السبت 23 أيلول 2017 الموافق لـ 1 محرم 1439هـ

» مفاهيــــم إســـلامــية

إياك والأذى!


في الرواية الشريفة قال: "رأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا"1.

تمهيد
ينبغي على الإنسان أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه إن عمِل عملًا يَرضى الله عنه، ويُخلص فيه النية لله - عزّ وجلّ -، فهو مأجورٌ عليه، بل إنه عبادة من العبادات التي يتقرَّب بها إلى الله - عزّ وجلّ -، ولا تقتصر العبادة على الأمور الشعائرية من قبيل الصلاة والصوم والحج والجهاد والخمس وغيرها، بل لا بدّ من الالتفات معها إلى العبادة التعاملية من قبيل الصدق والأمانة والعفة والحلم والرحمة وإحقاق الحق وإبطال الباطل وإنجاز الوعد وتحقيق المكارم، وغيرها، التي باتت تفتقر إليها البشرية في الأرض الآن. ومن أهم العبادات عبادة كفّ الأذى.

لماذا المؤمن أعظم حرمة من الكعبة عند الله عز وجل؟
لأنه حبيب الله، فهو أراد أن تكون علاقتنا به علاقة حب، قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾2. والعلاقة بين الله - عزّ وجلّ - وبين العبد علاقة طوعية، ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾3، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، فما عَبد اللهَ من أطاعه ولم يحبه، وما عَبد اللهَ عبادة تامة من أحبه ولم يطعه، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، فالعبادة هي غاية الحب لله، مع غاية الخضوع له.

وترى عظيم محبة الله تعالى لعباده المؤمنين، لإيمانهم به، واتّباعهم رسله، والتزامهم نهجَ أوليائه وشريعته، وتصديقهم أخبارَه، وسلكوهم منهجَه.
هذه المحبة أورثتهم منزلة الخصوصية عند ربهم سبحانه وتعالى، فاختصهم بهداية ورحمة خاصة ليست لغيرهم من سائر الخلق، وبها نالوا سعادة الدنيا بطمأنينة القلب وفرحة اللقاء بالله تعالى، وسعادة الآخرة بالفوز العظيم والفلاح الكبير، والقرب من الرحمن جلّ في علاه، بل أصبحوا في مقام الولاية لله - عزّ وجلّ -: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾4.

عن أمير المؤمنين عليه السلام: ﴿إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ثم قال: "تدرون مَن أولياء الله؟" قالوا: من هم يا أمير المؤمنين؟ فقال: "هم نحن وأتباعنا، فمن تبعنا من بعدنا طوبى لنا، وطوبى لهم، وطوباهم أفضل من طوبانا"، قيل: ما شأن طوباهم أفضل من طوبانا؟ ألسنا نحن وهم على أمر؟ قال: "لا، لأنهم حملوا ما لم تحملوا عليه، وأطاقوا ما لم تطيقوا"5.

عن أبي جعفر عليه السلام قال: "وجدنا في كتاب علي بن الحسين عليهما السلام: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، قال: إذا أدّوا فرايض الله، وأخذوا بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتورّعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل زهرة الدنيا، ورغبوا فيما عند الله، واكتسبوا الطيب من رزق الله، لا يريدون به التفاخر والتكاثر، ثم أنفقوا فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فأولئك الذين بارك الله لهم فيما اكتسبوا، ويثابون على ما قدّموا لآخرتهم"6.

ويكفي في بيان محبة الله تعالى للمؤمنين هذه الرواية، فعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: "قالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ العابِدينَ عليه السلام: قَالَ اللهُ - عزّ وجلّ -: مَا مِنْ شَيءٍ أَتَرَدَّدُ عَنْهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ رُوحِ الْمُؤمِنِ يَكْرهُ الْمَوتَ وَأَنَا أَكْرهُ مَسَاءَتَهُ، فَإذَا حَضَرهُ أَجَلُهُ الَّذِي لاَ يُؤَخَّرُ فِيه بَعَثْتُ إلَيْهِ بِرَيْحَانَتَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ تُسَمَّي إحْدَاهُمَا الْمُسْخِيَةَ7 وَالأُخْرَى المُنْسِيَةَ8، فَأمَّا الْمُسْخِيَةُ فَتُسْخِيهِ عَنْ مَالِهِ، وَأَمّا الْمُنْسِيَةُ فَتُنْسِيه أَمْرَ الدُّنْيَا"9.

