا النوع من التعريف يقوم على حدّ الأشياء من خلال دورها ووظيفتها؛ أي منفعتها. وعادةُ السلف هي الإفراط في التعريف بالحدّ والرسم. ولا يلجؤون إلى التعريف الاسمي إلا قليلاً، فضلاً عن غيره من التعريفات.

2 في تقويم الشكل والعرض والمصادر:
- لم يراعِ الكتاب منهجية موحَّدة في التقسيم، فهو تارة يقسم الباب إلى فصول، وتارة إلى مباحث.
- لا يوجد توازن في حجم الأبواب:
الباب الأول: ص 7- 54 = 47 صفحة.
الباب الثاني: ص55-82 = 27 صفحة.
الباب الثالث: ص 83-207 = 124 صفحة.

- إذا كانت المقدمة تقوم عادة بإبراز لبّ البحث؛ فإنّها قامت هنا على إبراز البابين: الأوّل والثاني بصورة غالبة. في ما عُرض الباب الثالث - على سعته الغالبة- باقتضاب شديد(فقرة واحدة).
- قام الكاتب بعنونة البابين: الثاني والثالث، في ما لم يعنون الباب الأوّل.
- يبدو أنّ الباب الثاني هو أقرب إلى أن يكون الفصل الرابع من الباب الأوّل، حيث أشار في ختام الفصل الثالث: “ونحن نرى أنّ صلتها بالإسلام أوثق للأسباب التي سنعرضها في الفصل التالي”(ص53).
- في صفحة عناوين الباب الثالث، يعدّد الموضوعات في “قواعد المنهج السلفي”، دون أن يذكر موضوع العقيدة. لكنّه في التصدير يشير ويفصّل في “دراسة العقيدة” بحدود ثماني صفحات.
- يتّسم العرض عموماً بالأفقية، دون التعمّق عمودياً في الفكرة: مبدؤها، وعلّتها، ولازمها، وأثرها...
- يوجد استطرادٌ في معالجة عناوين لا تتّصل بمشكلة البحث:  تعريف أصول الفقه، وأنواع الأصول، وأنواع الحديث النبوي... كما يوجد بعض الاضطراب في تسلسل الأفكار، ولا سيّما عند الحديث عن ابن تيمية في الباب الأوّل (بدأ به، ثمّ انتقل إلى تجريبية أصول الفقه، ليعود من جديد إلى ابن تيمية)، والباب الثالث (تحدّث في الباب الأوّل عن نقد ابن تيمية للمنطق، ثُم أعاد تكرار ذلك في الباب الثالث دون تفصيل جديد يُذكَر).
- غالباً ما يلجأ حلمي إلى المقارنة قبل استيفاء وصف طرفَي المقارنة. وهذا خطأ منهجي نجده مطّرداً - مع الأسف- في كتابٍ يقوم أساساً على المقارنة.
- لعلّ من مميّزات الكتاب، توافره على مصادر وفيرة عن دور العرب في بناء الحضارة، ولا سيّما الغربية. وبعض هذه المصادر غربي مترجم إلى العربية. لكن، قلّما نجد الكاتبَ يرجع إلى المصادر الغربية في المنهج، حينما تدعو الحاجة إلى ذلك، ولا سيّما عند المقارنة بين المنهجين: الغربي والإسلامي.
- السلفية هي الطابع العامّ لمصادر الكتاب المتعلّقة بالموقف الإسلامي. ويندر أن يستند إلى مصادر إسلامية مؤيّدة للفلسفة، أو مخالفة للسلفيّة. وهذا ما يهزّ موضوعية الكتاب. وخصوصاً، عندما يريد الكاتب تبيين المواقف غير السلفية، المتأثّرة بالعقل، أو اللوغوس الإغريقي، أمثال: الفارابي، وابن سينا، وابن رشد.

3. في  تقويم المضمون:
قمنا بإيراد مجموعة من ملاحظات المضمون أثناء العرض. ونقوم هنا بإيراد الملاحظات التي تتطلّب بسط الكلام، وتَطَّرِد في الكتاب، وتتعلّق بمنطلقات الكاتب ولوازم مواقفه:
- يترقّب القارئ عند مطالعة عنوان الكتاب أنّه في صدد التعرّف إلى حيثيات مناهج العلوم الإنسانية: قواعد وطرق تسيّر عقولنا للوصول إلى حقائق العلوم والمعارف.