هل تعلم أن أذية المؤمن إيذان بالحرب من الله؟
فمن بلغ ليكون حبيبًا لله - عزّ وجلّ -، يصبح تحت رعايته، ومن يغدو تحت ظله، يصبح وليًّا، ومن بارزه كمن حاربه عز في علاه، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ10"11.

وفي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "قال الله - عزّ وجلّ -: لِيأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن، ولْيأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن، ولو لم يكن في الأرض فيما بين المشرق والمغرب إلا مؤمن واحد مع إمام عادل، لاستغنيت بعبادتهما عن جميع ما خلقت في أرضي، ولقامت سبع سماوات وأرضين بهما، ولجعلت لهما من إيمانهما أنسًا لا يحتاجان إلى أنس سواهما"12. ولأجل هذه المحبة العظيمة من الله تعالى لعبده المؤمن، كان من كبائر الذنوب قصدُ المؤمن بما يسوؤه ويؤذيه.

ما المُراد بالأذى؟
المُراد منه كل كلمةٍ أو حركةٍ تجرح مشاعر الطرف الآخر، وقد يكون الأذى جسدّيًا بالقتل أو الضرب أو الحبس أو التعذيب ونحوه، وقد يكون غير جسدي كالقول والشتم واللعن والغيبة والنميمة والبهتان والتعيير وشبهه.

وعرّفوه بأنه أفعال من الأذى، وهو كلّ ما يتأذّى به الإنسان ويكرهه، فيقال: أذَيَ الرجل أذىً، أي وصل إليه المكروه، وآذيته إيذاءً، أو كلّ ما يصل إلى الحيوان أو الإنسان من الضرر، في روحه أو جسمه أو تبعاته، دنيويًّا كان أو أخرويًّا13.

أما الأذى في الاصطلاح فقد ذكروه بمعناه اللغوي نفسه، وهو إيصال الضرر والمكروه إلى من لا يستحقه في نفسه، دنيويًّا أو أخرويًّا. وقد أشار المولى المازندراني رحمه الله14 إلى معنى قريب منه: "الأذى لفظ شامل لجميع أنواع الخصال المذمومة، مثل الضرب والشتم والهجو والغيبة والتهمة وغيرها"15.

من أمثلة الأذية في المشاعر: التناجي وإحزان المؤمن
ولا يخفى عليك أن الشريعة نهت عما فيه أذية لمشاعر المؤمن، وأكّدت على ضرورة التلطف به بأحاسيسه، وهو ما يسمى بأدب المجالس، ففي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فلا يَتَناجى16 اثْنانِ دُونَ الثالث، فإن ذلك يُحْزِنَه"17.

لماذا؟ ما هي العلة المهمة جداً التي ينبغي لنا أن نفقهها في منع التناجي؟ يقول صلى الله عليه وآله وسلم في ذيل الحديث: (من أجل أن يحزنه)، فصار الحزن هو المانع من التناجي، وهو السبب.

لماذا يحزنه؟
قد يَحزن المسلم أو المؤمن لأسباب، منها:
ربما يتوهم هذا الرجل الثالث أن الاثنين المتسارَّين يُبيِّتان له أمر سوء، يحيكان شرًّا حوله، فلأجل ذلك مُنع التناجي.

من أجل الاختصاص بالكرامة، يعني: كأن هذين المتناجيَين يقولان بلسان الحال لا بلسان المقال: إنك، أيها الثالث الذي تناجينا دونك، لست بأهل لسماع كلامنا، وهذا الكلام ليس على مستوايَ إلا أنا وصاحبي، أما أنت فلست بأهل له، وليست هذه كرامة لك، وإنما كرامة لنا نحن المتناجيَين. فهذه العلة أيضاً فيها الحزن الذي بيّنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني: أن فيها احتقارًا للشخص الثالث، لأنه ليس على مستوى الكلام كما يدّعيان.

وهذا يدلُّ على منع أذيَّة المؤمن، ولو لم تكن متعمَّدة، وحتى لو كانت لغرضٍ شرعي، فكيف بالأذى المتعمَّد في موافقة هوى النَّفْس وشهوتها!

وفي الرواية الدالة على حرمة الإنسان المسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تَحاسَدوا، ولا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغضوا، ولا تَدَابروا، ولا يَبِعْ بعضُكم على بيع بعضٍ، وكونوا عبادَ الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم، لا يَظلِمه، ولا يخذله، ولا يحقّره. التَّقْوى ها هنا - ويُشير إلى صدره الشريف ثلاث مرَّاتٍ - بحسْبِ امرئٍ من الشَّرِّ أن يَحقِّر أخاه المسلم. كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ، دمه وماله وعِرضُه18"19.

فهل نقصر على هذا المعنى؟
لا بدّ من التنبه إلى شدة ابتلائنا بمسألة الأذى وعدم إحساسنا بصدوره منا، وخصوصًا مع غفلتنا عن معرفته وعدم الالتفات إليه، والحال أن الأمر في بعض الأحيان- مع عظمه - لا يكون مقتصرًا على فرد محدد، بل قد يطال أكثر من ذلك، فيصدر الأذى إمَّا للدائرة القريبة منك كالزوجة، والأبناء والأهل والأرحام، وإمّا للدائرة البعيدة كالجيران، وقد يصل إلى أبعد من ذلك، بدءاً من الأذى للأنبياء والرسل، والأذى الاجتماعيّ العامّ كالتعرض لأهل الجهاد وعدم نصرتهم في وقت المحنة، وأذى البيئة والطبيعة، وصولاً إلى أذى النفس. وما دام التعاطي مع هذه الدوائر قائمًا، فنحن معرضون لصدور الظلم والأذى منّا اتجاه الآخرين.

من مصاديقه (أذية المؤمن في مشاعره، مضايقة المسلمين في الطرقات، مثل رمي النفايات وإيقاف السيارات وحجز الأرصفة، مضايقتهم في المجالس كالرائحة الكريهة، الغيبة والنميمة، والسباب والشتائم والقدح والقذف، أذية الزوج والزوجة، تسلط المسؤولين على مرؤوسيهم بغير حق، وهضم حقوقهم وتأخير مصالحهم، خلط الحقائق وتلبيس الوقائع وحجب الثقافة والوعي، استغلال حاجة الناس وفقهرهم والتحايل عليهم، عدم الجهاد بالمال مع القدرة عليه، الاعتداء على ممتلكات الآخرين، وتخريبها، قتل النفس المحترمة، نشر الفساد وأدواته. ومنها التدخل في عمل الغير وتقويمه، وتنقيص العلماء واتهامهم).

لماذا نحن معرضون لذلك؟
لأسباب، نذكر بعضها بشكل إجمالي:
التعاطي شبه الدائم مع الآخرين، وما يفرضه ذلك من وسوسة الشيطان لإثبات الذات والنفس، أو إظهار الميزة والفضل على الآخرين.
ضغوط الحياة ومشاكلها الكثيرة المادية والنفسية وما ينتج عنها من توتر الأعصاب وتشنجها- إلا من عصم الله-، التي تكون سببًا في كثير من الأذية.
الجهل بأن ما يصدر عنّا هو من مصاديق الأذى والظلم.
اعتبار التدين غير مسألة الخلق، فالتدين عبارة عن المظاهر الشكلية والعبادات الظاهرية.

متى نستيقظ من غفلتنا في ظلمنا وأذانا؟
إذا كان عظم الأذى والظلم، كما ظهر بهذه الصورة، يعدّ كبيرة من الكبائر، بل جريمة من الجرائم، فمتى يتنبّه المؤمن لهذا؟ خاصة وأنّ كثر صدور الظلم والأذية منّا اتجاه الآخرين، قد يزداد تراكمًا في بعض الأحيان ونحن لا ندري؟!