لكن ما يعثر عليه القارئ هو مضامين وليس مناهج. وقد يتعثّر في إشارات منهجية، غير أنّها بسيطة جدّاً.
وما يمكن أن يفيد منه الكاتب في المضامين(وهو أهمّ ما فيها) هو معالم الاتّجاهات التي ينبغي أن تسير العلوم في مسالكها. من ذلك: التركيز على الروح في مقابل المادّة والجسد. التأكيد على الواقعية في مواجهة التجريد، والحرص على مرجعية النصّ في مواجهة طغيان العقل، والربط بالآخرة وعدم الاستغراق في الدنيا، والحفاظ على الدين من اجتياح العولمة، والسهر على الخصوصية الإسلامية من توحّش العالمية...
وتأتي هذه المسالك في سياق التقديم لرسم المناهج ومقارنتها. لذا أحسن الكاتب حين قال في المقدّمة: “سنعرض في هذا الكتاب لمقدّمات عن مناهج بحث بعض العلوم الإنسانية”(ص3)، في الوقت الذي أساء فيه اختيار العنوان: “مناهج البحث في العلوم الإنسانية”. وكان الأصحّ، بل الصحيح هو العنونة بـ “اتّجاهات البحث...”.
وهذه الاتّجاهات الاستراتيجية في رسم المنهج هي الجديد المتواضع، الذي قد يضيفه الكتاب إلى حقل كتب المنهج. فكثيرٌ من هذه الكتب استفاض في القواعد والطرق المسيِّرة للعقل، لكن استأثر كلّ مؤلّف بمقاربة متميّزة. فمثلاً يركّز فرانتز روزنتال في كتابه "مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي" على البواعث النفسية التي أفضت بعلماء المسلمين إلى توسّل التجربة أو الملاحظة، أو اعتماد نمط الشروح والخلاصات... إذن، هو يدرس مناهج المسلمين دراسة نفسية!. وأمّا أحد قراملكي(معاصر)، فيركّز في كتابه “مناهج البحث في الدراسات الدينية” على التطوّرات الحديثة لعلم المنهج، ولا سيّما في الإطار الأنجلوساكسوني، فيعرضها على “البحث الديني”: المستقلّ والبيتخصّصي؛ مفذلكاً لوجودها السابق في تراث العلماء بصياغة حديثة، أو مطبّقاً لهذه التطوّرات عندما لا توجد أصلاً...
وأمّا عبد الرحمن بدوي، فقد قام في كتابه “مناهج البحث العلمي”، في الباب الثالث الذي تناول العلوم التاريخية، قام بمقاربة مناهج العلوم الإنسانية مقاربة منهجية تاريخية تقوم على دراسة الوثائق ونقدها داخلياً وخارجياً...
لكنّ المحاولة الأكثر قرباً من محاولة مصطفى حلمي، هي محاولة علي سامي النشار في كتابه “مناهج البحث عند مفكّري الإسلام”، فهي تتّسم مثلها بالسلفية العلمية: رفض العقل الإغريقي، والاستهداء بابن تيمية... بل إنّ محاولة النشّار كانت من المصادر الرئيسة التي اعتمد عليها حلمي وأحال إليها...
- ينوّع الكاتب في توظيف مفاهيم متقابلة منتجة متنوّعة، وهذا ما يساهم عادةً في توليد الأفكار. ومن هذه المفاهيم المتقابلة: موضوعية-ذاتية، وانفصال-اتصال، وداخلية-خارجية، وثابت-متغيّر...
وفي المقابل، نجده يقابل بين مفهومين غير متقابلين أساساً، هما: الإسلام- الغرب. وتقوم رسالة كتابه- إذا صحّ التعبير- على إثبات “المباينة” بينهما على مستوى الأصول والمبادئ والأغراض. وهذا ما جعل المفهومين في جميع الكتاب في حالٍ من التقاطب. وكذلك هذا ما جعل إشكالية الكتاب غير متّجهة ولا منتجة.