وهل تعلم أنّ معنى الأذية والظلم مترابطٌ بشكل كبير، بل هو الجامع للرذائل كما عبّر المولى النراقي20، لماذا؟ "لأن الظلم قد يراد به ما هو ضد العدالة، وهو التعدي عن الوسط في أي شيء كان، وهو جامع للرذائل بأسرها، وهذا هو الظلم بالمعنى الأعم. وقد يطلق عليه الجور أيضاً، وقد يراد به ما يرادف الإضرار والإيذاء بالغير، وهو يتناول قتله وضربه وشتمه وقذفه وغيبته وأخذ ماله قهرًا ونهبًا وغصبًا وسرقة، وغير ذلك من الأقوال21 والأفعال المؤذية"22.

من كلام للإمام أمير المؤمنين عليه السلام يتبرأ فيه من الظلم:
"وَاللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ23 مُسَهَّدًا24، أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفَّدًا25، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِمًا لِبَعْضِ الْعِبَادِ، وَغَاصِبًا لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْحُطَامِ، وَكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَدًا لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا26 وَيَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا27.

وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ28 بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ29 مَا فَعَلْتُهُ، وَإِنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَأَهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ فِي فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضِمُهَا!"30.

ما هو حجم الظلم الذي عبّر عنه المولى أمير المؤمنين عليه السلام "بجلب شعير"! فهل يوجد تناسب بين ما قد يصدر منا وبين ذلك؟

فما هي النتيجة؟ قد يصبح أصل إيماننا وارتباطنا بأهل البيت عليهم السلام في خطر شديد. هل فكرنا بهذا يومًا؟ هل حاسبنا أنفسنا ونحن نتقلب على فراشنا؟ هل حملنا همّ عدم القدرة من الانتهاء من ظلم الآخرين؟ هل بكينا وشكونا أمرنا إلى بارئنا كما كان يفعل مولانا السجاد عليه السلام في الاعتذار من تبعات العباد ومن التقصير؟ "اللّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلوُمٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ انَصُرْهُ، وَمِنْ مَعْروفٍ أُسْدِيَ إِلَيَّ فَلَمْ أَشْكُرْهُ، وَمِنْ مُسيءٍ اعْتَذَرَ إِلَيَّ فَلَمْ أَعْذِرْهُ، وَمِنْ ذي فاقَةٍ سَألَنِي فَلَمْ أوُثِرْهُ، وَمِنْ حَقِّ ذي حَقٍّ لَزِمَنِي لِمُؤْمِنٍ فَلَمْ أُوَفِّرْهُ، وَمِنْ عَيْبِ مُؤمِنٍ ظَهَرَ لي فَلَمْ أَسْتُرْهُ، وَمِنْ كُلِّ إِثْمٍ عَرَضَ لي فَلَمْ أَهْجُرْهُ. أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ يا إِلهِي مِنْهُنَّ وَمِنْ نَظَائِرِهِنَّ اَعْتِذارَ نَدامَةٍ يَكُونُ واعِظاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ أَشْباهِهِنَّ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاجْعَلْ نَدامَتِي عَلى ما وَقَعْتُ فيهِ مِنَ الزَّلاّتِ، وَعَزْمي عَلى تَرْكِ ما يَعْرِضُ لِي مِنَ السَّيِّئَاتِ؛ تَوْبَةً تُوجِبُ ليَ مَحَبَّتَكَ، يَا مُحِبَّ التَّوّابِين"31.32

ما هي عقوبة الأذى والمظلمة؟
بما أن المؤمن له حرمة، وأذيته محاربة لله - عزّ وجلّ -، وجرحَ مشاعره كخدش لبيت الله - عزّ وجلّ -، فإذا صدر منا الظلم أو الأذية فلنعتذر، ليسَجَّل في ديوان أعمالنا أنَّنا أسأنا وأنَّنا أحسنَّا فاعتذرنا.

وإلا أنْ نضلل نؤذي دون اعتذار، فإنَّ موارد الأذى هذه تتجمع، ومتى نراها؟ حين تسوؤنا فتسيل عينا الإنسان دماً وقيحاً. متى تتجمع؟ تتجمع في يوم القيامة، في أي مكان؟

ورد في الروايات أنَّ على الصراط33 عقبات، ومن أعظمها عقبة المظالم، وهي العقبة السابعة، كما ورد في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾34، بحيث أقسم الله تعالى به، يعني الصراط، وذلك أن جسر جهنم عليه سبع قناطر، على كل قنطرة ملائكة قيام، وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البرق، يسألون الناس في أول قنطرة عن الإيمان، وفي الثانية يسألونهم عن الصلوات الخمس، وفي الثالثة يسألونهم عن الزكاة، وفي الرابعة يسألونهم عن صيام شهر رمضان، وفي الخامسة يسألونهم عن الحج، وفي السادسة يسألونهم عن العمرة، وفي السابعة يسألونهم عن المظالم، فمن أتى بما سئل عنه كما أمر جاز على الصراط، وإلا حُبس، فذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، يعني ملائكة يرصدون الناس على جسر جهنم في هذه المواطن السبعة، فيسألونهم عن هذه الخصال السبع.

وفي الحديث القدسي "وعزتي وجلالي، لا يجوزني ظلم ظالم"35.

فهل استيقظنا من غفلتنا وانتبهنا من نومنا قبل أوبتنا!

 