وقد يمكن تفسير هذه “المباينة”، من خلال حقيقة رفضه القاطع لتوظيف قواعد العقل ومسالك العقلاء. وهي مسافة رحبة يمكن إيجاد ركائز فيها للالتقاء بين المنهجين.
ثمّ إنّ المباينة الحقيقية لا تكمن بين الإسلام والغرب على مستوى الفكر، بل بين الإسلام والوضع(أي الأديان الوضعية والفلسفات العلمانية). فثمّة غربٌ مسلم أيضاً، وإن كان أقلّيّاً. وكذلك ثمّة غرب يعتبر الإسلام أحد منابع الحقيقة، وإن كان نادراً آخذاً في الندرة، مع الأسف الشديد.
إنّ في حصر المباينة بين الإسلام والوضع إيجاداً لفضاءٍ عريضٍ تلتقي فيه سائر أديان السماء في دفاعها عن القيم، وكرامة الإنسان، ودور الدين، ونبذ الإلحاد. وكلّ هذه قصود وغايات يسمو إليها الإسلام.
- يعتبر  مصطفى حلمي أنّ علم أصول الفقه هو العلم المؤسّس للتجريبيّة في الإسلام، من خلال قياس أصولي هو قياس الغائب على الشاهد.
وفي الحقيقة، إنّ هذا القياس هو قياس كلامي وليس أصولياً. وأيضاً، هو لا يؤدّي إلى تجريبيّة أصول الفقه؛ لأنّ “الشاهد” هو بمثابة صغرى القياس، التي لا توجد بذاتها في الواقع، وإنّما الموجود هو مصداقها فحسب. فهي قضية لغوية تحكي عن واقعة وجودية. واللغة تستقلّ عن الوجود ، كما هو يستقلّ عنها. هذا فضلاً عن أنّ الكبرى والحدّ الأوسط، قضية ومفهوم ذهنيّان غير محسوسين.
مضافاً إلى أنّ واقعية الصغرى موجودة في القياس  المنطقي الأرسطي أيضاً (كلّ إنسان فانٍ، زيدٌ إنسان= زيدٌ فانٍ). فهل يكون  المنطق الأرسطي بذلك تجريبياًّ، مع أنّه غارق في التجريد.
وهذا الأمر يدلّ على غموض مفهوم “التجربة” في تصوّر الكاتب.
- يقوم الدكتور حلمي بمقاربة موضوع المنهج مقاربة معكوسة. فهو أولاً يحاول الاسترشاد بآثار علماء السلف (وهو هنا يخلط بين النقل وفهم السلف للنقل). ثمّ يقارن بها تالياً منهج علماء الغرب، بينما العكس هو الصحيح، حيث يجب أن نعرض تجربة الإنسان - باعتبارها خلاصة حراك فكر البشر في الحياة- لكن نعرضها على الكتاب والسنّة، لا على علماء السلف. فنستنطق هذين المصدرين الشريفين ونحتكم إليهما. وربما تكون لآثار هؤلاء قيمة تراكمية إرشادية مفيدة، لكنّ الأصل في التحكيم هو النقل وليس فهوم النقل.
- توحي المعالجة التي قدّمها الكاتب في مناهج البحث في العلوم الإنسانية، توحي أنّ المنهج الصالح والحصري في مقاربة موضوعات هذه العلوم هو المنهج المتّصل “بالعقيدة الدينية والوحي الإلهي”؛ أي المنهج النقلي. بينما يشكّل هذا الأمر تفريطاً بعناصر عقلية منهجية مهمّة، نحو: الوصف، والتحليل، والتفسير، والتبرير والتركيب.
وقد يكتفي الكاتب بالإشارة إلى بعض هذه العناصر(ص197)، لكنّه لا يحفظ دورها أبداً. بل يكتفي بمجرّد الشعارية في استحضار عنوان العقل.
كما أنّه فرّط في المنهج التجريبي -الذي أشار إلى ريادة علماء الطبيعة المسلمين فيه- فلم يستثمر بعض عناصره المنهجية الصالحة في علوم الإنسان، من قبيل: الملاحظة، والفرضية، والمشكلة، والتجريب العقلي.