هوامش

1- العلاّمة المجلسي، بحار الأنوار، ج71، ص223.
2- سورة المائدة، الآية 54.
3- سورة البقرة، الآية 256.
4- سورة يونس، الآيات 62-64.
5- العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تحقيق الحاج السيد هاشم الرسولي المحلاتي، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية، لا.ت، لا.ط، ج2، ص124.
6- المصدر نفسه.
7- المسخية، مشتقّة من مادّة "السخاء"، وحين يمسكها المؤمن في يده يعبق عطرها في أنفه، فيُسكره فيسخو عن جميع ماله، ويخلو وجوده من أيّ علاقة بالمال.
8- مشتقة من مادة "النسيان"، وحين يُعطاها المؤمن فإنّ أريج عطرها يُنسيه كلَّ ما عدا الله من الأمور الدنيويّة، كالزوجة والولد والعشيرة والأعوان والأنصار والخدم والحشم والاعتبار والجاه وغير ذلك.
9- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 6، ص 152.
10- عادى: آذى وأبغض وأغضب بالقول والفعل. وليًّا الولي هو العالم بالله، المواظب على طاعته، المخلِص في عبادته. آذنتُه: أعلمته. النوافل: ما زاد على الفرائض من العبادات. استعاذني: طلب مني الإعاذة، ولجأ إلى حمايتي ونصرتي. لأعيذنه: لأحفظنه مما يخاف.
11- راجع: الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص352.
12- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 350.
13- ابن منظور، العلامة أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب، قم - إيران، نشر أدب الحوزة، 1405ه، لا.ط، ج14، ص 27.
الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، لا.م، دفتر نشر الكتاب، 1404ه، ط2، ج1، ص 15.
الخليل الفراهيدي، أبو عبد الرحمن بن أحمد، العين، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي والدكتور إبراهيم السامرائي، إيران - قم، مؤسسة دار الهجرة، 1409ه، ط2، ج8، ص 206.
14- محمد صالح بن أحمد المازندراني، حسام الدين، علّامة جليل من وجوه العلماء في أصبهان. تتلمذ على المولى محمد تقي المجلسي، وله منه إجازة الحديث، وكان صهره على بنته. وتتلمذ أيضاً على الشيخ بهاء الدين العاملي، والمولى عبد الله التستري.
عدّه بعض من تلامذة العلامة المجلسي محمد باقر-، والصحيح أنه من شيوخه وأساتذته. من تلامذته الميرزا عبد الله أفندي الأصفهاني.
له من الكتب شرح أصول الكافي -، وشرح من لا يحضره الفقيه -، وشرح زبدة الأصول -، وشرح معالم الأصول -، وشرح قصيدة البردة -، وغيرها. توفي في أصبهان سنة 1086، ودفن في مقبرة المجلسي.
15- محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي، تعليقات الميرزا أبو الحسن الشعراني، ضبط وتصحيح السيد علي عاشور، بيروت - لبنان، دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، 1421ه - 2000م، ط1، ج1، ص195.
16- معنى التناجي: التحادث سرًّا.
17- الطبرسي، الميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، لبنان - بيروت، 1408ه - 1987م، ط1، ج8، ص399.
18- في معناه: "لا تحاسدوا": أي لا يتمنى بعضكم زوال نعمة بعض.
"لا تناجشوا": والنجش في اللغة: الخداع أو الارتفاع والزيادة. وفي الشرع أن يزيد في ثمن سلعة ينادي عليها في السوق ونحوه ولا رغبة له في شرائها، بل يقصد أن يضر غيره.
"لا تدابروا": لا تتدابروا، والتدابر: المصارمة والهجران.
"لا يخذله": لا يترك نصرته عند قيامه بالأمر بالمعروف أو نهيه عن المنكر، أو عند مطالبته بحق من الحقوق، بل ينصره ويعينه ويدفع عنه الأذى ما استطاع.
"لا يكذبه": لا يخبره بأمر على خلاف الواقع.
"لا يحقره": لا يستصغر شأنه، ولا يضع من قدره.
"بحسب امرئ من الشر": يكفيه من الشر أن يحقّر أخاه، يعني أن هذا شر عظيم يكفي فاعله عقوبة هذا الذنب.
"وعرضه": العرض هو موضع المدح والذم من الإنسان.
19- راجع: أحمد بن حنبل، المسند مسند أحمد-، بيروت - لبنان، دار صادر، لا.ت، لا.ط، ج2، ص360.
20- ولد أحمد النراقي في نراق، إحدى قرى كاشان الإيرانية، وذلك في الرابع عشر من شهر جمادى الآخرة سنة 1185 هـ، وقيل سنة 1186 هـ. درس المقدمات من النحو والصرف والمنطق والرياضيات والفلك في مسقط رأسه، ودرس كلًّا من الفقه والأصول والحكمة والفلسفة والكلام على يد والده مهدي النراقي. وفي سنة 1205 هـ، سافر إلى العراق لمواصلة الدراسة الحوزوية على يد علماء النجف وكربلاء. عاد بعدها إلى كاشان، وتصدى فيها للمرجعية بعد وفاة والده عام 1209هـ. من أبرز تلامذته الشيخ الأنصاري.
21- وجُرْحُ السيفِ تأسوه فيبرا وَجُرْحُ الدهر ما جَرحَ اللسانُ
جِرَاحاتُ السّنانِ لها التئامٌ ولا يَلْتَامُ ما جَرحَ اللسانُ
22- النراقي، الشيخ محمد مهدي، جامع السعادات، تحقيق وتعليق السيد محمد كلانتر، تقديم الشيخ محمد رضا المظفر، لا.م، دار النعمان للطباعة والنشر، لا.ت، لا.ط، ج2، ص 169.
23- عشبة شوكها مدحرج، الواحدة حسكة
24- من أصابه الأرق، والذي لا يقدر على النوم.
25- المصفد بالقيود والأغلال.
26- أي رجوعها.
27- حلولها: أي نزولها وإقامتها.
28- قسّم أهل الهيئة الأرضَ أربعة أقسام متساوية- بأن فرضوا على الأرض دائرتين: إحداهما المسماة خط الاستواء، والأخرى التي تمرّ بقطبيه-، وسمّوا واحدًا من تلك الأقسام بالربع المعمور والربع المسكون، ثم قسّموا المعمور سبعة قطع موازية لخط الاستواء، فيتشابه أحوال البقاع الواقعة في ذلك القسم، وسمّوا تلك الأقسام بالأقاليم.
29- "جلب شعيرة"، وهي قشرة حبة الشعير الرقيقة، التي تنزع عنها تلقائيًّا. ولو كان يوجد ما هو أتفه شأنًا من جلب الشعير لقارن الإمام سلام الله عليه- به.
30- السيد الرضي، نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام-، ص346، الخطبة 224.
31- اللهم إني أعتذر إليك-، أي: أطلب منك العذر بأن تعفو عني. من مظلوم ظلم بحضرتي-، أي: حال كوني حاضراً. فلم أنصره-، وإني قادر على ذلك. ومن معروف أسدي إليّ-، فإن الإسداء بمعنى الإحسان فلم أشكره-، فإن شكر المعروف لازم. ومن مسيء اعتذر إلي فلم أعذره-، أي: لم أقبل عذره، فإن من أدب الإسلام أن يقبل الإنسان عذر المعتذر. ومن ذي فاقة- حاجة سألني فلم أوثره-، أي: لم أقدمه على نفسي بإعطائه وحرمان نفسي. ومن حق ذي حق لزمني لمؤمن فلم أوفره-، أي: لم أعطه حقه. ومن عيب مؤمن ظهر لي فلم أستره- مع أن اللازم ستر عيوب الناس. ومن كل إثم- ومعصية. عرض لي-، أي: ظهر. فلم أهجره-، أي: لم أتركه، بل أتيت به. أعتذر إليك يا إلهي منهن-، أي: من هذه الخصال الذميمة. ومن نظائرهن-، أي: أمثالهن من سائر الخصال المذمومة. اعتذار ندامة-، أي: اعتذاراً ناشئاً من الندامة. يكون- ذلك الاعتذار. واعظًا لما بين يدي من أشباههن-، أي: أمثال هذه الصفات المذمومة. فصلِّ على محمد وآله، واجعل ندامتي على ما وقعت فيه من الزلات- بأن أندم على المعاصي التي صدرت مني. والزلات جمع زلة، بمعنى العثرة. شبَّه العاصي بالعاثر الذي يقع، إذ كلٌّ منهما يتضرر، هذا جسمًا وذاك نفسًا. و- اجعل عزمي على ترك ما يعرض لي من السيئات-، بأن أعزم وأنوي ترك كل سيئة تجول في خاطري. توبة - مفعول ثان لـ (اجعل). توجب - تلك الندامة وهذه العزيمة. لي محبتك - بأن تحبني. يا محب التوابين-، فإنه يحب التوابين كما في القرآن الحكيم.
32- الإمام زين العابدين عليه السلام، الصحيفة السجادية، قم - إيران، دفتر نشر الهادي، 1418ه، ط1، ص 168، الدعاء 38 في الاعتذار من تبعات العباد.
33- ونقل العلاّمة المجلسي في حقّ اليقين عن كتاب عقائد الشيخ الصدوق رحمه الله أنّه قال: اعتقادنا في العقابات التي على المحشر أن كل عقبة منها اسمها اسم فرض وأمر ونهي، فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة اسمها فرض، وكان قد قصّر في ذلك الفرض، حُبس عندها، وطولب بحقّ الله فيها، فإن خرج منها بعمل صالح قدّمه، أو برحمة تداركه، نجا منها إلى عقبة أخرى، فلا يزال يُدفع من عقبة إلى عقبة، ويُحبس عند كل عقبة، فيُسأل عمّا قصّر فيها من معنى اسمها، فإن سلم من جميعها انتهى إلى دار البقاء، فيحيا حياةً لا موت فيها أبداً، وسعد سعادة لا شقاوة معها أبدًا، وسكن في جوار الله مع أنبيائه وحججه والصديقين والشهداء والصالحين من عباده.
وإن حبس على عقبة فطولب بحق قصّر فيه فلم ينجه عمل صالح قدّمه، ولا أدركته من الله - عزّ وجلّ - رحمة، زلّت به قدمه عن العقبة، فهوى في جهنم نعوذ بالله منها-.
وهذه العقبات كلها على الصراط. اسم عقبة منها الولاية، يوقف جميع الخلائق عندها، فيُسألون عن ولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده عليهم السلام، فمَن أتى بها نجا وجاز، ومن لم يأت بها بقي فهوى، وذلك قول الله - عزّ وجلّ - ? إِنَّ رَبَّكَ لَبِ?ل?مِر?صَادِ ? سورة الفجر، الآية 14-.
34- سورة الفجر، الآية 14.
35- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص 443.


102 مشاهدة | 10-07-2017