لكن، نسجّل له بعض المرونة في تقدير وسائل الإحصاء(ص173).
- تمسّك حلمي بنوعٍ من العقل، نشأ الاصطلاح عليه بـ”العقل المنقول”. فليس هو بالعقل اليوناني، وليس هو بالعقل المستقلّ عن النصّ في تكوينه.
ورغم أنّ “العقل المنقول” يستمدّ تكوينه من النقل نفسه ويُستنبط منه، نجد أنّ حلمي يجعله في رتبة متأخّرة، هي رتبة الحَيرة (“محارات العقول” لا محالات العقول). ويأتي هذا الموقف تأثّراً بابن تيمية وابن قيم الجوزية وسواهما.
غير أنّ هذا الموقف منتقَضٌ بلوازمه، حيث يلزم من ذلك انسداد إثبات وجود الله ومعرفته بغير طريق الشرع، بل يلزم منه انسداد السبيل إلى الشرع كذلك. فلو توقّفت معرفة الشرع على الشرع للزم الدور.
-وكذلك، فإنّ رفض العقل يؤدّي إلى التسليم بأحاديث مدسوسة عن الجبر والرؤية، دون إمكان ردّها. ويؤدّي رفضه كذلك إلى استحالة الجمع بين الأخبار المتعارضة في دلالاتها؛ لأنّ عملية الجمع يقوم بها العقل: تخصيصاً، وتقييداً، وتقديماً، وتوسيعاً، وتضييقاً...
كما أنّ استشهاد الكاتب بالآيات المتضمّنة للعقل، لا يعني أنّ الشرع سابق للعقل. فحينما تشير الآيات إلى العقل، فهي تشير إلى المعنى القبلي المركوز المتفق عليه بين العقلاء.
- يمثّل العالم الحرّاني ابن تيمية المرجعية العلمية للكاتب. فتراه يستند إليه بصورة مطّردة، كلّما أراد معارضة العقل الكلامي والفلسفي، بل هو يراه مرجعيةً حصرية، حيث يقول: “يصبح ...ابن تيمية محور دراستنا؛ لأنّه المعبّر عن اتّجاه علماء السنّة والحديث”.
وفي هذا الاعتناق نوعٌ من الغلوّ العلمي، والتحيّد عن الموضوعية التي ينبغي أن يلازمها كلّ عالم، بل إذا كان ابن تيمية بالنسبة إليه على هذا القدر من التأثير، فلِمَ لم يتأثّر به في “الاستعانة بالحقّ أينما وُجد”(ص216)، كما نسب إليه.
فثمّة مواقف لعلماء الكلام الشيعة في مسألة العقل والنقل، أكثر اعتدالاً من سواها. نلاحظ مثلاً موقف الشيخ المفيد (ت: 1022م) الذي يعطي للعقل دورين: دور تأسيسي يثبت أصول العقيدة تجنّباً لآفة الدور. ودور إرشادي يكشف عن مؤدّى النقل ويحفظ أولويته. وفي هذا الموقف موازنة بين حجّة باطنة وحجّة ظاهرة، بين عقل مفطور وشرعٍ منقول.
ورغم تأثّره الكبير بابن تيمية، إلا أنّ استشهاد الكاتب بموقفه قد شابهُ كثيرٌ من الالتباس. فهو تارة يعتبر في الباب الأوّل أنّ معارضة ابن تيمية للفلسفة هي اعتراض على منهجها ومنطقها، فاستغنى عنه بمنطق القرآن (الميزان). وتارةً أخرى في الباب الثالث، يرى أنّ معارضته للفلسفة اليونانية “تتّجه إلى اختلاف مضمونها عن المضمون الإسلامي”(ص216)؛ فلا يرى أيّ مانعٍ في سبيل إقامة الحجج العقلية من “الاستعانة بالحقّ أينما وُجد”(ص216)!.
- يخلط حلمي في بعض المحطّات بين المنهج العقلي اليوناني وبين المضامين الفلسفية اليونانية. فيردّ الأوّل بسبب  انحراف المضمون ومخالفته لعقيدة الإسلام.
وهذا برأينا أمرٌ مجانب للصواب. والحقّ أنّ ردّ المنهج العقلي اليوناني ينبغي أن يقوم على أسباب ومبرّرات متّصلة بالمنهج نفسه: طرقه، وأنواعه، وأشكاله...
وقد قام أحد المفكّرين المعاصرين، وهو الدكتور طه عبد الرحمن بنقد منطق الفلسفة في كتابه “اللسان والميزان: أو التكوثر العقلي”. وتقوم مقاربته النقدية على أنّ المنطق اليوناني يقوم على التجريد: تجريد الكلّيّات والمعاني والمفاهيم. لكنّ التجريد مستحيلٌ؛ فلا يمكن التجرّد من الواقع: الحسّي، والاستعمالي، والتداولي...
كما أنّه يرى أنّ منطق الفلسفة صناعيٌ، بينما ينبغي أن يبتلّ بنداوة فطرية خطابية عرفية. كما ينبغي أن يجمع بين الصورة والمضمون، فلا يكون صورياً أو صورانياً محضاً؛ كحال المنطق الأرسطي.
ولا شكّ في تأثّر عبد الرحمن بابن تيمية في نفيه التجرّد وتطبيعه للمنطق، غير أنّه قدّم فذلكةً منظّمةً موسّعةً ومبرّرة. وهو أمر كان ينبغي لمصطفى حلمي أن يقوم به في كتابه.
ونجد هذا الخلط بين المنهج والمضمون في محاولته نقد الفلسفة الغربية من خلال ثلاث فلسفات: الماركسية، والوجودية، والبراجماتية.
- يحرص حلمي على موضَعة الفكر الإسلامي في وضعية المضادّة (بوصفه هدفاً وليس وسيلةً) مع الفلسفة: يونانية أو غربية حديثة. فحينما تغرق اليونانية في التجريد، ينقدها بضرورة التشخّص والتعيّن. وحينما تذوب الوجودية الملحدة في التشخّص الوجودي الإنساني الفردي، فإنّه يحاكمها بتهمة غياب المجرّد والمتعالي.
أخيراً، لا يمكن أن تسهم محاولة الدكتور مصطفى حلمي -رغم قيامها على المقارنة- في التواصل مع ما يسمّيه “الغرب”، ولا في إقناعه أو إفهامه الرؤية الإسلامية... طالما أنّه حصر المرجعية بالنصّ الإسلامي وبالعقل المنقول.
وتبدو محاولته في لُبِّها وعظيةً خلقيةً للشباب الجامعي، وأحياناً الباحثين والمفكّرين، ردعاً عن الاغتراب الثقافي، والاستلاب المنهجي، والوقوع في أسر التهويد الفلسفي!...

هوامش:
إعداد: الشيخ علي زين العابدين حرب (باحث من الحوزة العلمية، من لبنان)
منشور في مجلة الحياة الطيبة، العدد 26، صيف خريف 2012م.

1- الشورى:17.
2-  انظر: الفارابي، أبو نصر: المنطقيات، تحقيق وتعليق د. رفيق العجم، بيروت، دار المشرق، 1986م. وهو ثلاثة أجزاء:
- الأوّل: التوطئة، الفصول الخمسة، إيساغوجي، كتاب المقولات، كتاب العبارة.
- الثاني: كتاب القياس،كتاب التحليل،كتاب الأمكنة المغلطة.
- الثالث: كتاب الجدل.
وانظر -أيضاً- للمؤلّف نفسه: كتاب البرهان، تحقيق وتعليق د. ماجد فخري، بيروت، دار المشرق، 1987م؛ كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، بيروت، دار المشرق، 1970م؛ كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق، تحقيق محسن مهدي، بيروت، دار المشرق، 1968م.
وانظر -أيضاً-: ابن سينا، أبو علي: رسائل ابن سينا، “كتاب عيون الحكمة”، “المنطقيات”، لاط، قم المقدّسة، منشورات بيدار، 1400هـ.ق، ص15-30.





317 مشاهدة | 12-07-2017